طريق الإسكان بدءا من 2016 (3 – 3)

يوما بعد يوم تتضح صورة مستقبل السوق العقارية، تحكمها العوامل الاقتصادية والمالية التي تكاد تجتمع ليس فقط على كبح جماح تضخم أسعارها، بل تتجاوزه إلى ما هو أبعد من ذلك إلى زيادة الضغوط على تضخمها، وإرغامه على الدخول في مسار تنازلي للأسعار، يتوقع ألا تتوقف وتيرته إلا بعد نحو خمس إلى ست سنوات من تاريخ اليوم.

ولا تقف العوامل التي تخضع لها مؤشرات أداء السوق العقارية عند تلك العوامل الاقتصادية والمالية فحسب، بل يضاف إليها أيضا الأنظمة والإجراءات الثقيلة الوزن التي سنتها الدولة خلال عام 2015، وتمثل في مجملها سلة من الإصلاحات الجادة والجريئة غير المسبوقة، التي تستهدف معالجة التشوهات الهيكلية الجاثمة طوال عقود في أحشاء السوق العقارية، كان لها الدور الأكبر وراء ما شهدته من تضخم هائل في مستويات الأسعار، وما نتج عنه من ارتفاع مجنون في تكلفة إيجارات المساكن والمحال والمراكز، تسبب في ارتفاع كبير وغير مبرر في تكلفة كل من أعباء المعيشة بالنسبة للأفراد، ومصروفات التشغيل والإنتاج بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص، انصبت نتائجه السلبية مجتمعة على تباطؤ الأداء الاقتصادي عموما.

لهذا؛ سيكون لكل تلك العوامل والتطورات المختلفة، آثارها القوية على تغيير مسار السوق العقارية، ومن يظن أو يعتقد عكس ذلك، فلا مجال لإهدار الوقت معه حتى يقتنع بها، ذلك أن التطورات المتسارعة للسوق على أرض الواقع كفيلة بأن تغير قناعاته، عدا أن وزن قناعته من عدمها قبل كل ذلك، لا تشكل وزنا ذا اعتبار في ميزان تلك المتغيرات المتسارعة، ولا في ميزان تحقق المصالح العامّة الأكبر لصالح الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، المتمثلة في خروجهما وانعتاقهما من سيطرة تشوهات السوق العقارية، بدءا من احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، مرورا بعمليات تدوير الأموال والمضاربة بها لأجل مكاسب آنية وإن كانت على حساب مقدرات البلاد، وانتهاء بالتضخم الكبير في تكلفة أعباء الحياة عموما.

الخلاصة التي تهم الأفراد هنا، والممكن التعبير عنها بمعنى آخر أكثر تركيزا، أن مستويات الأسعار خلال العام الجديد 2016 ستأتي أدنى من العام المنصرم 2015، وأن مستويات أسعار العام الذي سيليه 2017 ستأتي أدنى من العام الجاري، وهكذا دواليك ما ستشهده السوق العقارية طوال الفترة القادمة. سابقا؛ ارتفعت أصوات أقطاب السوق من ملاك وسماسرة ومنتفعين ما كان يسكن أحشاؤها من تشوهات، وتحديدا خلال الفترة 2013 – 2014 أن الأسعار تتجه إلى مزيد من الارتفاع، لن تتوقف مسيرته مهما حدث من تطورات، سرعان ما تحولت تلك لغة التحدي العقارية خلال عام 2015، إلى لغة أكثر انكسارا أمام مؤشرات الركود الهائل الذي خيم على عموم مرابع السوق العقارية، لتزعم أن مستويات الأسعار تظهر تماسكا متينا أمام تلك التطورات والمتغيرات، سرعان ما تراجعت إلى الوراء بعد إقرار نظام الرسوم على الأراضي في منتصف الربع الأخير من عام 2015، لتزعم مرة أخرى أن مستويات الأسعار لن تتراجع بنسب كبيرة، بل إن التراجع سيكون محدودا جدا، وأنه في المستقبل القريب سيعاود الصعود مرة أخرى!

الرابط المشترك بين كل تلك المزاعم، بدءا من مقولات الأطراف العقارية أن الأسعار ستواصل صعودها خلال الفترة 2013 – 2014، مرورا بمقولة استقرار وتماسك الأسعار خلال 2015، وانتهاء بمحدودية نسب التراجع نهاية 2015 ومطلع 2016، أن تلك الادعاءات الزائفة جميعا لم تنجح على الإطلاق في تفسير أو تبرير أي منها ولو بإثبات واحد على أقل تقدير، بل لقد خلا تماما استنادهم وما نسجوه من مقولات الوهم والتسويق المضلل، سواء للواقع الراهن للسوق أو مستقبلها القريب، من أية إثباتات أو بيانات رسمية أو حتى شبه رسمية.

أما الخلاصة التي تتعلق بالأجهزة الحكومية ذات العلاقة، فإن عليها العمل الحثيث والمستمر، لأجل ترجمة تلك التطورات المرتقبة لصالح البلاد والعباد، وأن تنظر بعين الجهات المسؤولة قبل أي طرف آخر إلى أن أزمة الإسكان الراهنة، إذا لم يتم حلها بأسرع وأكثر الإجراءات جرأة، وأن تستفيد من الظروف الاقتصادية الراهنة، إضافة إلى الدعم الكبير من الدولة، أؤكد أنها إن لم تستطع ترجمة كل تلك التوجهات والمتغيرات لصالح حل أزمة الإسكان، فإنها ستتحمل مسؤولية جسيمة في منظور العام إلى العامين القادمين، وهو الأمر الذي يجب أن يضعه كل مسؤول ينتسب إلى أي من تلك الأجهزة الحكومية ذات العلاقة.

ولعل من أهم تلك الأجهزة الحكومية وزارة الإسكان، التي سمع وزيرها تأكيدا على طاولة النقاش في الورشة الأخيرة لمناقشة برنامج التحول الوطني، أن الأهداف التي وضعتها وزارة الإسكان لا تخلو من التضارب والتعارض فيما بين تلك الأهداف، أو أن بعضها في نظري لا علاقة لوزارة الإسكان بها، أو أنها أهداف لا تمثل علاقة جوهرية بجذور الأزمة الإسكانية، ووفقا لما وثقه ممثل وزارة الاقتصاد والتخطيط على طاولة النقاش تلك (كونه منسق جلسة النقاش)، وتضمنت التوصيات ضرورة تبني وزارة الإسكان لأهداف أخرى أكثر عملية، وأكثر علاقة بعمل ودور الوزارة، وأكثر ارتباطا بجذور الأزمة الإسكانية، حتى لا تبقى المشكلة كما هي ونظل ندور في الحلقة نفسها والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/01/02/article_1018602.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.