(ورطة) حلول التمويل

ما إن تحتل مكانك أمام الموظف المسؤول عن التمويل العقاري في المصرف، إلا وتشاهد أبواب حلول التمويل قد تفتحت أمامك على مصارعها! تحمل إليه رغبتك في شراء مسكن (فيلا) تقدر تكلفة شرائها بـ 1.25 مليون ريال على سبيل المثال، فيخبرك الموظف بشروط التمويل العقاري، ومعدل الفائدة السنوي، وأهم تلك الشروط إن تجاوزت بسلام أسئلته المحددة عن دخلك الشهري، وعمرك، وأين تعمل، التي تتطلب تحت مظلة الحالة أعلاه؛ ألا يقل راتبك الشهري عن عشرة آلاف ريال، وأن تكون جهة عملك حكومية أو شركة لديها اتفاقية موقعة مع المصرف، وألا تقل سنوات ما تبقى على تقاعدك من وظيفتك عن 20 عاما، وفي حال كانت أقل من ذلك فالأعباء المالية ستكون أعلى كاهلك.

يبدأ الموظف الآن بسرد الشروط الواجب الوفاء بها من قبلك، بأن عليك دفع الدفعة المقدمة النظامية 30.0 في المائة من إجمالي قيمة الأصل العقاري المستهدف بالشراء، التي ستبلغ هنا نحو 375 ألف ريال، فيما سيتولى المصرف أو منشأة التمويل دفع المبلغ المكمل لإجمالي قيمة الأصل العقاري البالغة هنا نحو 875 ألف ريال، بمعدل فائدة سنوي 4.0 في المائة (قد يكون فعليا أعلى أو أدنى بنسبة طفيفة وفقا لمعدلات الفائدة السائدة الآن)، وتقوم أنت المشتري بتحمل مسؤولية سداد أقساطها الشهرية لمدة 20 عاما (240 شهرا بالتمام والكمال)، التي يقدر قيمة قسطها الشهري وفقا لحالة المثال هنا بنحو 6.6 ألف ريال شهريا.

حتى الآن لا توجد أية مشكلة إذا كان في إمكان المشتري دفع المقدم البالغ 30 في المائة، بغض النظر عن هل هذا الأصل العقاري متضخم السعر أم لا؟ وهو كذلك بالفعل وفقا للأسعار المتضخمة جدا التي تشهدها السوق العقارية خلال الفترة الراهنة، فقد لا تتجاوز القيمة العادلة لذلك المسكن مبلغ 300 ألف ريال، ما يعني قدرة المشتري على شراء الأصل العقاري دون الحاجة إلى الاقتراض من الأصل، وإن حدث ولجأ المشتري إلى المصرف أو شركة التمويل، فلن تشكل تلك التكلفة أية أعباء مالية مرهقة على كاهله.

تبدأ المشكلة الحقيقية، أو الورطة المالية البالغة التعقيد في حالتنا هنا، إذا لم يكن لدى المشتري القدرة على دفع مبلغ الدفعة الأولى (30 في المائة من إجمالي قيمة الأصل العقاري)، التي تندرج تحت ما اصطلح على تسميته بـ (حلول التمويل)! الذي ينشط خلفه العديد من الأفراد والمؤسسات، تتولى تلك الأطراف دفع الدفعة الأولى المشترطة نظاميا، ومن ثم تستعيد قيمة تلك الدفعة الأولى مضافا إليها فائدة التمويل خلال أسبوع أو أسبوعين من دفع المصرف أو مؤسسة التمويل لتكلفة شراء المسكن، والأعجب هنا أن تلك الفائدة لا تقل بأي حال من الأحوال عن نسبة 33 في المائة من إجمالي قيمة الدفعة الأولى! فكيف تتم هذه العملية المخالفة للأنظمة؟!

