الرسوم على الأراضي أصبحت واقعا

استغرقت الرحلة الزمنية للرسوم على الأراضي حتى رأت النور أخيرا، نحو سبعة عشر عاما منذ أن سطر أول مقترح لها المستشار القانوني عبد الرحمن النافع، في خطاب أرسله إلى وزارة المالية مطلع يناير 1999، تضمن مرئيات بفرض رسوم خدمات على أصحاب الأراضي التي يمتلكها أصحابها لغرض التجارة، انتقل به لاحقا لعرضه على عدد من أعضاء مجلس الشورى آنذاك، ليدخل المشروع منذ تاريخها طوال تلك الأعوام الطويلة، رحلة طويلة جدا وسط غابة كثيفة من الإجراءات البيروقراطية، بين الأجهزة الحكومية ذات العلاقة من جهة، ومن جهة أخرى مجلس الشورى، استقر بها المطاف خلال الأعوام الأخيرة في أروقة وزارة الإسكان، ترقبا لإعلانه وصدوره بصورة رسمية، إلا أنه واجه عديدا من العقبات والتأخير.

حدث كل ذلك؛ في الوقت ذاته الذي ظلت أزمة الإسكان وتشوهات السوق العقارية، ووتيرة التلاعب بصفقات الأراضي تتسع دوائرها، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من تعقيدات ما كان لها أن تتشكل بهذا الحجم الراهن، الذي جعل منها أحد أكبر التحديات التنموية كما نشهده جميعا دون استثناء، وتحولت خلال آخر أربعة أعوام التي سبقت العام الجاري إلى أهم قضية رأي عام محلية، لا ينافسها في هذا الاهتمام سوى القضايا التنموية المتعلقة بالتوظيف ومكافحة البطالة، خاصة بين صفوف الشرائح الفتية من المجتمع، إضافة إلى متابعة أداء تنفيذ مشروعات الدولة في عديد من القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والمواصلات والخدمات البلدية، التي عانت التعثر والتأخير.

لكنها رأت النور الحقيقي لوجودها، وتحولت إلى واقع متين خلال ثمانية أشهر فقط، على يد الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، حيث تم رفع التوصية بها إلى مجلس الوزراء في 23 مارس 2015، لتأخذ بعدها إجراءاتها التنظيمية المعلومة لدى الجميع، إلى أن صدر قرار مجلس الوزراء الموقر بالموافقة على نظام رسوم الأراضي البيضاء المقرر من مجلس الشورى أمس الأول الإثنين 23 نوفمبر 2015، وينتظر صدور النظام ولوائحه التنفيذية بمرسوم ملكي كريم قبل تاريخ 23 مايو 2016 المقبل، وأن يبدأ العمل به وتطبيقه قبل تاريخ 23 نوفمبر 2016، أي بعد نحو عام من تاريخ أمس الأول الإثنين.

لقد قاوم صدور هذا النظام بكل شراسة تجار التراب، ولجانهم العقارية القابعة في الغرف التجارية، وعديد من المحسوبين عليهم كسماسرة وكتاب، وشكلوا طوال الفترة 2011 – 2015 منظومة متكاملة للدفاع وعدم تنفيذ مشروع الرسوم على الأراضي، بدأت من الرأي الإعلامي، وانتهت بفضل قوة نفوذها لتتغلغل داخل عديد من الأجهزة الحكومية، وبينهما أصدرت عديد من التقارير والدراسات التي تحبط من الآثار المتوقعة لإقرار الرسوم على الأراضي، وأنها لن تؤدي إلا إلى مزيد من تعقيد الأزمة العقارية والإسكانية على حد سواء، ووصل بها الأمر فيما يشبه الوعيد إلى القول بأن تلك الرسوم سيتم تحميلها على المشتري الأخير (المواطن)، وكأن صوت تجار الأراضي يلمح هنا إلى اهتمام هو في الأصل مفقود بالمواطنين! سرعان ما انقلب هذا الرأي من هذه المنظومة المتكاملة لتجار التراب والعقاريين أخيرا، بعد ظهور مؤشرات قوية على أن مشروع الرسوم على الأراضي سيرى النور قريبا، أؤكد سرعان ما تحول الرأي المطروح لهذه المنظومة العقارية إلى ما يشبه الاستكانة والاستسلام، والزعم بأن تطبيق الرسوم على الأراضي سيؤدي إلى تراجع الأسعار بصورة حادة، وأن هذا الأمر يهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي للبلاد، دون أن تقدم هذه المنظومة المتمكنة جدا لتكتلات تجار التراب والعقاريين دليلا واحدا على صحة هذا الادعاء الباطل، ودون أي تعليق يذكر من قريب أو بعيد على الآثار السلبية الوخيمة، التي كابدها الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء من التضخم المفرط وغير المبرر في أسعار تلك الأراضي الجرداء داخل النطاقات العمرانية للمدن، ولا تكلفة الإيجارات السنوية المكلفة جدا التي أثقلت كاهل كل من المواطن والمقيم وقطاع الأعمال، كل هذا لم يرد ضمن أي من أطروحات منظومة تجار الأراضي والعقاريين على الإطلاق.

