حزام الأمان التنموي للمتقاعدين

يقدر أن يتجاوز عدد المتقاعدين سقف الـ 1.0 مليون متقاعد بنهاية العام الجاري، ناهز معدل نموهم السنوي 6.0 في المائة خلال آخر خمسة أعوام، على أن البيانات الأحدث لكل من المؤسسة العامة للتقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، كشفت عن بلوغ أعداد المتقاعدين بنهاية 2014 نحو 955.2 ألف متقاعد، وبإضافة المستفيدين من الورثة من معاشات التقاعد، فإن مجموع المستفيدين سيصل إلى نحو 1.4 مليون مستفيد، ويقدر أن يناهز بنهاية العام الجاري نحو 1.6 مليون مستفيد.

سيظل ملف المتقاعدين أحد أهم الملفات التنموية، الذي تتم العودة إليه عاما بعد عام إلى أن تجد تحدياته الكبيرة المتنامية سنويا حلولا ناجعة، فلا بد من إيجاد مخرج عاجل لكل ما يتحمله من أوضاع معيشية أرهقت أغلب الأفراد وأسرهم من المتقاعدين، وظلت تتزايد عاما بعد عام دون أن تظهر حلول ملموسة حقيقية. لقد تجمد ملف المتقاعدين وورثتهم في أمرين؛ الأمر الأول: المطالبات برفع مستوى المعاشات التقاعدية التي تدفع للمستفيدين (المقترح القائم منذ فترة طويلة هو أربعة آلاف ريال، وهو مبلغ غير كاف على الإطلاق في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة)، وضرورة تحسين ظروفهم المعيشية، وذهبت إلى الضرورة الملحة بتمليكهم السكن اللائق لمن لم يستطع منهم تملك مسكنه (بلغت نسبة من لا يمتلك مسكنا من المتقاعدين نحو 40 في المائة بنهاية 2011، ويقدر أنها ارتفعت خلال الفترة الأخيرة لأكثر من 55 في المائة أمام تضخم أسعار الأراضي والمساكن)، وتوفير الرعاية الصحية الجيدة لمتقاعدي الجهتين، خاصة أننا نعرف أن متقاعدي بعض الشركات الكبرى يستمر التأمين الصحي عليهم وعلى أسرهم من قبل شركاتهم التي يعملون فيها بعد تقاعدهم وطوال حياتهم، وإعفاؤهم من جميع رسوم الخدمات المكلفة بالنسبة لتلك الشريحة، وتوسيع دعمهم بخصوص تكاليف السلع والخدمات الأساسية. والأمر الآخر: أن كل ما تقدم ذكره أعلاه تم رفضه جملة وتفصيلا من قبل مؤسستي التقاعد والتأمينات الاجتماعية، بحجة أن كل ذلك يحمل في طياته مزيدا من التكاليف والأعباء المالية التي تفوق مقدرتهما، وهو عذرٌ مشروع تدعمه ميزانيات كل من المؤسستين، خاصة المؤسسة العامة للتقاعد. واقترحت كلاهما في ردهما أن جزءا كبيرا من الدعم يمكن تقديمه إلى المستفيدين ذوي الحاجة من قِبل وزارة الشؤون الاجتماعية، والجمعيات الخيرية؛ أي بمعنى آخر استمرار الاعتماد على حلول (الفزعة) القائمة بصورة متقطعة في الوقت الراهن.

سنوات عديدة وحال هذا النقاش والجدال كما هو، لم يصل إلى مستقر له، ولا يبدو في الأفق القريب أنه سيصل إليه! في الوقت الذي تزداد خلاله الظروف المعيشية صعوبة وضيقا على المعنيين بالدرجة الأولى به! فماذا استفادوا من هذا الجدال، إلا مزيدا من تحمل مصاعب الحياة المعيشية ومشاقها الكأداء؟! فما الحل إذن؟

