طريق الإسكان بدءا من 2016 (1 – 3)

لن تغيّر كثيراً آخر خمسة أيام من عمل السوق العقارية لعام 2015 في مجراها، مقارنةً بالعام الماضي 2014، فحتى نهاية الخميس الماضي 24 كانون الأول (ديسمبر)؛ فقدت السوق العقارية من إجمالي سيولة صفقاتها أكثر من 110.3 مليار ريال، أي ما تصل نسبته إلى 23.0 في المائة، لتستقر عند إجمالي قيمة صفقات لعام 2015 بلغ 342.1 مليار ريال، مقارنةً بنحو 443.1 مليار ريال لنفس الفترة. وامتد الانخفاض كذلك إلى كل من أعداد الصفقات والعقارات المنقولة ملكيتها، إضافةً حتى إلى إجمالي مساحة الصفقات العقارية.

الأهم من كل ذلك؛ الجوانب المتعلقة بالتغير على أسعار الأصول العقارية من قطع أراض سكنية وخلافه، التي أظهرتْ تصدّع تماسكها السعري بعد عام 2014 وما سبقه من ارتفاعات كبيرة جدا طوال الفترة 2014-2006، لتسجّل وفقاً لبيانات وزارة العدل الأخيرة انخفاضاً في مستوياتها السعرية، حيث سجّل متوسط أسعار الأراضي الزراعية انخفاضاً بلغت نسبته نحو 40.0 في المائة، تلاها في الانخفاض متوسط سعر متر قطع الأراضي السكنية بنحو 22.0 في المائة، وأخيراً متوسط سعر الوحدات السكنية بانخفاض بلغت نسبته 15.0 في المائة. وكما سبق أن تم استعراض الدورة العقارية في السوق السعودية، الممتدة لنحو 18 عاماً خلال الفترة 2021-2004، التي أثبتت دخول السوق طورها الأخير بدءاً من 2015 المتمثّل في بدء تراجع أسعار الأصول العقارية، كانعكاس لحالة السوق المُعبّر عنها بزيادة شواغر الوحدات السكنية زائداً ارتفاع وتيرة بناء مزيد من الوحدات السكنية، حيث ارتفع عدد الوحدات السكنية الخالية من السكّان حتى تاريخه إلى أعلى من 970 ألف وحدة سكنية، ووفقاً لخطط وزارة الإسكان المعلن عنها أخيراً، يُرشّح أن يتزايد الفائض من الوحدات السكنية إلى ضعف هذا الرقم خلال الأعوام الثلاثة المقبلة على أقل تقدير، الذي سيشكّل دون شك عامل ضغط كبير على مستويات الأسعار المتضخمة بصورتها الراهنة، يُضاف إلى بقية العوامل الرئيسة الأخرى الضاغطة على مستويات الأسعار، لعل من أهمها البدء الفعلي بتطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء قبل منتصف العام المقبل.

بدءاً من هذا المقال وفيما سيليه، سيتم التركيز على أهم اتجاهات السوق العقارية محلياً خلال العام المقبل القريب، والأعوام القليلة التي تليه، التي تشكّل – بمشيئة الله تعالى – الجزء الأخير من الدورة العقارية 2021-2004، يتوقّع خلالها استمرار وتيرة التراجع في الأسعار المتضخمة للأصول العقارية المختلفة، التي ستمتد آثارها لاحقاً إلى تكلفة إيجارات المساكن، وهو التأثير المتبادل “علاقة طردية” القائمة علاقته بين سعر الأصل العقاري وتكلفة تأجيره، فكلما ارتفع سعر الأصل ارتفع عائد تأجيره، والعكس أيضاً صحيح؛ كلما انخفض سعره السوقي تراجع عائد تأجيره.

هذا عدا التأثير المرتقب لبدء الحكومة في التحرير التدريجي لأسعار استهلاك الطاقة والكهرباء والمياه، المتوقع العمل به في العام المقبل بمشيئة الله، الذي ستكون له آثار إيجابية في الاقتصاد الوطني، لعل من أهمها في سياق الحديث هنا؛ العمل على تقليص وجود جزء من العمالة الوافدة غير المفيدة للاقتصاد، التي تتركّز في نشاطات اقتصاد الظل، الذي سيخفف بدوره من ازدحام المدن والمحافظات، بمعنى أنّه سيحد كثيراً من زيادة التركّز السكّاني داخل تلك المدن، فيما يشبه باستعادة التوازن المجتمعي داخل مختلف مدن ومحافظات البلاد.

