ميزانية سعودية جريئة 2016

الاقتصاد يرسم خطة عمله للفترة 2016 – 2020

بـ 14 محورا للإصلاح الاقتصادي والمالي والهيكلي

تضمن بيان الميزانية العامة للسعودية لعام 2016 لأول مرة، الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية اللازمة، التي ستكون تفاصيلها هي ميدان العمل طوال الأعوام الخمسة المقبلة. إنها الإصلاحات التي طالما نشدها المواطن قبل المسؤول، وطالما نشدتها تطلعات الاستقلال بمقدرات الاقتصاد الوطني بعيدا عن تقلبات أسعار النفط طوال أكثر من 45 عاما مضت، وطالما نشدتها بيئة الحياة العامة للأفراد عموما وبيئة الأعمال على وجه الخصوص.

يستهدف كل ذلك التخلص من الكثير من أشكال الاحتكار أحيانا، والتخلص أيضا من أوجه الفساد المالي والإداري أحيانا أخرى، إضافة إلى التخلص من أنماط البيروقراطية المهترئة التي تسببت في تعثر أو توقف تنفيذ مشروعات التنمية الشاملة، أو تسببت في تدني أداء الأجهزة الحكومية وقصور خدماتها، وما ترتب عليه من آثار غير محمودة أو بالغة السوء في مختلف أوجه الحياة العامة لأغلب أفراد المجتمع، تشكل على أثر تراكمها طوال الأعوام الماضية دون أية حلول أو إصلاحات حقيقية، ما اصطلح على تسميته “الفجوة التنموية”، التي تعني المسافة الواقعة بين المخصصات المالية الهائلة لأجل تنفيذ مشروعات التنمية المختلفة من جهة، ومن جهة أخرى ممثلا في الاحتياجات التنموية المختلفة والواسعة لأفراد المجتمع على اختلاف شرائحهم، التي تتنامى عاما بعد عام، فحينما تتأخر الأولى (تنفيذ المشروعات التنموية) عن اللحاق بالثانية (احتياجات ومتطلبات المجتمع) التي تتنامى بصورة طبيعية، تتلخص النتيجة في اتساع المسافة وتتمدد أكثر فأكثر عبر الأعوام بينهما، لتشكل لديك هذه “الفجوة التنموية”، التي تخلف وراءها آثارا سلبية اقتصادية واجتماعية عديدة، يحتمل أن تتحول لاحقا تحت ظروف تأخر معالجتها جذريا إلى مولدات خطيرة لعديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي لا قبل لأي مجتمع كان بها كانتشار البطالة وأشكال الفقر وتدني مستويات المعيشة، عدا تسببها في تفشي أشكال الفساد والرشا وغيرها من الظواهر البالغة الخطورة.

أولويات الإصلاحات

تلخصت أولويات الإصلاحات الاقتصادية والمالية والهيكلية الشاملة، التي عرضها بيان الميزانية الأخير أربعة عشر (14) محورا رئيسا، جاءت على النحو التالي:

1) إنشاء وحدة للمالية العامة في وزارة المالية وتكليفها بالعمل على تحديد سقف للميزانية العامة، بهدف تحقيق المزيد من التخطيط المالي، بالاعتماد على وضع إطار متوسط الأجل (ثلاث سنوات)، والالتزام التام به.

2) مراجعة وتطوير سياسات وإجراءات إعداد الميزانية العامة للدولة وتنفيذها، بدءا من عام 2016، وتطبيق معايير الإفصاح والتخطيط للميزانية وفق أفضل الممارسات الدولية.

3) رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي، بمراجعة المشروعات الحكومية ونطاقها وأولوياتها، بهدف مراعاة جودة وكفاءة التنفيذ من جهة، وتوافقها مع أولويات وتوجهات واحتياجات التنمية، والمتطلبات المالية والتمويلية من جهة أخرى. حيث سيعمل البرنامج الوطني لدعم إدارة المشروعات في الجهات العامة (الذي صدر بتأسيسه قرار مجلس الوزراء أخيرا) مع الجهات والأطراف المعنية كافة على تحقيق هذا الأمر ابتداء من عام 2016 (معالجة جادة للفجوة التنموية).