تتم باتفاق ضمني بين موظف المصرف والمشتري والبائع على إضافة قيمة الدفعة الأولى زائدا فائدتها إلى تكلفة شراء المسكن، لترتفع في حالتنا هنا من 1.25 مليون ريال إلى المبلغ نفسه مضافا إليه مبلغ الدفعة الأولى زائدا فائدتها الباهظة، التي قد تتجاوز في هذه الحالة سقف الـ 1.8 مليون ريال، وهذا يعني ارتفاع عبء تمويل شراء الأصل العقاري على المشتري بصورة بالغة التعقيد، وتعني أيضا تورطه في تحمل أعباء مالية بالغة الإرهاق، لا شك أنها ستعرضه مستقبلا لضغوط نفسية واجتماعية ومادية لا تحمد عقباها.

إن مما لا شك فيه، أن ما سينتج عن هذه الاتفاقية المخالفة للأنظمة بين الأطراف كافة، أن الأطراف كافة عدا المشتري ستخرج رابحة جدا، فالبائع تخارج بشق الأنفس من عقاره الذي قد يكون انتظر لأجل بيعه عدة أعوام، وموظف المصرف أو شركة التمويل أنجز الهدف الوظيفي الملقى عليه، وسيحصد عائده السخي نهاية العام المالي في مكافأته السنوية، والممول لقيمة الدفعة المقدمة حصد أرباحا طائلة لا يمكن منافستها خلال فترة وجيزة جدا، ستمنحه قدرة أكبر على التوسع في ممارساته المخالفة من الأصل، فيما أطبقت كل تلك المكاسب لبقية الأطراف على رأس المشتري كتكاليف إضافية بالغة السوء، والمعقد هنا في هذه الحالة البالغة الغرابة؛ أن المشتري هو مَن قدم نفسه كضحية دسمة جدا لكل تلك الأطراف!

نعم تتحمل إدارة الرقابة داخل المصرف أو شركة التمويل مسؤولية منع مثل هذه المخالفات الصارخة، التي تصنف ضمن عمليات استغلال العميل والاحتيال عليه، وتتحمل أيضا مؤسسة النقد العربي السعودي جزءا مهما من المراقبة والمحاسبة على مثل هذه العمليات المخالفة، إلا أن المسؤولية الأكبر تقع على المشتري قبل كل تلك الأطراف كافة، فلو أنه أدرك حجم الورطة التي ألقى بنفسه في حفرتها العميقة، والتي لن يخرج منها حتى وفاته (إن خرج منها في الأصل)، لما رضخ لإغراءاتها وتسهيلاتها التي قدمت إليه كـ (حلول تمويل) مستغلة ضعف حيلته، وقلة وعيه بأخطارها الكبيرة، بينما هي في الأصل لا تتجاوز على أقل تقدير؛ موافقته الكاملة على السماح لغيره بسوء استغلاله، وتوريطه فيما لا قدرة له على تحمل أعبائه وأخطاره البالغة الخطورة.

لكن؛ كل ذلك لا يخلي مسؤولية مؤسسة النقد والمصارف ومؤسسات التمويل، وضرورة أن ترفع درجات رقابتها الصارمة على مثل تلك الممارسات المخالفة، التي يذهب ضحيتها الكثير من الأفراد دون فهم أو إدراك لأخطارها الكبيرة، وتتحمل بدرجة أسبق ضرورة قيام مؤسسة النقد والمصارف ومؤسسات التمويل بتوعية أفراد المجتمع بمخاطر مثل تلك الممارسات، وتعريفهم بأنواعها وأساليبها كافة، وكيفية الإبلاغ عنها بسهولة وسرعة، وهذا أمر بالغ الأهمية إلى أبعد درجة، أن تتولى مؤسسة النقد والقطاع التمويلي تحمل مسؤولية رفع وعي أفراد المجتمع تجاه مثل تلك المخالفات الخطيرة، التي لن يذهب ضحية لها سوى الأفراد أنفسهم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/23/article_1008705.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.