ما المنتظر من الهيئة العامة للإحصاء؟

ينتظر كثير من التقدم على طريق توافر إحصاءات الاقتصاد الوطني، وغيرها كثير من الإحصاءات والبيانات ومؤشرات الأداء، على إثر الموافقة على تحويل مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات إلى هيئة عامة باسم الهيئة العامة للإحصاء. على أن هذا التطلع لا يلغي إطلاقا النجاح الذي حققته المصلحة في زمن مضى، إلا أن تسارع التطورات والمتغيرات وتعددها في المرحلة الراهنة، والمتوقع تسارع وتيرته مستقبلا بصورة أكبر وأوسع، يتطلب وتيرة مماثلة لأداء الهيئة الجديدة للإحصاء، تتسم في مجمل أدائها بالسمات الثلاث التالية:

(1) توافر البيانات دون تأخير “العامل الزمني”.

(2) توفير البيانات والإحصاءات والمؤشرات بصورة كاملة “الشمولية”.

(3) الحد من تضارب أو تعارض البيانات والإحصاءات “توحيد البيانات”.

وبالنظر إلى واقع البيانات المنشورة في المرحلة الراهنة؛ سنجد نجاحات ملموسة وفق منظور السمات الثلاث المشار إليها أعلاه، وسنجد أيضا تأخرا ملموسا في جوانب أخرى. فالبيانات الاقتصادية الكلية، اتسم نشرها بالتقدم الكبير على مستوى نشر بيانات الناتج المحلي الإجمالي والتضخم والتجارة الخارجية والميزانية العامة، إلا أننا نواجه إما تعارضا وتضاربا أو عدم توافر البيانات والإحصاءات المتعلقة بسوق العمل والسكان والإسكان، وعديد من المؤشرات المهمة الأخرى التي تكشف نجاح أو تقدم برامج التنمية الشاملة والمستدامة، وتحديدا المرتبطة بأفراد المجتمع لشرائحه كافة؛ كنسبة تملك المساكن حسب المدن والمحافظات والمراكز، ومستوى الدخل والإنفاق (المتوافر يتم نشره وتحديثه كل سبعة أعوام).

بداية؛ ينظر إلى التحول الأخير من مصلحة إلى هيئة مستقلة، على أنه إتمام ودفع أكبر إلى الأمام على مستوى الهدف الرئيس من وجود المصلحة سابقا، والهيئة بصفتها الأخيرة، الذي يتمحور حول كونها المرجع الرئيس لإحصاءات سوق العمل، وغيرها من البيانات الإحصائية الرسمية، بموجب المادة الثانية من نظام الإحصاءات العامة في البلاد، التي نصت على اعتبارها المرجع الإحصائي الرسمي الوحيد في المملكة العربية السعودية لتنفيذه وتطبيقه، وكذا لتزويد الإدارات الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة والأفراد بالمعلومات والبيانات الإحصائية الرسمية.

لهذا حينما نبحث عن إجابة بعض الأسئلة التنموية والحيوية، فلن تجد لها إجابات واضحة ولا دقيقة، وإليك بعضا من هذه الأسئلة على سبيل المثال لا الحصر:

(1) كم تبلغ نسبة تملك المساكن بالنسبة إلى السكان السعوديين، سواء على مستوى البلاد بأكملها أو على مستوى المدن والمحافظات والمراكز؟

(2) كم يبلغ عدد العاطلين عن العمل فعليا لا بناء على مسوحات؟ ولعل التباين الكبير بين البيانات الصادرة عن وزارة العمل “صندوق الموارد البشرية”، وبين ما تنشره المصلحة يكشف النقاب عن تضارب كبير جدا في هذا الخصوص، ينبغي وضعه ضمن أولويات أعمال الهيئة الجديدة، والقيام بإزالته، والإسراع في نشر بيانات البطالة بصورة شهرية على عكس ما يتم في الوقت الراهن بنشره كل نصف عام، والاكتفاء بنتائج مسوحات أثبت التضارب بين نتائجها مقارنة بالنتائج الفعلية عدم دقتها على الإطلاق.

(3) كم يبلغ عدد العمالة غير السعودية في سوق العمل المحلية؟ ولك أن تتخيل التعارض الكبير في هذا الرقم تحديدا، بين ما تنشره عنهم وزارتا الخدمة المدنية والعمل من جهة، وما تنشره مصلحة الإحصاءات من جهة أخرى، تجاوز الفارق بين تلك الأرقام سقف الـ 2.0 مليون عامل غير سعودي!

