ماذا يجري في السوق العقارية؟

في الوقت الذي تظهر خلاله بيانات وزارة العدل عن السوق العقارية، تراجعات في قيم وأعداد العقارات المنقولة ملكيتها، وصلت بعض نسب انخفاضها بنهاية 2015 مقارنة بعام 2014 لأكثر من 50 في المائة، وانخفاض متوسطات الأسعار بنسب فاقت 22.4 في المائة لقطع الأراضي السكنية، ونحو 14.4 في المائة بالنسبة إلى متوسط أسعار الوحدات السكنية، فيما وصلت نسبة الانخفاض إلى 40.2 في المائة لمتوسط أسعار الأراضي الزراعية. يعلو كثير من أصوات أغلب الأفراد الباحثين عن أرض أو مسكن بعدم لمسهم تلك الانخفاضات السعرية! فيما تعلو أصوات أخرى أكثر بارتفاع فواتير الإيجارات السنوية للوحدات السكنية، وكلا الأمرين وغيرهما مما يُظن أنه تضارب أو تناقض ستتضح أسبابه بعد قليل.

يقف خلف كل ذلك التضارب عدد من الأسباب، لعل من أبرزها وأهمها ما يلي:

(1) غياب نشر البيانات الرقمية الفعلية التي تعكس حالة السوق العقارية، والنشر المطلوب هنا هو النشر المنتظم لتلك البيانات والإحصاءات، وهو دور يخص مؤسسة النقد بصفتها البنك المركزي، وقبلها مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، والجهاز الأخير هو المعني بالدرجة الأولى بالنشر المنتظم لكافة بيانات وإحصاءات الاقتصاد الوطني. وسنرى لاحقا سلبيات غياب نشر وإيضاح تلك البيانات على حساب الاقتصاد والمجتمع، وكيف تم استغلال تلك الفجوة المعلوماتية من قبل المنتفعين والمستفيدين من ديمومة التشوهات الراهنة في السوق العقارية.

(2) إن الانخفاض الذي طرأ على مستويات أسعار الأصول العقارية باختلاف أنواعها، يظل انخفاضا لا يُذكر أمام موجة التضخم السعرية الهائلة التي حدثت في السوق العقارية، تجاوزت خلال أقل من عقد زمني مضى 2006 – 2014 أكثر من عشرة أضعافها! فماذا يعني انخفاض سعر أصل عقاري بنسبة 20 في المائة أو حتى 30 في المائة، أمام ارتفاع هائل سبقه بأكثر من 1000 في المائة؟! والحال سيكون أصعب بدرجات كثيرة جدا، إذا علمنا أن الأسباب الحقيقية التي وقفت وراء تلك الارتفاعات السعرية الهائلة مصدرها الرئيس والأقوى هو السيطرة المفرطة ليد الاحتكار على أغلب الأراضي المؤهلة للانتفاع السكني والتجاري داخل المدن والمحافظات، وألهب من تضخم أسعارها بالدرجة الثانية سيطرة المضاربات المحمومة على الجزء اليسير المتاح من تلك الأراضي للبيع والشراء، التي لا تتجاوز وفقا للبيانات الرسمية نسبة 10 في المائة منها، وكلا الأمرين “الاحتكار” و”المضاربات” تشوهان بالغا الخطورة، ظلا يؤثران بصورة كبيرة جدا في معطيات السوق العقارية لأكثر من عقدين زمنيين مضيا، دون أي قيود أو أنظمة أو إجراءات حكومية تحد منهما، أو حتى تنظم سلوكيات المنفذين لها.

هنا؛ ستجد المواجهة طوال الفترة الماضية، حتى ما قبل نهاية عام 2014 أنها كانت قائمة في أغلب جولاتها بين الطرف الأول القوي النفوذ “الاحتكار والمضاربات” من جهة، ومن جهة أخرى الطرف الثاني ممثلا في التطورات والعوامل الاقتصادية المعاكسة “كتراجع سعر النفط”، وهي مواجهة محسومة النتيجة لمصلحة الطرف الأول الأقوى، فما الذي أدى إلى تحول كفة تلك المواجهة لمصلحة الطرف الثاني بعد مطلع عام 2015؟ لقد أتى متأخرا تأثير الأنظمة والإجراءات التي اتخذتها الحكومة بطريقة جادة أكثر مما سبق، لعل من أهم تلك الخطوات إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، لم يسبقه كقرار صارم وجاد إلا قرار مؤسسة النقد العربي السعودي بخفض نسبة التمويل العقاري لـ 70 في المائة من إجمالي القيمة السوقية للأصل العقاري، وهو القرار الحكومي الوحيد الذي كان له أبرز الأثر في كبح جماح تضخم الأسعار طوال العام الماضي تقريبا، ولولاه لشهدت السوق العقارية استمرارا في تضخم أسعارها وقيم صفقاتها خلال العام الماضي.