4) رفع كفاءة الإنفاق التشغيلي للدولة، بما يتضمنه من ترشيد لنفقات الأجهزة الحكومية، والاستخدام الأمثل للتقنية في تقديم الخدمات الحكومية، وتطوير وتفعيل آليات الرقابة.

5) العمل على الحد من تنامي المصروفات الجارية.

6) الانتهاء من تحديث نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، ومراعاته لأفضل الممارسات الدولية.

7) تحسين منهج وآليات إدارة أصول الدولة.

8) تطوير أهداف وأدوات السياسة المالية، بما في ذلك تحديد قواعد تتسق مع معايير الشفافية والرقابة والحوكمة، وتراعي الأهداف والتوجهات الاقتصادية والتنموية على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

9) ‌اتخاذ مجموعة من السياسات والإجراءات الجادة الهادفة إلى تحقيق إصلاحات هيكلية واسعة في الاقتصاد الوطني، وتقليل اعتماده على البترول، تتضمن تلك الإجراءات المزمع تنفيذها خلال الأعوام الخمسة المقبلة بدءا من عام 2016، طرح مجموعة من القطاعات والنشاطات الاقتصادية للخصخصة، وتذليل العقبات التشريعية والتنظيمية والبيروقراطية أمام القطاع الخاص، وإصلاح وتطوير الأداء الحكومي، وتحسين مستويات الشفافية والمحاسبة، وتعزيز بيئة الاستثمار بما يسهم في إيجاد فرص عمل جديدة في القطاع الخاص ويوفر فرصا للشراكة بين القطاعات المختلفة: العامة، والخاصة، وغير الربحية، ورفع القدرات التنافسية للاقتصاد الوطني وتكامله مع الاقتصاد العالمي.

10) إعطاء الأولوية للاستثمار في المشروعات والبرامج التنموية التي تخدم المواطن بشكل مباشر كقطاعات التعليم، والصحة، والخدمات الأمنية والاجتماعية والبلدية، والمياه والصرف الصحي والكهرباء، والطرق، والتعاملات الإلكترونية، ودعم البحث العلمي، وكل ما يكفل تحسين نمط الحياة اليومية للمواطن (معالجة جادة للفجوة التنموية).

11) مراجعة وتقييم الدعم الحكومي، الذي يشمل تعديل منظومة دعم المنتجات البترولية والمياه والكهرباء وإعادة تسعيرها، ومراعاة التدرج في التنفيذ خلال الأعوام الخمسة المقبلة، بهدف تحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة، والمحافظة على الموارد الطبيعية، ووقف الهدر والاستخدام غير الرشيد، والتقليل من الآثار السلبية على المواطنين متوسطي ومحدودي الدخل، وتنافسية قطاع الأعمال.

12) مراجعة مستويات الرسوم والغرامات الحالية، واستحداث رسوم جديدة، واستكمال الترتيبات اللازمة لتطبيق ضريبة القيمة المضافة التي أقرها المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته الأخيرة بالرياض، إضافة إلى تطبيق رسوم إضافية على المشروبات الغازية والسلع الضارة كالتبغ ونحوها.

13) تطوير وحدة إدارة الدين العام في وزارة المالية، التي تعنى بتطوير استراتيجية الدين العام، ومصادر وسبل تمويله لتعزيز قدرة المملكة على الاقتراض محليا ودوليا، بما يسهم في تعميق سوق الصكوك والسندات المحلية.

14) تحسين مستوى التواصل والتنسيق بين الجهات والأطراف المعنية كافة بتنفيذ الإصلاحات المالية، وتوحيد التوجهات والرؤى وفق مبدأ الشفافية والمحاسبة.

لو رجع القارئ الكريم إلى الوراء بضعة أعوام، وتذكر ما تضمنته الكثير من المقالات والتقارير المنشورة في إعلامنا المحلي، لوجد أن الأربعة عشر محور المشار إليها أعلاه كانت هي ذاتها مواضيع وقضايا الأطروحات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية طوال تلك الأعوام، وكنا لفترة طويلة ندور حولها في حلقة مفرغة. الآن؛ نشاهدها وقد تحولت تماما من دائرة النقاش والحوار، وأحيانا الجدال الساخن جدا في الوسط الاقتصادي الإعلامي، ومن مجرد كونها كتابات ونقاشات في فضاء الإعلام، وعبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، أؤكد لتتحول في حزمة واحدة مجتمعة إلى برامج للعمل والتنفيذ على أرض الواقع!

