الإسكان .. تحديات تنموية كبيرة

لا يمكن لشخص ما، يتجول في مدينة “لندن” للمرة الأولى، أن يصل إلى أي هدف وهو يحمل في يديه خريطة مدينة “باريس”! هذه باختصار قصة فشل أية خطط أو استراتيجيات لمعالجة أية تحديات أو أزمات في أي مجال، فحينما تتسع الهوة والاختلاف بين ما هو واقع على الأرض من جهة، ومن جهة أخرى ما هو مدون في مطويات الأوراق من تشخيص وخطط وبرامج، تأكد ألا مجال لديك للوصول إلى أهدافك، وتتحقق نسبة اصطدامك بهذه النتيجة، بارتفاع نسبة الاختلاف تلك! فإن كانت نسبة الاختلاف تصل إلى 100 في المائة، فلا شك أن نسبة تعثرك أو فشلك لن تقل عن تلك النسبة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد! بل يتخطاه إلى أن سيرك في تتبع خريطة لا تمت إلى واقع ما تسير عليه قدماك، سيتسبب في إهدار الكثير من وقتك وجهدك ومالك، وكلما تأخر اكتشافك لهذه الحقيقة، تفاقمت عليك فاتورة الهدر. وليس هنا الحديث؛ إنما ينصب على أن تأخرك عن الوصول إلى أهدافك، سيفوت عليك أيضا تحقيقها في الوقت المناسب، وبالتكلفة المناسبة، فما هو متاح لديك في الوقت الراهن من أهداف مشروعة، لن يكون كذلك على الإطلاق إذا وصلت متأخرا إليها، فقد تصل بعد إغلاق الأبواب، وقد تضطر إلى مضاعفة مواردك وجهودك ومتطلبات اقتناص الأهداف ذاتها، فإن لم تستطع تحقيق هذه الشروط، فلا مجال لديك إلا أن تعود من حيث أتيت.

طبق الرؤية السابقة أعلاه على الكثير مما تقوم به شخصيا كفرد، ثم طبقه على ما تشاء من أعمال وجهود أي جهة حكومية أو في القطاع الخاص. وللإيضاح بصورة أكبر؛ هل ستكون الفرص والخيارات التي أمام “المرء” الحاصل على الشهادة الثانوية في عمر الثامنة عشرة، هي ذاتها إذا حصل على الشهادة ذاتها وقد تخطى من العمر سن الأربعين؟! أترك الإجابة للقارئ الكريم. إن تفويت تحقيق الأهداف والإنجاز المأمول في الوقت المناسب، يعني تماما في مرحلة تالية تقلص ما كان متاحا من الفرص والخيارات، وكلما تأخرت تقلصت تلك الخيارات، حتى تصل إلى انعدامها تماما بالنسبة إليك.

تمهيد كان لا بد منه، ونحن نعايش أو نواجه بمعنى أدق في المرحلة الراهنة، أحد أهم وأكبر التحديات التنموية ممثلة في أزمة الإسكان، وهو تمهيد نظري يمكن الاعتماد عليه حتى في مواجهة أي من التحديات التنموية الأخرى. لقد شهدنا جميعا طوال العقد الزمني الماضي، كيف تفاقمت هذه الأزمة المفتعلة وغير المبررة، في الوقت ذاته الذي حبا الله هذه البلاد بحمد له وشكر، كل هذه الموارد والفوائض المالية غير المسبوقة، وأمام مساحات شاسعة جدا من الأراضي والمخططات داخل النطاقات العمرانية للمدن والمحافظات والمراكز، يمكن لمخزونها الهائل بأرقام الوقت الراهن، استيعاب أكثر من ضعف عدد سكان البلاد بمن فيهم المقيمون، الذي تجاوز تعداده في منتصف عام 2015 نحو 31.5 مليون نسمة (السعوديون نحو 21.1 مليون نسمة، غير السعوديين نحو 10.4 مليون نسمة)، فلماذا يا ترى استعصى علينا حل ما ليس له في الأصل، أي موقع من الإعراب في قاموس التحديات والأزمات؟!

