انفراج أزمة الإسكان

على الرغم من الانعطافات الوعرة التي مرّت بها أزمة الإسكان طوال الأعوام الماضية، وعدم تحقق كثير من التطلعات والمأمول، ورغم قوة امتناع حصون تجار التراب والعقارات، التي قاومت ولا تزال أي أدوات أو إجراءات للحل، ولعل ما نشهده في الفترة الراهنة من مخاض عسير لولادة واحد من أهم القرارات إن لم يكن أهمّها على الإطلاق؛ ممثلا في قرب العمل بمشروع الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات والمراكز، أقول على الرغم من كل ذلك، فإن بشائر انفراج هذه الأزمة المفتعلة قد بدأت في الظهور بحمد الله، والاستحواذ على أجزاء أكبر من إطار مشهد السوق العقارية.

لم يعد بإمكان القوى العقارية السيطرة على نفسيات الأفراد والتلاعب بها كما اعتادت عليه في السابق، وتلاشى كثير من القوة والقدرة التي كانت في يدها سابقا، التي وظّفتها بدرجة فاعلة في إبقاء الجميع تحت رحمتها، وتوجيهها رغما عن إرادتها نحو أهدافها المعلنة وغير المعلنة. لقد اختلفت الصورة والمشهد في الوقت الراهن من رأسها إلى أخمص قدميها.

اليوم؛ البائعون هم من يطارد المشترين، والمزادات العقارية التي كانت تشهد ازدحاما شديدا، أصبحت مقاعدها خالية تماما إلا من المساهمين الذين أسسوها، بل لقد وصلت الحال بالمزادات العقارية، إلى أن استسلم المساهمون لعقد المبايعات وإنهاء المساهمة فيما بينهم، يبيعون ويشترون فيما بينهم بما يكفل على أقل تقدير تغطية تكلفة المساهمة. كل هذا يُضاف إلى أرصدة إعلانات عروض بيع الأراضي والفلل السكنية، التي تجاوزت مئات الآلاف على صفحات الصحف اليومية، وعبر شوارع المدن والمحافظات، وتحديدا في المدن الرئيسة. الأمر والشاهد الأهم؛ هو ما تكشفه يوما بعد يوم بيانات وزارة العدل حول نشاطات السوق العقارية، لا من حيث انخفاض قيمة صفقات السوق، ولا من حيث انخفاض الأسعار، وهو ما دأبت صحيفة “الاقتصادية” على نشره بصورة أسبوعية كل يوم ثلاثاء.

كل ما حدث من تطورات إيجابية، بدأ في الظهور بصورة لا يكاد يلمسها الأفراد مع مطلع الربع الثاني من العام الجاري، وهي الفترة التي تلت الإعلان رسميا عن إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء في تاريخ 23 آذار (مارس) الماضي من هذا العام، ثم ازداد ظهورها أكثر بدءا من الصيف، وزاد توهجها أكثر بعد إحالة مشروع الرسوم على الأراضي من مجلس الوزراء الموقر إلى مجلس الشورى قبل أقل من شهر، وتوشك أن تصبح محل صيغتها النهائية قبل نهاية العام الجاري، أو مطلع العام المقبل على أبعد تقدير. أؤكد كما سبق التأكيد عليه سابقا؛ على أن أفراد المجتمع هم أولى الأطراف للعلم بكل هذه التطورات، وأنّ المسؤولية تقع عليهم قبل غيرهم من الأطراف، من أجل الاستفادة وتوظيف تلك التطورات في جانب مصلحتهم بالدرجة الأولى، حال بدئهم الدخول في أي صفقات لشراء الأراضي أو العقارات، وأن يدركوا أنّ الانخفاضات في الوقت الراهن وفقا لآخر البيانات الصادرة عن وزارة العدل، تتأرجح بين 11.0 في المائة إلى نحو 18.0 في المائة بالنسبة إلى الفلل السكنية، تختلف نسبها حسب مواقعها في المدن وداخل الأحياء، وبالنسبة إلى الأراضي ترتفع نسب الانخفاض بدرجة أكبر راوحت بين 18.0 في المائة إلى أعلى من 30.0 في المائة، تباينت نسب الانخفاض أيضا حسب اختلاف المدن، ووفقا لاختلاف مواقع الأحياء داخل تلك المدن والمحافظات.

