تخفيض القرض العقاري

استكمالا لما تم الحديث عنه في المقال الأخير “ماذا يجري في السوق العقارية؟” وصولا إلى تبين بدء أسباب نشوء الأزمة الإسكانية والعقارية في الزوال، المتمثلة في جوهرها من زيادة احتكار الأراضي داخل المدن والمحافظات لأكثر من 90 في المائة من مساحات الأراضي، وفي الدرجة الثانية ارتفاع المضاربات الحادة على أقل من 10 في المائة من الأراضي داخل نطاق المدن والمحافظات، بمئات المليارات من السيولة الباحثة عن فرص للاستثمار ولا تجدها، وكيف أن الأداة الفاعلة المتمثلة في إقرار نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، قد بدأ تأثيرها في الأسعار بمجرد التوصية، سرعان ما تزايد تأثيرها بمجرد إقرارها بصورة رسمية، لتنخفض وتيرة الصفقات العقارية عليها خلال أقل من ستة أشهر مضت بنسبة فاقت 26 في المائة، ولتنخفض نتيجتها متوسطات الأسعار خلال العام الماضي بنسبة وصلت إلى 22.4 في المائة، ويتوقع أن يستمر هذا التأثير بشكل أكبر طوال العام الجاري وما سيليه من أعوام قادمة بمشيئة الله تعالى، إلى أن تستقر عند مستوياتها العادلة، وأن يمتد أثر ذلك الانخفاض وزوال الفقاعة السعرية المتضخمة ليشمل بقية الأصول العقارية الأخرى المختلفة، التي أظهرت انخفاض متوسطات أسعارها خلال العام الماضي بنسبة 14.4 في المائة، ويؤمل أن تتزايد تلك النسبة حتى يتحقق لها السعر العادل، الذي تتحقق من خلاله المصلحة العامة للاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

إننا ونحن نتعايش مع تطورات المرحلة الراهنة؛ من انخفاض شديد طرأ على أسعار النفط، تجاوزت نسبة انخفاض متوسط أسعاره لعام 2016 مقارنة بعام 2014 سقف الـ 70 في المائة، وتأثيره الكبير في ميزانية الدولة، اتخذت – أيدها الله – في مواجهة تحديات تلك المرحلة سياسات مالية واقتصادية حازمة كان لا بد منها، قامت على ترشيد وضبط الإنفاق من جانب، وفي جانب آخر على تعزيز الإيرادات غير النفطية لتعويض الانخفاض الكبير في الإيرادات النفطية، ولمواجهة أعباء الإنفاق الحكومي اللازم، وبالنظر إلى الاعتبارات الأخرى المهمة المتعلقة بتطورات السوق العقارية، خاصة تلك التي استهدفتها الحكومة لأجل وضع حلول جادة للقضاء على الأزمة الإسكانية، وخفض الأسعار المتضخمة للأراضي بالاعتماد على إقرار “نظام الرسوم” على الجزء المحتكر منها، والعمل على تحريرها وتوظيفها في الأغراض التي تخدم احتياجات الاقتصاد والمجتمع، بدأت فعليا معه تعاملات السوق العقارية في الاستجابة له مبكرا، ويتوقع أن تتنامى ثمارها طوال الأعوام الخمسة القادمة، فتنخفض بصورة أكبر الأسعار المتضخمة للأصول العقارية عموما. أؤكد أننا، ونحن في مواجهة تلك التطورات والمتغيرات على أرض الواقع، سنكون في حاجة ماسة إلى اتخاذ عدد من القرارات والإجراءات اللازمة، التي أتمنى أن يأخذها بعين الاعتبار مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وأنها ستكون أحد أهم الأدوات التي ستساعد على الإسراع بحل الأزمة الإسكانية، كونها أحد أهم مكونات برنامج التحول الوطني 2016 ـــ 2020، وهي على النحو التالي:

أولا: الخفض التدريجي لقيمة القرض العقاري الممنوح من صندوق التنمية العقارية للأفراد من 500 ألف ريال، إلى 300 ألف ريال كمرحلة أولى، والنظر في خفضه مرة أخرى بعد عام أو عامين وفقا لتطورات السوق العقارية من حيث انخفاض الأسعار، ليصبح 200 ألف ريال حسبما تظهره المؤشرات والنتائج في السوق.