سيتم هنا التطرق لبعض تلك المحاور، وانعكاساتها على بيئة الاقتصاد والمجتمع، على أنها لا شك ستكون المرشح الأول كعناوين ومضامين اقتصادية واجتماعية تعتلي الأطروحات عبر مختلف منصات الإعلام والرأي العام، وهو الجهد الواجب الالتزام به من قبل قادة الرأي والفاعلين من أفراد المجتمع، لضمان تحقق الأهداف والنتائج المأمولة من تلك الإصلاحات، فما تم حتى تاريخه على الرغم من كونه إنجازا متميزا؛ إلا أنه لا يزال على أعتاب أول خطوة من طريق طويل جدا، يجب على الاقتصاد الوطني والمجتمع خوض غمار تحدياته، والسعي الدؤوب لتجاوزها مهما كلف الأمر، وتحمل أوجاعها الآنية التي سرعان ما ستنتهي، وصولا إلى مناطق الأمان الاقتصادي والاجتماعي المستهدفة، ونجاة وسلامة حقيقية من نهاية الوتيرة المترهلة التي كان يسير فيها اقتصادنا لعدة عقود.

أولا: تحرير أسعار استهلاك مصادر الطاقة والمياه

قد يكون هذا المحور هو الأكثر اهتماما في الوقت الراهن من قبل الأفراد كافة، وهو أمر مفهوم أسبابه بكل تأكيد؛ كونه أثقل المحاور التي ستنصب آثاره على معيشة الأفراد وأسرهم، كما أنه المحور الذي ظل حبيسا لقراءات وأدبيات الإصلاح الاقتصادي الأكثر أهمية طوال الأعوام الأخيرة، عدا أنه أحد الاشتراطات اللازم تحققها لأية توجهات جادة نحو استقلال أكبر للاقتصاد الوطني عن الاعتماد المفرط على النفط، والعمل الحثيث على تنويع قاعدته الإنتاجية، وهو أمر كما أنه له إيجابياته طويلة الأجل حال البدء في تنفيذ برامجه، فهو أيضا سيقترن ببعض الآلام المصاحبة لبرامج عمله، ولا يعني ذلك إفساح المجال لتلك الآثار أو الآلام المصاحبة لتعبث دون حسيب أو رقيب في المرتكزات الأساسية لمعيشة المواطن وأسرته، فلا بد من التدخل الفوري من الأجهزة الحكومية المعنية، سواء عبر زيادة الرقابة على أسعار السلع والخدمات الأساسية، أو عبر توفير الدعم المالي المباشر المدفوع إلى المواطن المستحق (متوسط ومحدود الدخل)، أو كلاهما! وقياسا على ما نشهده في الوقت الراهن من تفشي أشكال الاحتكار والتلاعب بالأسعار، فلا بد من أخذ أعلى درجات التحوط من قبل الأجهزة الحكومية المعنية، للمبادرة السريعة بتنفيذ تلك الإجراءات فور ظهور أي مؤشرات مهما كان حجمها، والعمل المستمر على توفير الحماية الكافية لمختلف شرائح المجتمع، وتحديدا ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة.

وبالنظر إلى سلبيات استمرار وضع ما قبل تحرير أسعار استهلاك الطاقة وغيرها؛ فلم ينتج عنه سوى الارتفاع المتصاعد لفاتورة المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء، التي قدرت فاتورتها خلال 2014 بمستويات راوحت بين 400 إلى 450 مليار ريال، جاءت نتيجة الاستهلاك المفرط على الموارد الناضبة والمكلفة للطاقة، واقترانها المختل بانخفاض تكلفتها، فاقم منه امتلاء الأسواق المحلية بالمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المتدنية في استهلاك الطاقة، إضافة إلى افتقار ثلاثة أرباع المباني المشيدة في الوقت الراهن لمواد العزل الحراري، علما بأن الرقم مرشح للارتفاع مستقبلا إذا ما افترضنا استمرارية الوضع الراهن على نمطه السابق.

