طريق الإسكان بدءا من 2016 (2 – 3)

امتدادا للمقال السابق من هذه السلسلة الثلاثية حول مستقبل سوق الإسكان بدءا من العام القادم، وضرورة اهتمام أفراد المجتمع به، وتوظيف تطوراته الإيجابية في حياتهم المعيشية، وتحسين مستوياتها التنموية، عدا أهمية تقويتها في مواجهة الآثار التضخمية المحدودة والمحتملة لتحرير استهلاك الطاقة والمياه. يكمن القول في هذا الجزء، إن مستقبل سوق الإسكان وفقا لما تم إيضاحه في المقال السابق، عدا أنه بدأ فعليا بالتحقق وفقا لبيانات وزارة العدل، وتوقع اتساعه واستمراره الفترة القادمة بمشيئة الله تعالى 2016-2021، أؤكد أنه محكوم بعديد من العوامل الرئيسة، وليس مجرد تخمينات لا تستند إلى حيثيات متينة.

بداية؛ ليس تراجع أسعار العقار بالجديد أو غير المسبوق على السوق العقارية والإسكان، فقد سبق حدوثه خلال 1982-1989، حينما تعرضت الأسعار آنذاك لموجة تصحيح سعرية هائلة، وصلت نسبة انخفاضها حتى 1989 إلى 50 في المائة في المتوسط، انخفضت خلالها أسعار المساكن والعقارات، ثم لحقت بها بنسبة أكبر تكلفة الإيجارات. تأثرت سوق العقار والإسكان حينها بالتراجع الحاد في أسعار النفط، التي انخفضت بنسبة 60 في المائة خلال 1981-1986، ما أدى لانكماش الإيرادات الحكومية للفترة نفسها بنسبة 79.2 في المائة، وانكماش المصروفات الحكومية بنسبة 51.7 في المائة. أدى كل ذلك لانخفاض قياسي في الأسعار والإيجارات، رغم الزيادة السكانية الكبيرة آنذاك بأعلى من 48.1 في المائة.

بطبيعة الحال يختلف كثيرا وضع الاقتصاد الوطني عن وضعه خلال تلك الفترة، إلا أنه في الوقت ذاته لا يزال خاضعا بنسبة كبيرة لتأثير أسعار النفط، إضافة إلى أنه مقابل زوال أو ضعف عوامل أخرى أدت للتأثير في الاقتصاد الوطني والسوق العقارية آنذاك، إلا أن عوامل مستجدة مؤثرة برزت إلى السطح، فرضت تأثيرها الكبير في الوقت الراهن على كل من الاقتصاد والسوق، لعل من أبرزها؛ تراجع نمو السيولة المحلية، وتزامنه مع بدء ارتفاع تكلفة التمويل (تكلفة رأس المال)، واستمرار المالية الحكومية بتمويل عجز الميزانية من خلال إصدار سندات التنمية محليا، ما سيعيد مزاحمة القطاع الحكومي للقطاع الخاص على السيولة المحلية إلى السطح مرة أخرى، هذا إضافة إلى استمرار ضغوط انخفاض أسعار النفط على الأداء الاقتصادي بصورة عامة، والسوق العقارية كمكون له وزنه الكبير في الاقتصاد. يضاف إلى كل تلك العوامل العامل الجديد المتمثل في تطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء، المتوقع أن يسهم في زيادة تدحرج وتيرة الأسعار المتضخمة للأصول العقارية عموما، في مقدمتها بطبيعة الحال الأراضي المسيطرة بمساحاتها الشاسعة على أكثر من نصف مساحات المدن الرئيسة.

حينما تتهاوى الأسعار في أي سوق كانت عن قممها الشاهقة، خاصة إذا كانت قد وصلت لمستويات حادة من التضخم، فلا شك أن وتيرة التراجع ستأخذ نمطا تفوق سرعته التوقعات كافة، وتزداد وطأة التراجع بصورة أكبر إذا كان من مسببات الفقاعة السعرية غير المبررة، وجود تشوهات عديدة؛ كتفاقم أشكال احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، وتركز ملكيتها لدى شريحة ضيقة جدا من الملاك، زاد من وطأتها وتسببها في اشتعال الأسعار، تفاقم طابع المضاربات الحادة على مساحات محدودة من الأراضي. خلاصة القول؛ إن اصطدام تلك التشوهات بصرامة الأنظمة المقررة من الدولة للحد منها، وبهدف القضاء عليها، يعني في حقيقته تفتيتا جادا لأغلب التشوهات التي أدت لارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة طوال 2006-2014، وأنه بالنمط المتسارع نفسه لصعود الأسعار، ستتجه الآن ومستقبلا عكس اتجاهها السابق، لتنخفض عائدة لمستوياتها العادلة والمقبولة.