(4) كم تقدر المصلحة سابقا والهيئة حاليا خط الفقر (أو خط ذوي الدخل المحدود)؟ وما المؤشرات الاجتماعية والمالية المتعلقة بأوضاع الأسر السعودية؟ وهل تظن أنه كاف جدا الاكتفاء بنشرها وتحديثها كل سبعة أعوام كما هو قائم اليوم؟

يجب أن تضرب الهيئة موعدا مع نشر بيانات الاقتصاد الوطني، وبقية المؤشرات الحيوية والتنموية بصورة دورية لا تتجاوز فترة ربع السنة، وضمان نشر أكبر قدر منها بصورة دورية شهرية. وأن تلغي من ذهنها فكرة أن تضارب أو تعارض البيانات والإحصاءات والمؤشرات يخدم متخذي القرارات، أو أنه يثري خياراتهم، فهذه الفكرة الخاطئة لم يسمع بها على مستوى العالم بأسره سوى داخل أروقة مصلحة الإحصاءات العامة، وأن تعلم المصلحة سابقا والهيئة حاليا، أن تأخر تحقق أي من الإجراءات والخطوات المشار إلى بعضها أعلاه، يعني في حقيقته فشلا تتحمل قيادات الهيئة الجديدة مسؤوليته بالكامل، عدا أنه سيتجاوز كل ذلك إلى مزيد من هدر الموارد والجهود الأخيرة، وأنه سيؤدي أيضا إلى تعطيل متخذي القرارات بصورة عامة، نتيجة استدامة التضارب أو التعارض بين البيانات الاقتصادية وغيرها، أو نتيجة لغياب نشر البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات الصائبة.

وبالنظر إلى أهم وأكبر تحديين تنمويين تواجههما البلاد، يتمثلان في أزمتي البطالة والإسكان، فإن العبء سيكون أثقل وطأة، وأكبر حجما، وأصعب مواجهة، ما قد يوصله إلى إفشال أي جهود سيتم بذلها، وإلى إهدار أي موارد مالية هائلة سيتم إنفاقها. ولك أن تتخيل في الظروف الراهنة؛ أن نسبة تملك السكان لمساكنهم رغم الموارد المتوافرة، لا يزال رقما غامضا لا يعرف أحد من الجهات ولا المراقبين على حد سواء كم هو، وفي المقدمة وزارة الإسكان نفسها؟ وكذلك الأعداد الفعلية للعاطلين عن العمل، ولا يكفي أبدا الرد من قبل مصلحة الإحصاءات بقولها إنها تنشره كل ستة أشهر من كل عام، وأن تقنع الجميع بأنه الأدق في الوقت ذاته الذي يدفع صندوق الموارد البشرية “هدف” إعانات البطالة إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف الرقم المنشور من المصلحة! وقس على ذلك بقية الإحصاءات والمؤشرات التنموية الأخرى.

تقع مسؤولية إخراج الاقتصاد الوطني من هذه التناقضات الخطيرة على عاتق كافة تلك الجهات ذات العلاقة، ولا يمكن أن ينجح الاقتصاد في عبور أي من تلك التحديات التي يواجهها وأمامه عشرات المؤشرات المتضاربة، بل كيف يمكن لصناع وواضعي السياسات الاقتصادية أن ينجحوا في مهامهم تلك، والمؤشرات والإحصاءات الرسمية التي بناء عليها يتم عملهم خاضعة لهذا التناقض والتضارب؟!

يعد هذا التحدي الأول المتمثل في تضارب البيانات، هو الخط الأول الذي يجب تجاوزه لأجل إيجاد منهجية وبرنامج يساعد على إدارة مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع، ولا يمكن الوصول في ظل وجوده السلبي بصورته الراهنة إلى أي نتائج إيجابية مأمولة! وهو ما سبق الكتابة والحديث عنه طوال أكثر من عقد ونصف من الزمن في السابق، ورغم تلك الفترة الطويلة من عمر هذا الخلل الجوهري والكبير، إلا أنه لم يأتِ حل ناجع حتى الآن لتخطيه والتغلب عليه!

لا يمكن لأي جهاز حكومي أو مخطط اقتصادي، أن يكتب له النجاح أبدا في عمله، دون وجود قاعدة البيانات والمعلومات التي تبين له الموقف الحقيقي للموضوع أو القضية المكلف بتطويرها ومعالجتها، هذه ليست فكرتي! إنها القاعدة العلمية والعملية التي تقوم عليها الأمور كافة، ولهذا وضعت هذا التحدي أو المعضلة الحقيقية كأول اشتراطات الحلول تجاه التحديات والصعوبات القائمة في سوق العمل المحلية، وهو التحدي المشترك حقيقة بين أغلب التحديات التنموية التي نواجهها في مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى.

إنه الشرط الأول والرئيس لأجل اجتياز أخطار البطالة وتفاقم أشكالها سواء في سوق الإسكان أو في سوق العمل المحلية، وهو الجسر الذي متى أوجد، وتمت معالجة وضعه المختل لدينا، الذي سيسهم في التعرف فعليا على حقيقة الفرص والتشوهات القائمة لدينا، وعلى الرغم من انكشاف جزء كبير منها في ضوء البيانات المتاحة الآن، إلا أن إلغاء هذا التضارب بين البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية المعنية بأي من الجوانب التنموية، والعمل على إيجاد بيانات موحدة وحقيقية حول وضعها وموقفها، هو المزود والمؤشر الصادق الممكن الاستناد إليه لأجل بناء وتصميم السياسات الفاعلة، وعدا ذلك فلا يعني إلا استمرارا لحياة التشوهات الراهنة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/07/article_1004421.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.