الأمر الأكثر لفتا للاهتمام على درجة كبيرة جدا؛ أن أكثر من ثمانية أضعاف ذلك الدعم الحكومي المعمم، يذهب في حقيقته إلى الأسر الثرية على حساب المواطنين وأسرهم، وهم الشريحة المستهدفة به في الأصل، وهو مجحف كثيرا في حقهم وحق الاقتصاد الوطني، أنهم لم يحظوا وهم الشريحة الأحق من غيرهم بأكثر من 10 في المائة من ذلك الدعم الحكومي المكلف في أحسن الحالات! ما يتنافى تماما بدوره مع الأهداف الرئيسة لتخصيص هذا الدعم بصورته المعممة الراهنة، وفي الوقت ذاته لتزداد تكلفته الباهظة على كاهل الميزانية العامة والاقتصاد الوطني، وأخيرا انخفاض انعكاساته الإيجابية عل الشرائح السكانية من المواطنين الأكثر استحقاقا له دون غيرهم من تلك الشرائح.

لا تقف هذه التشوهات بصورتها الفادحة عند هذا الحد فقط، فما تكشف عنه بالنسبة للاستثمار الأجنبي، يعد أكثر فداحة مما قد يتصور البعض! فوفقا لتقارير الصندوق النقد الدولي حول أداء الاقتصاد السعودي، تبين أن أكثر من 85 في المائة من الاستثمارات الأجنبية

(بلغ حجمها المباشر حتى منتصف 2015 نحو 824 مليار ريال) المتدفقة على البلاد، جذبها بالدرجة الأولى قبل أية اعتبارات أخرى سهولة الحصول على هذا الدعم أو المعونة الحكومية المعممة على الطاقة! وأنظر للعائد من وجود تلك الاستثمارات في بلادنا، فقط على مستوى: (1) تنويع القاعدة الإنتاجية. (2) توظيف العمالة الوطنية. كلاهما يشير إلى وقوعنا في ورطة اقتصادية بالغة التكلفة.

أما على مستوى القطاع الخاص، وتحديدا المنشآت الكبرى، فلم نشهد “لتدليلها” غير الموجود في أي اقتصاد حول العالم؛ عبر دعمها اللامحدود من صناديق التنمية، وبقية المزايا الحكومية من العقود والمناقصات، وتمتعها بالفائدة الأكبر مقارنة بغيرها من انخفاض تكلفة الطاقة الكهربائية والوقود وخلافه، إلا ضعفا في المنافسة الإقليمية والعالمية في الأغلب، وضعفا في توظيف العمالة الوطنية، وتأخرا فادحا على طريق مساهمتها في تنويع القاعدة الإنتاجية، وغيره من أوجه الضعف التي لا تقارن على الإطلاق بما حظيت به من دعم حكومي كبير طوال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت. ولهذا ستواجه المنشآت التي تحولت أغلبها إلى التكسب على حساب الدعم الحكومي أكثر من الإنتاج والتوسع في توظيف العمالة الوطنية، لا شك أنها ستواجه تحديات جسيمة، قد تتسبب في توقف نشاطها إن لم تعمل على إعادة هيكل عملياتها وأنشطتها، وهذه إحدى فوائد التخلص من أعباء دعم مثل تلك المنشآت غير المنتجة.

وبناء عليه؛ بعد انجلاء الصورة أعلاه، من هو الطرف المتوقع أنه حظي بالنصيب الأوفر من الدعم الحكومي لأسعار استهلاك الطاقة؟ هل هو مواطن يبلغ متوسط دخله دون ثمانية آلاف ريال، وسكنه صغير مستأجر (قد لا تتجاوز عدد غرف مسكنه 3 غرف، ولا يتجاوز عدد المكيفات فيه 4 مكيفات)، ولديه سيارة واحدة أو سيارتان بحد أقصى! أم مواطن أو مقيم آخر تتجاوز ثروته الملايين، ويسكن فيلا كبيرة يمتلكها، وقد يكون لديه مساكن أخرى يملكها، ولديه سيارات أكثر؟! هنا من تجده قد نال النصيب الأكبر من انخفاض أسعار استهلاك موارد الطاقة؟ أترك الحكم للقارئ الكريم. وكذا الحال بمقارنة ذات المواطن مع عامل غير سعودي، قد يبلغ متوسط دخله ثلاثة أضعاف دخل المواطن أو أكثر، من يا ترى منهما نال النصيب الأكبر من الدعم الحكومي؟