هنا يأتي دور الرؤية ذات الحس الوطني بدائرتها الأوسع والأشمل، التي تنظر بعين الاعتبار إلى المخاطر المحدقة بالمجتمع ومقدراته إن استمرت تلك الأوضاع في تفاقمها باتجاهها السلبي. الرؤية التي تعلو كثيرا عن مبررات الطرف الممتنع عن تلبية متطلبات شريحة من المجتمع السعودي تناهز الـ 7.0 في المائة منه، والمقلق جدا أنها آخذةٌ في الزيادة عاما بعد عام. الرؤية التي تعلو حتى بعض المبررات الواهية من لدن بعض الأصوات المعترضة، التي تحتج بقولها إن اتخاذ مثل تلك الإجراءات الداعمة للشرائح المحدودة المعاشات من المتقاعدين، فيها إجحافٌ بحق من بذل واجتهد في حياته التعليمية والعملية! ويكفي الرد القاطع على تلك الأصوات بالقول بنقطتين: (1) هل نظر أصحاب تلك الأصوات إلى الظروف المعيشية التي وجد فيها من هم بحاجة اليوم إلى مد يد العون؟ فقد تكون السبب الرئيس وراء عدم تمكنهم من التعلم كما يجب، ومن يعلم ماذا كان سيحصل لأصحاب تلك الأصوات لو أنهم مروا بتلك الظروف المعيشية الصعبة؟ أترك الإجابة لهم. (2) هل تدرك تلك الأصوات حجم الآثار السلبية المدمرة اقتصاديا واجتماعيا على البلاد والعباد، إذا ما تركت أوضاع المتقاعدين وأسرهم بوضعها المتعسر على ما هي عليه في الوقت الراهن؟! وماذا سيبقى للمجتمع بأكمله في حال لا قدر الله، حدث أن تفاقمت نتائجها الخطيرة مهلكة الأخضر واليابس، المتمثلة في اتساع دوائر الجهل والفقر والجريمة والوقوع في براثن المخدرات؟ أليس من الأولى استدراكها مهما كلفت فاتورتها، عوضا عن تحمل خسائر أكبر وأفدح؟!

أين سنجد هذه الرؤية الوطنية المخلصة، التي تأخذ بعين الاعتبار الثروة الأولى للوطن ممثلة في النواة الأولى له (الإنسان والأسرة)، وأنها الأولى والأجدر بمنحها على ما سواها أسباب الاستقرار والرخاء والازدهار، وأنها إذ تحقق كل ذلك لنواة الوطن الأغلى، فإنها عن جدارة ستحققه لكل ما يليها من مقدرات بلادنا، وبالطبع فإن مثل هذه الرؤية الوطنية الرفيعة ذات المسؤولية العالية، تدرك تمام الإدراك تلك الأهداف، وتقدمها على عشوائية المخاطر المحتملة إن لم تتحقق. هنا تبرز الأولويات لدى تلك الرؤية المخلصة ومن يحملها، وهنا أيضا يتجلى الفارق الكبير بين من يستلهم تلك الرؤية، وبين من انحصر فكره وعمله في رقمي التكلفة والعائد!

لن يفك هذا الجدال العقيم، والدوران حول أنفسنا دون نتيجة، إلا رحمة من ربك ثم تدخل من يحمل تلك الرؤية الوطنية، وإن صوت مجتمع المتقاعدين وأسرهم وكل المستفيدين من المعاشات التقاعدية المتدنية، بما يحمله من مطالب مشروعة ومبررة، يجب أن يتجه بعد التوكل على الله إلى ملهمي تلك الرؤية ممثلين في خادم الحرمين الشريفين وولي عهده وولي ولي عهده الأمينين. ليحملها أعضاء مجلس إدارة الجمعية الوطنية للمتقاعدين إليهم، لبناء ورفع (حزام الأمان التنموي) اللازم للمتقاعدين وأسرهم، متجاوزة كل تلك المطبات والمعوقات البيروقراطية، التي أهدرت بمواجهة شتاتها ذات العشوائية وقتا طويلا لا يستحق، لا أحد يدفع ولا يدفع ثمنه المكلف إلا المتقاعدون وأسرهم وورثتهم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/05/article_1011935.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.