في الوقت الراهن يشتد ساعد الطرف المقابل للتشوهات المسيطرة على السوق العقارية، بمتغير آخر يعد أكثر قوة وتأثيرا من قوة تنظيم التمويل العقاري، المتمثل في نظام الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات والمراكز، المزمع تنفيذه عمليا مطلع شهر رمضان المبارك المقبل بمشيئة الله، الذي بإضافته إلى بقية العوامل الاقتصادية والمالية الراهنة، وإلى حزمة إجراءات الدولة المستهدفة حل الأزمة الإسكانية على وجه السرعة، ستصبح كفة المواجهة لمصلحة الطرف الثاني بعد أكثر من عقدين من الزمن! والأمر تفسيره بسيط جدا في هذا الجانب تحديدا؛ ذلك أن نظام الرسوم على الأراضي هو الأداة الوحيدة والأقوى في الوقت الراهن لتفكيك “يد الاحتكار”، اليد التي أحكمت سيطرتها النافذة على الأراضي بمساحات شاسعة جدا، وتسببت بالدرجة الأولى في نشوء الأزمة العقارية والإسكانية التي نشاهدها اليوم، وكما تسبب “تشحيح” الأراضي بجانب العرض في ارتفاع الأسعار بصورته الهائلة طوال العقد الماضي، فإن تفكك تلك اليد الاحتكارية بعد تطبيق الرسوم على الأراضي، سيتسبب في انفراط تلك الأراضي الشاسعة، ودخولها رغما عنها إلى جانب العرض فيما يشبه الإغراق، الذي سيترتب عليه دون شك دخول الأسعار في مسار معاكس لما اعتادت عليه طوال الفترة 2006-2014، تتجه من خلاله إلى منطقة العدالة السعرية التي تخدم الاقتصاد والمجتمع، ولا ضرر على الإطلاق إن هوت بأكثر من 75 في المائة من مستوياتها الراهنة، أو حتى أعلى من هذه النسبة، فهو أولا وآخرا النتيجة الإيجابية التي تأخر حدوثها طوال العقد الماضي، وهو أيضا النتيجة الإيجابية لإصلاح السوق العقارية ومعالجتها من التشوهات الخطيرة التي كانت مسيطرة عليها.

(3) نأتي الآن إلى الأهم في المرحلة الراهنة، التي تتعلق بضرورة قيام وزارة التجارة والصناعة بدورها تجاه التلاعب والتحكم بالأسعار بين تجار الأراضي والعقارات، بهدف مقاومة الإصلاحات الراهنة على السوق العقارية، أن تحكم الوزارة بحكم مسؤولياتها السيطرة على كل من: عمليات رفع تكلفة الإيجارات دون أي مبررات، سوى زيادة الضغوط على الأفراد وقطاع الأعمال، والإيهام وفق هذا التصرف بعدم إمكانية تراجع الأسعار المتضخمة، وللضغط على الأفراد تحديدا لشراء العقارات المتضخمة سعريا. ضرورة تنفيذ المزادات العقارية على الأسعار التي آلت إليها عمليات المزاد مهما كانت تلك الأسعار، وعدم التدخل بإيقافها بعذر حماية المساهمين، ذلك أن الأولى هو حماية الاقتصاد الوطني قبل أي اعتبار آخر، وإقرار القبول بما وصلت إليه الأسعار السوقية الراهنة، وأين كانت وزارة التجارة سابقا مما سبق من المزادات حينما كان المضاربون يتورطون برفع الأسعار دون قيد أو شرط، ولعل ما جرى في مزاد الأحساء الأخير أحد الأخطاء التي وقعت فيها الوزارة.. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/01/11/article_1020736.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.