لهذا؛ يمكن القول يقينا إن الوضع الراهن لعدم تحرير أسعار الطاقة، عدا أن تكلفته أصبحت باهظة ومرهقة جدا لاقتصادنا الوطني، إلا أن الأهم في شأن أهدافه أنها لم تذهب إلى من يستحق ذلك الدعم، بل ذهب أغلبها إلى من ليس في حاجته. وعليه؛ كان لا بد من إعادة مراجعة الملف بأكمله، والعمل وفقا لهذه المعطيات على استراتيجية أخرى مختلفة، أخذا في عين الاعتبار ضرورة أن يتركز الدعم في إطار التوجهات المقبلة على المستحقين فقط من المواطنين، والاهتمام بشرائح المواطنين ذوي الدخل المتوسط فما دون والمتقاعدين وبقية أفراد المجتمع الذين لا ينطبق عليهم القدرة الكافية من حيث الدخل.

ثانيا: رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي (سد الفجوة التنموية)

هل نعلم معنى أن يبحث المواطن عن مستشفى أو مدرسة أو مرفق خدماتي ثم لا يجده؟ هل نعلم معنى أن يدور أفراد المجتمع حول أنفسهم في دوامة بالغة الإرهاق على مستوى الحياة المعيشية، بحثا عن خيارات أساسية ثم لا يجدها؟ وهل نعلم معنى ذلك، في الوقت الذي تتوافر لدينا الإمكانات والموارد المالية كافة الكافية واللازمة لتلبية كل ذلك، إلا أن أي من تلك المتطلبات لم نتمكن من الوفاء بها؟ ذلك باختصار شديد ما يمكن وصفه بالوقوع وسط فخ “الفجوة التنموية”.

والعمل الجاد على طريق سد تلك الفجوة غير المبرر على الإطلاق وجودها، يبدأ من المحور الذي نص عليه بيان الميزانية الأخير؛ المتمثل برفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي، والعمل بموجبه على مراجعة المشروعات الحكومية ونطاقها وأولوياتها، بهدف مراعاة جودة وكفاءة التنفيذ من جهة، وتوافقها مع أولويات وتوجهات واحتياجات التنمية، والمتطلبات المالية والتمويلية من جهة أخرى. حيث سيعمل البرنامج الوطني لدعم إدارة المشروعات في الجهات العامة (الذي صدر بتأسيسه قرار مجلس الوزراء أخيرا) مع الجهات والأطراف المعنية كافة على تحقيق هذا الأمر ابتداء من عام 2016.

قد يصدم البعض إذا ما علم أن عدد ما تم اعتماده من مشروعات تنموية خلال الفترة 2005 – 2015 يصل إلى نحو 28.2 ألف مشروع تنموي، وصلت قيمة اعتماداتها في الميزانية العامة إلى أكثر من 2.2 تريليون ريال! والمفاجئ أن نسبة ما تم صرفه فعليا لأجل التنفيذ وفقا للبيانات المنشورة رسميا لم تتجاوز 61.5 في المائة، وفي تلك النسبة المتحققة توجد المشروعات المتعثرة والمتأخرة والكثير من مسببات تشكل “الفجوة التنموية” التي يعانيها كثيرا على حد سواء كل من الاقتصاد الوطني والمجتمع. وماذا غير الأسباب التالية وقف وراء تفاقم هذه الفجوة؟ (1) سوء الإدارة والتقصير من الأجهزة المعنية بتلك المشروعات. (2) توغل الفساد المالي والإداري في تفاصيل العديد منها. (3) غياب المتابعة والرقابة والمحاسبة.

