تحقق إصلاحات الاقتصاد السعودي

ليست مبالغة على الإطلاق القول إن عامي 2015 ــ 2016 شهدا ويشهدان حتى تاريخه تدشين حزم واسعة النطاق من الإصلاحات الاقتصادية المهمة، ويتوقع أن تستمر ترجمتها على أرض الواقع أغلب فترات العام الجاري، تمهيدا للخوض بها غمار مستقبل الأعوام الخمسة المقبلة، بكل ما تحمله من تحديات جسيمة وما يقابلها من فرص متاحة للاقتصاد الوطني.

إن عودة سريعة إلى الوراء، وإلقاء نظرة مراجعة على ما أثارته الطروحات الاقتصادية والمالية للعقدين الماضيين، وتركيزها على كثير من التحديات والأزمات والمعوقات التي عاناها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، لعل من أمثلتها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) تحديات التشوهات التي عجت بها سوق العقار والإسكان، وما نتج عنها من تفاقم احتكار الأراضي بمساحات شاسعة داخل وحول المدن والمحافظات، وأيضا تفاقم وتيرة المضاربات عليها، حتى وصلت أسعار الأصول العقارية إلى مستويات سعرية متضخمة خارجة عن السيطرة، وتسببت في إلحاق كثير من الأضرار الفادحة بمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

(2) ترهل أداء الأجهزة الحكومية تجاه الوفاء بما قطعته على نفسها من أهداف تنموية، لم يتحقق منها أعلى من 25 في المائة، دع عنك تأخرها الكبير عن الوفاء بمتطلبات واحتياجات أفراد المجتمع على مستوى التنمية الشاملة والمستدامة، لتتضخم على أثر كل ذلك “فجوة تنموية” لا يقل حجمها بلغة الأرقام عن 1.0 تريليون ريال! تمثلت في سلة ثقيلة الوزن من المشاريع الحكومية المختلفة “7200 مشروع تنموي”، التي تعثر تنفيذها حسب تصريح وزير الدولة محمد آل الشيخ في يوم إعلان موازنة الدولة للعام 2016.

(3) انغماس كبرى منشآت القطاع الخاص في أحضان الدعم والرعاية الحكومية المفرطة، مقابل إهمال المنشآت الصغرى والمتوسطة، وأحيانا قد يصل الأمر إلى محاربة تلك المنشآت، وزاد من وطأة الأمر على بيئة للاستثمار المحلية بصورة عامة، تدفق عشرات الآلاف من الشركات الأجنبية، مستفيدة بالدرجة القصوى من هذا الدعم الحكومي المعمم دون قيد أو شرط (تجاوزت رؤوس أموالها سقف 800 مليار ريال)، مقابل مساهمة محدودة جدا على مستوى تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وعلى مستوى توظيف العمالة الوطنية، كل هذا شكل بيئة استثمار محلية مكتظة إما باحتكار نشاطات بالغة الأهمية، أو بسيطرة العمالة الوافدة على نشاطات أخرى، أو بتأخر وضعف إنتاجية نشاطات اقتصادية أخرى، إضافة إلى غيرها من الترهلات التنظيمية والرقابية، فماذا كانت نتيجة كل هذا الرصيد الإنتاجي للقطاع الخاص، سوى ضعف مساهمته في تنويع قاعدة الإنتاج، وضعف إيجاده الوظائف المناسبة، وضعف تنافسيته محليا وخارجيا، وعدم قدرته على استقطاب كثير من الثروات المحلية، التي فضلت بدورها إما التوجه إلى الاستثمار والمضاربة في الأراضي والعقارات، أو الهرب إلى خارج الحدود.