من جانب آخر؛ يُنظر إلى الارتفاعات الشاهقة التي حدثت لأسعار الأصول العقارية، على أنّ أغلبها أتى من تشوهات كبيرة كانت تتركّز داخل الاقتصاد والسوق العقارية، التي تصطدم في الوقت الراهن بعديد من الإصلاحات الجادة والقوية للدولة، التي تستهدف تصحيحها والقضاء عليها، في مقدمتها الموافقة على نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، للحد من تفاقم أشكال الاحتكار في السوق، وهو الذي وقف بقوة كبرى وراء تلك الارتفاعات القياسية في أسعار الأصول العقارية، ما يُشير تحت مظلة التطورات الراهنة والقريبة إلى انعكاس حركة واتجاهات الأسعار، وهو ما بدأ فعلياً بالحدوث بصورة ملموسة بدءاً من الربع الأول من العام الجاري، وظل يتعاظم إلى أن وصلت نسب التراجع السعرية كما تم استعراضها أعلاه، ويتوقّع بمشيئة الله – تعالى – أن تتعاظم نسب التراجع في الأسعار المتضخمة للأصول العقارية، وأن تستمر في وتيرتها تلك طوال الأعوام القليلة المقبلة كما تمت الإشارة إليه في عديد من التقارير الأسبوعية حول أداء السوق العقارية.

كل تلك الحقائق والتطورات على أرض الواقع، يجب أن تكون محل اهتمام ومتابعة لصيقة من عموم أفراد المجتمع، كونهم الطرف الأكثر استفادة منها بحول الله تعالى. في الوقت ذاته يجب التأكيد على أي سيناريو لتراجع أسعار الأصول العقارية؛ أنّه يعد ذا آثار إيجابية في الأداء الاقتصادي الوطني، خاصةً في ظل ظروف التراجع المستمر لأسعار النفط، وأهميته الإيجابية في خفض تكلفة الإنتاج والتشغيل بالنسبة إلى منشآت القطاع الخاص، الذي يُستهدف زيادة مساهمته في الأداء الاقتصادي، ومساعدته على امتصاص آثار تحرير أسعار استهلاك مصادر الطاقة، والمحافظة على تنافسيته مع الخارج، وبالطبع فإن كل ذلك سيصبُّ في نهاية الأمر إلى تحقيق التوازن في المستويات المعيشية لأفراد المجتمع، وتحديداً محدودي ومتوسطي الدخل منهم، فمقابل الارتفاع الطفيف المحتمل في أسعار السلع والخدمات في الأسواق المحلية، كنتيجة للتحرير المحدود والمتدرج في أسعار استهلاك موارد الطاقة، لا بد أن يقابله انخفاض ملموس في الأسعار المتضخمة للأصول العقارية، وتكلفة إيجاراتها السنوية.

تعد السوق العقارية وسوق الإسكان المجال الأكثر أهمية، والأثقل وزناً في سلّم التوازن الاقتصادي والاجتماعي، ويأتي تصحيح الاختلال الكبير فيها كأحد أهم عوامل نجاح برنامج التحول الوطني المعلن عنها أخيراً، بل إنّ سرعة معالجة تلك التشوهات، التي تعتبر مؤشر تراجع أسعارها المتضخمة جداً “كأحد أبرز دلائل تشوهاتها”، واحداً من أهم المؤشرات اللازم تحققها على أرض الواقع، وأن يلمسه أفراد المجتمع في حياتهم المعيشية، كونه أهم جوانب التنمية المستدامة والشاملة، التي ستعزز كثيراً من قدرة المجتمع على امتصاص أي آثار تضخمية محتملة، قد تنتج عن تحرير أسعار استهلاك موارد الطاقة، وكون تلك التراجعات السعرية بالغة الأهمية اقتصادياً ومالياً بالنسبة إلى منشآت القطاع الخاص طوال فترة تنفيذ برنامج التحول الوطني.. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/26/article_1016763.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.