كنت قد طرحت قبل عدة أعوام ماضية، فكرة تأسيس شركة مساهمة عملاقة (مقاولة سعودية)، يصل رأسمالها إلى 40 مليار ريال، تتولى مهام ومسؤوليات الإشراف والتصميم والمتابعة والرقابة والتقييم على جميع المشاريع الحكومية دون استثناء. وهي منهجية أو آلية نجحت تجربتها في العديد من البلدان، لعل أقرب تجاربها إلينا تجربة إمارة أبو ظبي، حيث أسست هذه الشركة لهذه الأغراض في عام 2007م تحت مسمى (مساندة)، وقد آتت ثمارا مجدية جدا، وانعكست بصورة بالغة الأهمية على سرعة ودقة والتزام المقاول في جميع مراحل تنفيذ المشروعات.

مع هذا التقدم الكبير والملموس لدينا، المتمثل بقرار مجلس الوزراء بتأسيس البرنامج الوطني لدعم إدارة المشروعات في الجهات العامة، أن ترى هذه الفكرة التنموية والمجرب نجاحها، ويتم تأسيس هذه الشركة المساهمة العملاقة تحت مظلة هذا البرنامج الوطني الحيوي والمهم. حيث يخطط أن تتولى مباشرة شركة (مقاولة سعودية) تنفيذ ما لا يتجاوز 10 في المائة منها، فيما تقوم الشركة بطرح بقية العقود والمناقصات البالغة 90 في المائة على بقية الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وفق صيغ تعاقدية عالية الشفافية، وتتولى الشركة متابعة ومراقبة مستويات الإنجاز والتنفيذ، والقيام بنشر تقاريرها الدورية (ربع سنوية) حول جميع المشروعات والمناقصات الحكومية الموكلة إليها.

لاحقا؛ يتم طرح الشركة للاكتتاب العام بعد التأسيس، ويخصص من رأسمالها ما لا يقل عن 20 في المائة لشرائح المجتمع المسجلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، ولا يتاح لها حرية التصرف (بيعا أو شراء) إلا بعد موافقة الوزارة، لتستفيد تلك الشرائح من المجتمع ماديا من التوزيعات النقدية الدورية التي ستدفعها لهم الشركة، ونحو 60 في المائة من رأس المال يطرح على الجمهور، ويبقى 20 في المائة من رأس المال مملوكا للحكومة.

هذه المعادلة أو الشراكة الاستثمارية ستحقق الكثير من الأهداف التنموية والرقابية، خاصة وأن الدخل المتوقع أن تتحصل عليه (مقاولة سعودية) يقدر ألا يقل سنويا عن 10 في المائة من قيمة المشروعات الحكومية (تقريبا 400 مليار ريال خلال عشر سنوات مقبلة، بمعدل دخل سنوي تقريبي 40 مليار ريال، 80 في المائة منه سيدفع للجمهور).

يشترط أن تضم هذه الشركة كوادر بشرية وطنية هندسية عالية التأهيل، بما سيقضي على أغلب الأسباب المؤدية لتعثر أو تأخر التنفيذ، وبما يقلص من ميزانية الجهات الحكومية المعتمدة لإدارات المشروعات (يفترض انتقال منسوبي الإدارات كافة بالجهات الحكومية المختلفة إلى الشركة، مع منحهم الامتيازات المحفزة اللازمة).

إن تبني بلادنا لمثل هذه الفكرة سيحدث نقطة فارقة جدا في هذا الشأن، وسيقضي بصورة فاعلة على الكثير من المعوقات والمخاطر المتعلقة بالفساد المالي والإداري، إضافة لرفع جودة التنفيذ والالتزام. من أبرز المهام والمسؤوليات المتوقع أن تقوم بها هذه الشركة ما يلي:

(1) تسلم طلبات المشروعات المحددة من كل وزارة أو جهة حكومية بعد اعتمادها؛ على سبيل المثال (100 مستشفى من وزارة الصحة، 500 مدرسة من وزارة التربية والتعليم، وهكذا)، وذلك وفقا لمتطلبات تلك الجهات الحكومية.

(2) تصميم واقتراح المشروعات وفق المتطلبات المحددة، وتقدير تكلفتها، ومن ثم عرضها بعد ذلك على الوزارة المعنية. بناء عليه ليس على أي جهة حكومية سوى أن تبين متطلباتها واحتياجاتها من المشروعات تحت مسؤوليتها، فيما تقع مسؤولية التصميم وتقدير التكاليف والتنفيذ والرقابة والمتابعة حسب الجدول الزمني المحدد على شركة (مقاولة سعودية)، التي ستستقطع مقابلها المادي من القيمة الإجمالية لتكاليف تنفيذ تلك المشروعات، وهو مصدر دخلها الرئيس.