اليوم؛ وقد أصبح مشروع الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات والمراكز واقعا لا لبس فيه، بل ينتظر اللحظة الأخيرة لإقراره بموجب مرسوم ملكي، تغيرت تماما لغة وطرح المنظومة العملاقة لتجار التراب والعقاريين، لتبدأ في نسج وعود زاهية الألوان لمستقبلهم ومستقبل تجارتهم! وأن ما ستفسر عنه مرحلة ما بعد تطبيق نظام الرسوم على الأراضي، كما أنه يحمل مستقبلا واعدا للاقتصاد الوطني وأفراد المجتمع، وأنه كما سيؤدي إلى إعادة التوازن الذي كان مفقودا تماما بين قوى العرض والطلب، وسيؤدي إلى خفض الأسعار المتضخمة جدا للأراضي والعقارات وتكلفة إيجاراتها، فإنه بجانب كل ذلك سيؤدي إلى تعزيز وازدهار تجارتهم وتحديدا نشاطات كل من التطوير العقاري والمقاولات والتشييد والبناء، وغيرها من النشاطات المرتبطة بها كالمكاتب العقارية وتجار السمسرة!

لا غرابة إن علت وجوه كثير منا علامات التعجب والاستغراب لقاء هذا الطرح الأخير، الذي بدأت تبثه منظومة تجار التراب والعقاريين، ولا عجب أن نتساءل جميعا؛ أين كان هذا الطرح في مرحلة سابقة؟ ولماذا لم تجُد به علينا منظومة تجار الأراضي والعقارات في وقت كانت البلاد في أحوج ما تكون إلى مساندتهم ودعمهم؟ ولماذا أفرطت تلك المنظومة في طرح آراء مخالفة تماما لهذا الرأي الأخير؟ بل لقد أفرطت حتى مع مَن خالفها الرأي في ساحات الحوار الإعلامي باختلاف وتعدد أنواعه؟ ألا ترى أنها بتلك الآراء السابقة قد تسببت في تعطيل مشروع وطني لعدة أعوام طويلة، كان سيحمي الاقتصاد الوطني والسوق العقارية من التشوهات الراهنة التي أرهقته جدا؟ وأخيرا؛ كيف لنا جميعا أن نثق بأي طرح آخر لتلك المنظومة في الشأن الاقتصادي والمالي عموما، وفي الشأن العقاري على وجه التحديد؟

ختاما؛ إن المرحلة التي وصلنا إليها اليوم، تعد مكسبا وطنيا عملاقا للاقتصاد الوطني والمجتمع السعودي على حد سواء، ستكون إحدى أهم نقاط التحول في تاريخنا المعاصر، التي ستنير ـــ بإذن الله تعالى ـــ مستقبل هذه البلاد وأهلها بكثير من انفتاح الفرص والنمو والاستقرار، وفي الوقت ذاته ستعمل على الحد كثيرا من مخاطر التحديات التنموية، التي عاناها الاقتصاد وأفراد المجتمع على اختلاف شرائحهم. كما أن الحديث عن مستقبل الاقتصاد والسوق العقارية فيما بعد تاريخ إعلان الموافقة على مشروع نظام الرسوم على الأراضي، يعد اليوم أحد أهم المواضيع اللازم إيضاحها والتطرق إليها، وتقديم خلاصتها للقارئ الكريم، وهو بمشيئة الله تعالى ما سيتم خلال الفترة القريبة المقبلة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/25/article_1009292.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.