أمام هذا المشهد المرتقب لتراجع الأسعار المتضخمة للأصول العقارية عموما، وفي مقدمتها الأراضي الأثقل وزنا في محفظتها الاستثمارية، يجب التحوط الكبير لعدد من الاعتبارات، قد يكون أهمها الاعتبارين التاليين؛ الأول: الزعم الواهم والمضلل بأن تراجع أسعار الأراضي والعقارات يهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي محليا، وهو الاحتجاج الزائف الذي سبق كشف عدم صحته مطلقا من عدة أوجه، لا على مستوى ضآلة وزن أصول العقار ومنها الأراضي في ميزان ضمانات الائتمان المصرفي، وهو ما أكده رسميا تقرير الاستقرار المالي 2015 – مؤسسة النقد العربي السعودي، قاطعا الطريق على من ادعى شيئا من ذلك، وهو ما أعجز مروجي ذلك الادعاء الزائف إثباته ولو برقم واحد! وهو أيضا ما دفع مؤسسة النقد مشكورة لاتخاذ التدابير المبكرة لحماية القطاع التمويلي، والعمل على عدم تورطه في تمويل شراء العقارات بأكثر من 70 في المائة من القيمة السوقية الحالية للعقار.

وللعلم فإن الحقيقة التي تقف عليها السوق العقارية؛ ممثلة في تشوهاتها العميقة الجلية، أنها قد لعبت دورين رئيسين كان لهما أكبر الأثر السلبي في الاستقرار الاقتصادي وبيئة الاستثمار المحلية، تمثل الدور السلبي الأول بزيادة اجتذابها للسيولة المحلية، وتوظيفها إما في شراء الأراضي وتخزينها لفترات طويلة بهدف تنامي قيمتها مستقبلا، أو بتدويرها عبر مضاربات محمومة بالأموال. يكفي القول هنا؛ إن زيادة اجتذاب السيولة المحلية عاما بعد عام طوال الفترة الماضية، أدى لحرمان اقتصادنا وبيئة قطاع الأعمال من الانتفاع المشروع بكل من السيولة والأراضي، ومنع توظيفهما في قنوات التشغيل والإنتاج، وحد أيضا من تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وزيادة إيجاد الفرص الوظيفية لعشرات الآلاف من المواطنين.

أما الدور السلبي الثاني، فقد أفضى ما تقدم ذكره أعلاه إلى زيادة التضخم، وزاد من أعباء المعيشة على الأفراد عموما، وأسهم في رفع كلفة التشغيل والإنتاج على منشآت القطاع الخاص، عبر ارتفاع تكلفة إيجارات المساكن والمحال والمراكز ومواقع المؤسسات والشركات المؤجرة. لقد أدخل الاقتصاد والمجتمع في حلقة مفرغة من الارتفاعات المتتالية، عبر الارتفاع المستمر في أسعار الأصول العقارية المختلفة، جذب معه في الارتفاع زيادة تكلفة إيجارات تلك الأصول، ولم يكن أحد يملك إجابة حتى وقت قريب، حول ما إذا كانت تلك الارتفاعات السعرية غير المبررة ستستمر، لو لم تتدخل الدولة أخيرا باتخاذ التدابير اللازمة، وإقرار الأنظمة الصارمة للنجاة من أسر هذه الحلقة المفرغة من أية منفعة للبلاد والعباد، سوى تركز مزيد من الثروات الهائلة لدى شريحة ضيقة من الأفراد على حساب مقدرات الاقتصاد والمجتمع على حد سواء!

الاعتبار الثاني: زيادة المحاولات اليائسة من الملاك والسماسرة في مجال الإعلام والتسويق والإعلان، فيما يمكن وصفه بالتضليل، وتوريط الباحثين عن تملك أراض أو مساكن، للشراء بتلك الأسعار المتضخمة التي تقاوم الانخفاض، رغم أنها بدأت فعليا بالانخفاض، واحتمال اقتران الشراء بتحمل المشترين أعباء ديون مصرفية هائلة، ستستقطع لفترة طويلة نسبة كبيرة من أجورهم السنوية! وهو ما يجب أن يحذر منه الأفراد كافة، كون التطورات الراهنة ومستقبلا تتجه لمصلحتهم، وضرورة توظيفها من قبلهم لمصلحة حصولهم على مساكنهم بأفضل الأسعار، وأجود المنتجات. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/28/article_1017225.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.