(3) تبدأ شركة (مقاولة سعودية) بعد موافقة الوزارة المستفيدة بطرح تلك المشروعات كمناقصات على القطاع الخاص، ممثلا في الشركات والمؤسسات المختصة، ووفقا لتصنيفاتها المعتمدة من الحكومة. كما يمكن لشركة (مقاولة سعودية) أن تنفذ من المشروعات ما لا يتجاوز 10 في المائة من قيمة العقود الحكومية المعتمدة خلال العام المالي الجاري.

ستتولى شركة (مقاولة سعودية) التعاقد مع المقاول المناسب والمؤهل، وفقا لأعلى المعايير الهندسية والفنية اللازمة، والإشراف والمتابعة والرقابة لجميع الأعمال المنصوص عليها في العقد، وعند الانتهاء من تنفيذ المشروع تقوم بتسليمه للجهة الحكومية المعنية! التي بدورها هي لن تتسلم المشروع إلا بعد أن تبدي هيئة المواصفات والمقاييس رأيها وقرارها المستقل، بتطابق المشروع بصورته النهائية مع المواصفات والمعايير التي تم بناء عليها إقرار المشروع. علما بأن أي مدفوعات تدفعها (مقاولة سعودية) للمقاول المنفذ تتم وفق الآلية نفسها بالتنسيق مع وزارة المالية، بدءا من الدفعة الأولى حتى الدفعة الأخيرة.

ثالثا: تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني

لا سبيل إلى تحقيقه إلا من خلال العمل الجاد والممنهج المنصب على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي بدورها ستكفل لنا تحقق الأهداف الرئيسة التالية: (1) زيادة الدخل والعوائد الاقتصادية. (2) زيادة المردود على الميزانية العامة في جانب إيراداتها الأخرى النفطية “الزكاة، الضرائب”. (3) زيادة فرص التوظيف والدخل أمام المواطنين والمواطنات. (4) التوظيف الأمثل للاحتياطات والثروات الوطنية داخل الاقتصاد الوطني. (5) ترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وتنويع مصادر نموه. لكن، ما هي الآلية لأجل تحقيق تلك الأهداف المهمة وغيرها من الأهداف ذات الأثر الإيجابي؟

الباب الوحيد لأجل النفاذ إلى تلك الباحة الجميلة، هو حسن استغلال الإيرادات المتوافرة في الوقت الراهن، والدفع بها داخل أروقة الاقتصاد الوطني وفق رؤية شاملة ثاقبة، ستعمل بدورها على إيجاد مشروعات متعددة الأغراض، تسهم في تحفيز وتنشيط بيئة الاستثمار المحلية، وتعزز من قدرته على الاستفادة من مزاياه التنافسية غير المستغلة في المرحلة الراهنة كما يجب، تتقدم عبر النافذتين الفرعيتين الرئيستين (المشروعات العملاقة الممولة من الحكومة بمشاركة القطاع الخاص والتقنية المتقدمة للاستثمار الأجنبي، والمشروعات المتوسطة والصغرى الممولة والمدعومة من الحكومة)، وتركيزهما على نشاطي الخدمات والصناعة، وفق احتياجات كل نشاط من النشاطين، حسب الإنتاجية والقيمة المضافة ودرجة التركز والتوظيف، حيث يشكل نشاط الخدمات نحو 54 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ويسهم بـ 46 في المائة من القيمة المضافة للاقتصاد، ويستحوذ على نحو 67 في المائة من إجمالي العمالة، بنسبة سعودة بلغت 30.1 في المائة، تتركز أغلب وظائف السعوديين في هذا النشاط في القطاع الحكومي، إذ لا تتجاوز نسبة السعودة بهذا النشاط في القطاع الخاص 18.4 في المائة. أما بالنسبة لنشاط الصناعة، فبلغت نسبته من إجمالي الناتج المحلي بنهاية 2014 نحو 42.6 في المائة، ومساهمته في القيمة المضافة للاقتصاد 53.4 في المائة، ولم تتجاوز نسبة استحواذه من إجمالي العمالة على أكثر من 28.1 في المائة، وبنسبة سعودة أدنى لم تتجاوز 7.7 في المائة، جاءت أعلى بقليل في القطاع الخاص في النشاط بنحو 12.5 في المائة.