كل ما تقدم ليس إلا مجرد أمثلة على حالات أكثر عددا وأوسع نطاقا، شهدنا خلال أقل من عام حتى تاريخه عددا من القرارات والأنظمة والإجراءات العميقة لأجل معالجتها، وتجاوزها الجاد والحقيقي بعد سنوات طويلة جدا من الانتظار، كان من أبرزها ما سيأتي ذكره على سبيل المثال أيضا لا الحصر:

إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل نطاق المدن والمحافظات والمراكز، تأسيس هيئتي دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتوليد الوظائف، إصلاح وتطوير الأداء الحكومي باعتماد مؤشرات قياس أداء الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية “551 مؤشرا للأداء الربع سنوي والسنوي”، وتحسين مستويات الشفافية والمحاسبة، تأسيس البرنامج الوطني لدعم إدارة المشاريع في الجهات العامة “رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي”، ترشيد نفقات الأجهزة الحكومية وتوظيف الاستخدام الأمثل للتقنية في تقديم الخدمات الحكومية “رفع كفاءة الإنفاق التشغيلي”، إرساء نظام المنافسات والمشتريات الحكومية ومراعاة أفضل الممارسات الدولية، تحسين منهج وآليات إدارة أصول الدولة، تحديد وتطوير معايير الشفافية والرقابة والحوكمة، اتخاذ حزمة جادة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى تحقيق إصلاحات هيكلية واسعة في الاقتصاد الوطني وتقليل اعتماده على النفط، التوسع في طرح مجموعة من القطاعات والنشاطات الاقتصادية للتخصيص، تذليل المعوقات التشريعية والتنظيمية والبيروقراطية أمام منشآت القطاع الخاص، وغير ذلك كثير من القرارات والإجراءات، سواء تلك التي تم إعلانها وإقرارها، أو ما سيأتي من قرارات وأنظمة مرتقبة في المستقبل القريب.

إن ما جرى ويجري من إصلاحات راهنة، تعكس دخول الاقتصاد الوطني والمجتمع معتركا واسع النطاق، على طريق الإصلاحات والتطوير والتغيير اللازم، طالما نشدناه جميعا طوال العقدين الماضيين، وبغض النظر عما قد يعتري ذلك الطريق الطويل من تحديات أو صعوبات أو آثار مؤلمة بعض الشيء، أو حتى تعثر بعضها لا قدر الله، إلا أنه الطريق الإصلاحي والتطويري المتمثل في “الخيار الأصح” مقارنة بغيره من الخيارات الأخرى، وهو الخيار الأنسب الواجب الإقدام عليه دون تأخير أو مماطلة، وهو أيضا الخيار الذي لا شك أن عوائده أكبر بكثير من الخيارات الراهنة التي أكل الدهر عليها وشرب، وهو الخيار الذي تظل آثاره السلبية إن وجدت أقل بكثير من الآثار السلبية لاستدامة التشوهات أو القصور الناتج عن وضعنا السابق لتلك الإصلاحات!

إن الرؤية الشابة التي يحملها مهندس الاقتصاد الوطني الأمير الشاب محمد بن سلمان، التي يشاركه فيها ثلاثة أرباع المجتمع كشرائح شابة، وتجد قبولا وتشجيعا من بقية الشرائح، أؤكد أنها الرؤية والمشروع الوطني الذي سيشاركه بمشيئة ـــ الله تعالى ــــ في مهمة تحقيقها، جميع أفراد وشرائح المجتمع السعودي، وهي نقطة التحول في مسار بلادنا ومجتمعها لما فيه خيرها وتطورها واستقرارها الراهن والمستقبلي بحول الله. كما أن هذا المشروع الوطني، يجب أن يكون حاضرا باستمرار وعمق وجرأة وحرية في جميع الأدبيات الاقتصادية، بدءا من المقالات والتقارير المنشورة، مرورا بالحوارات المشاهدة، وانتهاء بورش العمل والندوات الوطنية المختلفة، تناولا لها من الجوانب كافة، ومساهمة في تنقيحها من الشوائب أو الأخطاء المحتملة، لا قدر الله، كل ذلك استهدافا من الجميع دون استثناء لأجل تحققها على أرض الواقع على أمثل وجه، وفق الله بلادنا وقادتها ومجتمعها لتحقيق كل ما نصبو إليه جميعا من خير ونماء وتقدم ونهضة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/01/09/article_1020292.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.