إصلاحات الاقتصاد كمحفز للنمو والتوظيف

أخذت وتيرة إصلاحات الاقتصاد الوطني خلال أقل من عام مضى، نمطا أسرع وأكثر جرأة مما كان متوقعا، واللافت أنها أتت خلال مرحلة يواجه فيها الاقتصاد والمالية العامة انخفاض أسعار النفط بأكثر من 60 في المائة، مقارنة بمستوياته المرتفعة في منتصف العام الماضي.

ليس حصرا لها هنا، بقدر ما أنه استشهاد بأهم تلك الإصلاحات، بدءا بتسهيل عمل الشركات العالمية وتقديم الحوافز بما فيها العمل المباشر في الأسواق السعودية للهادف منها بالاستثمار محليا، واشتراط أن تتضمن عروض الشركات خطط تصنيع واستثمار ببرامج زمنية محددة، ونقل للتقنية والتوظيف والتدريب للمواطنين بما يحقق المصالح المشتركة للجانبين. إضافة إلى تأسيس كل من هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة، والهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحويل مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات إلى هيئة عامة “الهيئة العامة للإحصاء”، وأخيرا صدور موافقة مجلس الوزراء على إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء. كل هذا ليس إلا أمثلة على ما يتم الحديث عنه هنا.

إنها حزمة واسعة من الإصلاحات والقرارات الاستراتيجية، تدل كما تشير القراءة السريعة لتطورات آخر عشرة أشهر من العام الجاري، على أنها ليست سوى باكورة إصلاحات وتغييرات واسعة سيشهدها هيكل الاقتصاد الوطني في المستقبل القريب، التي سيكون مصنعها الأول الذي يتم رسم وتصميم خطوطها التفصيلية “مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية”، في جهود عنوانها الرئيس التصدي لأهم وأبرز تحديات الاقتصاد الوطني في الوقت الراهن ومستقبلا، والعمل المتكامل على الخروج به من الاعتماد المفرط على عوائد النفط، إلى مزيد من الاستقلالية والإنتاجية ذات القاعدة المتنوعة، والقضاء على تفشي أشكال الفساد المالي والإداري، إضافة إلى التصدي الجاد لتحديات البطالة والفقر وتباين الدخل بين شرائح المجتمع، والعمل أيضا على محاصرة أشكال هدر الموارد والأموال وتعثر تنفيذ المشروعات الحكومية التنموية، وتخطي معوقات الأداء البيروقراطي الرتيب الذي تعانيه أغلب الأجهزة الحكومية، وتحفيز منشآت القطاع الخاص عبر زيادة اعتمادها على أدائها التشغيلي، وتخفيف استنادها إلى الدعم الحكومي بمختلف أشكاله، وإلزامها بالعمل في بيئة أكثر تنافسية بعيدا عن سيطرة أشكال الاحتكار والفساد واستغلال النفوذ.

كل ذلك مجتمعا وغيره من التطلعات المشروعة تجاه تحفيز مقدرات ونشاطات الاقتصاد الوطني، بأكبر قدر ممكن من الإصلاحات والتطوير، يخطط إلى أن تسير وفق برامج تكاملية للعمل والتنفيذ، بعيدا عن تفرد أي من الأجهزة الحكومية ببرامج عملها دون غيرها، ما قد يتسبب في تعارض أو تضارب الجهود، الأمر الذي قد يكون أحد أهم اشتراطات التنمية المستدامة والشاملة الغائبة طوال 45 عاما من عمر خطط التنمية في البلاد.

بالنظر إلى التحديات التنموية الراهنة والمستقبلية، واكتشاف كيف أنها ظلت تتفاقم عاما بعد عام طوال العقود الماضية، على الرغم من توافر الموارد المالية والبشرية الوطنية، وبعد الدراسة والفحص لكافة تفاصيلها، لا شك أنه سيصل إلى نتيجة بالغة الأهمية؛ مؤداها الوحيد هو غياب أو ضعف كفاءة الأداء والإنتاج والتشغيل، الذي نتج في الأصل عن غياب أو ضعف الرقابة والمراجعة والمحاسبة والتنسيق والمتابعة، الذي نتج بدوره عن الغياب شبه التام للرؤية الشاملة للاقتصاد الوطني، والدفع به نحو النمو المستدام والشامل. وتجد أن في كل عثرة من تلك العثرات، ظهر لدينا عديد من أشكال التأخر أو سوء التنفيذ، إضافة إلى عديد من أشكال الفساد والاحتكار والتستر إلى آخر متوالية ابتعاد المنجزات عن الأهداف المرسومة في بداية كل برنامج تنموي.

ضع كل ما تقدم في ذاكرتك، ثم انظر إلى ما تحقق حتى تاريخه على الرغم من قصر فترته الزمنية، فستجد أن جزءا كبيرا من تلك المعوقات والعثرات التنموية، قد بدأ شيئا فشيئا في التلاشي، وأن نمطا آخر لهيكل الاقتصاد الوطني آخذ في التشكل والظهور، وهو التحول المتوقع أن يستغرق أعواما تراوح بين ثلاثة وخمسة أعوام، وأن تستمر فترة ترقب وتحقق نتائجها طوال عقدين زمنيين قادمين.

للوصول لكل تلك الغايات والطموحات المشروعة؛ فلا شك أن اقتصادنا بحاجة أكبر إلى إرساء النزاهة والتنافسية ومحاربة كل من الفساد والاحتكار بكافة أشكالهما، وتوفير الدعم للشرائح الفتية من السكان، وتحفيز الثروات والموارد التي أنعم الله بها على بلادنا للاستثمار والإنتاج والتشغيل، عوضا عن تكديسها في مجرد أراض بيضاء كمخزنات قيمة، وعوضا عن مجرد تدويرها في مضاربات بحتة، لا أثر لكل منهما سوى إلحاق أشد الأضرار بالتنمية والاقتصاد والمجتمع على حد سواء، في الوقت الذي تتسبب فيه من حرمان اقتصادنا ومجتمعنا من عوائد قيمها المضافة، وحجب آثارها الإيجابية عن التحقق على المستويات التنموية كافة. لعل من أهم تلك الآثار التي غيبتها أشكال الاحتكار والمضاربات، وخلفهما تفشي أشكال الفساد والتستر، حرمان الاقتصاد من حسن استغلال الفرص الاستثمارية الواعدة والتنافسية، والتسبب في إضعاف قدرته على إيجاد فرص العمل الكريمة والملائمة للشباب والفتيات، والتسبب أيضا في إبقاء الاقتصاد الوطني رهينا للاعتماد المفرط على النفط، بمعنى إبقائه اقتصادا ريعيا أكثر وحرمانه من التطور والتحول إلى اقتصاد أكثر اعتماد على قاعدة إنتاجية متنوعة ذات كفاءة أفضل، الذي يعني أيضا استمرار حياة التشوهات التنموية الناتجة عن وجود مثل هذا الشكل من أشكال الاقتصاد الريعي؛ كالتباين الكبير في مستويات الدخل بين طبقات المجتمع وشرائحه، وضعف إيجاد الوظائف وفرص العمل، إضافة إلى منع الاقتصاد والمجتمع بدرجة أكبر من الاستقلالية والتنوع والنمو المستدام والشامل.

ختاما؛ لا ينافس ما يجري في الوقت الراهن ومستقبلا من إصلاحات وتطوير يخضع لها الاقتصاد الوطني أي أمر آخر، وهو الهدف والعمل الذي يوجِب التفاف الجميع حوله دون استثناء. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/30/article_1010604.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.