قد لا يتخيل القارئ الكريم، كم تحمل الأرقام أعلاه من المضامين والدلالات البالغة الأهمية إلى أقصى الحدود، التي يتطلب الغوص فيها إعداد دراسات مستفيضة لا مجرد تقرير يكتب، يمكن من خلال نتائجها استخلاص توصيات دقيقة، يتم توظيفها في سياق رسم سياسات وبرامج إنمائية أكثر ديناميكية، تكون بمنزلة خريطة للطريق المفترض السير وفق إشاراتها، بما يبعدنا كثيرا عن السير بطريقة عشوائية، لم ولن نجن معها إلا مزيدا من الهدر الاقتصادي والمالي.

إذا؛ أمامنا نافذتان:

(1) المشروعات العملاقة الممولة من الحكومة بمشاركة القطاع الخاص والتقنية المتقدمة للاستثمار الأجنبي.

(2) المشروعات المتوسطة والصغرى الممولة والمدعومة من الحكومة، يتوقع أن تلعب دور المساندة للمشروعات العملاقة. تتطلب النافذة الأولى نهجا مختلفا من السياسات والبرامج والإجراءات، تأخذ بعين الاعتبار:

1) تركزها على المجالات التي يتمتع فيها الاقتصاد الوطني بالميزة التنافسية.

2) مجالات وصناعات إحلال الواردات، حسب الجدوى والإمكانات المتاحة؛ في مقدمتها الموارد البشرية الوطنية.

3) ضخامة حجم رؤوس الأموال لتمويلها، سواء عبر تمويلها المباشر في رأس المال، أو عبر إتاحة المجال أمامها للاستفادة من التمويل الهائل والمعطل في سوق الدين (سندات، صكوك).

4) ضرورة بناء نماذج محكمة من الشراكات عالية الشفافية بين الحكومة والقطاع الخاص والشريك الأجنبي، تعزز من رفع كفاءة عوامل الإنتاج (رأس المال “الحكومة”، العمل “القطاع الخاص”، التقنية “الاستثمار الأجنبي”).

فيما تتطلب النافذة الثانية ممثلة في المشروعات المتوسطة والصغرى، جهودا أوسع وأعمق بكثير مما هو قائم اليوم! ولا أبالغ بالقول أن هذه النافذة تعرضت في السابق لتهميش ونسيان كبير، وزاد العبء عليها أخيرا أن تلقت أقوى الصدمات التي أدت إلى إنهاء وجودها تماما، نتيجة للعديد من السياسات (التجارة، العمل، التمويل). كما أؤكد أن التعامل معها وفقا لتلك السياسات بحجة أنها كانت الموطن الأكبر للتستر التجاري وغيرها من التهم، لم يكن موفقا إلى حد بعيد! لهذا تتطلب جهود دعم هذا النوع من المشروعات منهجية أخرى، لعل من أبرز عناوينها ما تم المطالبة به منذ أكثر من عقد زمني مضى؛ أن تؤسس لأجلها “هيئة حكومية مستقلة”، تتولى وضع خططها وبرامجها التي تربط أهداف إنشائها باحتياجات الاقتصاد الوطني، وتضعها على الطريق الصحيح الذي يؤهلها لتلعب الدور المساند للمشروعات العملاقة المذكورة أعلاه، وأن تكفل لها سهولة الحصول على التمويل اللازم “لا تتجاوز حصتها من الائتمان المحلي نسبة 1 في المائة من الإجمالي”، ولست بصدد مقارنة وضعها المهترئ لدينا بمثيله في العديد من البلدان، ولا بصدد ذكر أهمية وجودها كلاعب يعزز من تنوع القاعدة الإنتاجية المحلية، ودورها في توفير الفرص الوظيفية الكبيرة أمام الباحثين عن العمل من المواطنين.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/12/30/article_1017684.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاد سعودي, تقارير اقتصادية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.