تكمن الأهمية الكبرى لمثل هذا القرار الحيوي في أنه سيخفف كثيرا من الأعباء المالية الهائلة على كل من المالية الحكومية والمواطنين على حد سواء، فبالنسبة للمالية الحكومية سيصبح بإمكانها تلبية احتياجات شريحة أوسع وأكبر من المواطنين من القروض العقارية الحكومية، وفي الوقت ذاته ستخف أعباء الالتزامات المالية والأقساط على المواطنين من جانب آخر، وكلا الهدفين يمكن الوفاء بهما بدرجة كبيرة جدا، أمام الانخفاضات الإيجابية التي تشهدها مستويات الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات. بل إن اتخاذ مثل هذا القرار التنموي المهم في هذه المرحلة بالذات؛ كفيل بالإسراع في خفض مستويات الأسعار المتضخمة من جانب، وفي الإسراع بحل الأزمة الإسكانية بنسبة قد تفوق حتى أهداف حلولها ضمن برنامج التحول الوطني المعلن عنه أخيرا.

ثانيا: أن اتخاذ القرار السابق من شأنه؛ أن يزيد من قدرة وإمكانية صندوق التنمية العقارية على التوسع في منح القروض الاستثمارية لأجل تطوير الأراضي الخام، واستكمال بنيتها التحتية، وهو الطريق الأكثر أهمية خلال المرحلة القادمة على مستوى زيادة المعروض من المنتجات الإسكانية، وتحقق التوازن في السوق العقارية المحلية، التي كانت تفتقر إليه حتى وقت قريب. حيث لم تؤدِ زيادة أحجام القروض العقارية للأفراد مقابل جمود جانب العرض، أو بمعنى أدق مقابل احتكار أغلب جوانب العرض، إلا إلى زيادة الأسعار وتضخمها، وزيادة أخطر في مستويات الأزمة الإسكانية.

ثالثا: يتطلب الأخذ بعين الاعتبار خلال المرحلة الراهنة في المستقبل القريب، التي ترتفع خلالها بدرجات كبيرة المخاطر الاقتصادية والمالية عالميا وإقليميا ومحليا، حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع من تحمل أعباء التزامات الإنفاق والديون الكبيرة، وتجنيب كل من الحكومة والمواطنين من الخوض في هذا الطريق البالغ الوعورة، وأن يتم أيضا اتخاذ أعلى التدابير والاحترازات لحماية القطاع التمويلي المحلي من التورط في تمويل شراء الأصول العقارية، التي تواجه انكماشا صحيا في أسعارها السوقية المتضخمة جدا، ومن أهم تلك الخطوات اللازمة أن تتم المحافظة على نسبة التمويل العقاري “70 في المائة من قيمة الأصل المستهدف بالشراء”، علما أن أي توجه لخفض نسبة مقدم التمويل العقاري المحدد الآن عند ما لا يتجاوز 30 في المائة من القيمة، لن تكون نتائجه بالفائدة الكبرى ذاتها بالنسبة للأفراد، الذين يعانون في الأصل ارتفاع مديونياتهم البنكية، وفي الوقت ذاته لارتفاع درجة الوعي لديهم بأن الأسعار الراهنة من الخطأ الفادح عليهم؛ التورط بالشراء بناء عليها وتحمل مديونيات هائلة إضافية لقاءها. بل قد يتسبب مثل هذا القرار إن تم اتخاذه في زيادة تماسك الأسعار المتضخمة لفترة من الزمن، وهو أبعد الآثار المحتملة قياسا على التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، إلا أنه في جانب آخر سيتسبب في تأخير تحقق أهداف حل الأزمة الإسكانية.

سيكون قرار تخفيض القرض العقاري، بجانب بقية الحلول والإجراءات المهمة الأخرى التي تم اتخاذها أخيرا في مقدمتها “نظام الرسوم على الأراضي”، أحد أهم الحلول المتكاملة التي تخدم بعضها البعض، لا أن تتضارب أو تتعارض فيما بينها، آملا بقوة أن يجد قبولا وتجاوبا سريعا من الجهاز الأكثر نشاطا وحيوية ممثلا في مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2016/01/13/article_1021288.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.