وبغض النظر عن التجاذبات الراهنة حول تفاصيل آليات الرسوم على الأراضي، فإنّ مجرد إقرارها كفيل بإصابة تضخم الأسعار المبالغ فيها في المقتل، وحتى إن صحّت أقوال بعض المصادر حول الموعد الزمني لإقرارها بعد ثلاثة أعوام، فبالنظر إلى ضخامة مساحات الأراضي البيضاء ومخططاتها التي تتجاوز في عديد من المدن، المساحات المأهولة بالسكان! فإنّ بدء تحرير تلك الأراضي وعرضها على جانب العرض، كفيلٌ وحده بأن يجرف تضخم الأسعار إلى طريق لا رجعة منه! وهذا يعني مزيدا من الانخفاض دون أدنى شكّ في الأسعار المتضخمة اليوم، التي بدأت قلاعها الحصينة في التصدّع والتفكك كما أوضحت أعلاه.

لهذا؛ يقع على الفرد المشتري مسؤولية توظيف تلك التطورات الإيجابية في جانب قوته التفاوضية، فكل تأخير من قبله، وزيادة في إصراره على التمسك بالسعر الذي يراه مناسبا لقدرته، يعد في الوقت الراهن بطاقة ذهبية لا يجب التفريط فيها من قبله! وهذا على عكس ما كان دارجا في السابق إلى وقت قريب، الذي كان فيه المشتري يدفع عربون الشراء، ويأتي في اليوم التالي لإكمال صفقة الشراء، ليُفاجأ المشتري بتغير موقف البائع، مطالبا بسعر أعلى من السعر المتفق عليه! كل هذا أصبح في طي النسيان، فالبائع المحتمل بسعر معين تم عرضه اليوم، يدرك تماما في ظل الظروف والتطورات الراهنة، أنّه قد لا يجده غدا ولا أقول بعد غد! وأنّ قبوله بانخفاض سعري نسبته قد لا تتجاوز 15 في المائة في الوقت الراهن، يعني أنّه قرار أفضل دون أدنى شكّ من قبوله رغما عنه بسعر مستقبلي نسبة انخفاضه أكبر من تلك النسبة.

لقد تأكدت حقيقة أن حال البائع اليوم بسعر أدنى، هي أفضل بمرات من حال البائع في المستقبل القريب! وأن حال المشتري في المستقبل القريب، لا شك أنّه أفضل بكثير من المشتري بأسعار السوق في الوقت الراهن! لقد أصبح تأخّر الوقت يصب في مصلحة المشتري، وهذا يعزز كثيرا قدرته وقوته مقابل القدرة التفاوضية للبائع، ومع زيادة عروض بيع الأراضي والعقارات، وتوقع أن تتزايد بصورة غير مسبوقة فور الإعلان رسميا عن موعد بدء العمل بفرض الرسوم على الأراضي، وتقاطع تلك المرحلة مع إعلان الميزانية العامّة للدولة، وتحت استمرار العمل بسياسات اقتصادية ومالية أكثر تحفّظا من الأعوام الماضية، كل تلك العوامل كفيلة بترك آثار إيجابية جدا في الأسعار المتضخمة في السوق العقارية، وقد يكون من المفيد القول هنا، إنّ على ما يرى عكس هذه الحقائق، وتحديدا من سماسرة العقاريين تقديم لو حجّة أو إثبات واحد فقط، يثبت بدليل قاطع صحّة أقوالهم المعارضة لكل ما تقدّم، أؤكد نريد جميعا دليلا واحدا فقط لا أكثر.

أخيرا؛ يمكن للمشتري اليوم وغدا وفي المستقبل القريب، اتخاذ قراره بالشراء من عدمه، وتوظيف كل تلك العوامل والتطورات في مصلحته، وهو حقٌ مشروعٌ له، كما أنّ الطرف البائع قد استفاد من عوامل وتطورات سابقة، ووظفها لمصلحته سواء بطرق مشروعة أو بغيرها، فإنّ للمشتري القيام بما يراه يصبُّ في مصلحته والمحافظة عليها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/14/article_1006298.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.