تأكد للجميع أن الرؤية التي تحملها وزارة الإسكان في الوقت الراهن، تجاه أزمة الإسكان، لا ترى أن لمصدرها الرئيس أي علاقة بنقص الأراضي، أو نقص الموارد، أو أي أمر آخر مما أظهرته نتائج دراسات تشخيص الأزمة الماثلة أمامنا اليوم، بمعنى أن احتكار الأراضي لا يمثل من وجهة نظر الوزارة سببا مباشرا لنشوء الأزمة، والسبب في ذلك برأيها؛ أنه لا يوجد في الأصل احتكار للأراضي! وأن أغلب أسباب الأزمة حسب رؤيتها، يتمحور حول “فكر” الأفراد، الذي قادهم إلى رفع سقف توقعاتهم وآمالهم في نوع السكن الملائم لهم، دون النظر إلى مستويات الدخل التي يتحصلون عليها. ولهذا فإن الحل من وجهة نظر وزارة الإسكان في المرحلة الراهنة، يكون وفقا للمقولة الشعبية الدراجة “على قد لحافك، مد رجليك”، فإذا كان دخلك الشهري يبلغ على سبيل المثال ثلاثة آلاف ريال فقط (36 ألف ريال سنويا)، فليس أمامك إلا القبول بمسكن لا تتجاوز تكلفته سقف 180 ألف ريال (وفقا لمضاعف إجمالي تكلفة مسكن إلى الدخل السنوي، لا يتجاوز الخمسة أعوام)، ورغم أن الوزارة تنصح باستبدال لفظ “مسكن العمر” بلفظ آخر سمته “بيت المرحلة”، فيتكرر حدوثه لكل فرد باحث عن سكن ثلاث مرات، بمعنى اقتراحها انتقال الأسرة كل خمسة أعوام إلى عشرة أعوام من “بيت مرحلة” إلى “بيت مرحلة” أخرى، دون إيضاح مقنع لهذه الرؤية، وقفزا على حقيقة أن الفرد وأسرته في الوقت الراهن، عاجزون تماما في الأصل عن تملك أي مسكن لمرة واحدة، فما بالك والوزارة تقدم لك مشورتها الجديدة بتملك مسكنك ثلاث مرات متتالية؟!

هل تعلم وزارة الإسكان أن نحو 55.0 في المائة من السعوديين العاملين في القطاع الخاص، تبلغ أجورهم الشهرية أدنى من ثلاثة آلاف وخمسمائة ريال؟ وهل تعلم أنها بمنهجها الأخير؛ تتجاهل أهم أسباب أزمة الإسكان المتمثلة في تضخم أسعار المساكن؟ وهل تعلم أنها تتجاهل هنا مصدر تضخم أسعار المساكن، الذي أتى من تضخم أسعار الأراضي (يراوح بين 60 و70 في المائة من تكلفة المسكن)؟ وهل تعلم أن مصدر تضخم أسعار الأراضي أتى بالدرجة الأكبر من احتكار الأراضي داخل ووسط المدن والمحافظات والمراكز؟ وإذا كانت تلك المساحات الشاسعة من الأراضي داخل ووسط المدن، الممنوعة من الانتفاع والتطوير والاستخدام، ليست وفقا لرؤية وزارة الإسكان ناتجة عن احتكار وتخزين للثروات، فماذا برأيها سيكون السبب وراء استحواذ تلك الأراضي على أكثر من 60 في المائة من مساحات المدن؟!

لن تجد أزمة الإسكان سبيلا إلى الحل والانفراج، ونحن نقفز فوق أساس الأزمة! وليس حلا أبدا أن تستلم وزارة الإسكان، وتريد من أفراد المجتمع الاستسلام لأسعار متضخمة جدا للأصول العقارية (أراض، عقارات) لا مبرر لها سوى تفاقم أشكال الاحتكار والمضاربة! وإنها لو أعادت النظر في أمر الأزمة المفتعلة، وحملت الخريطة الصحيحة لأزمة الإسكان، عوضا عن الخريطة غير الدقيقة التي تحملها الآن، لرأت أنها كانت تسير في اتجاه معاكس يغذي ويفاقم من حجم الأزمة، ولعلمت أنها تسير إلى مستقبل سيكون أصعب بكثير عليها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/11/article_1005513.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.