حلول أزمة الإسكان المجمدة “1 من 2″

لن يسبق أحد وزارة الإسكان ولا صندوق التنمية العقارية؛ في اكتشاف أن الطريق الذي يسلكانه في الوقت الراهن لأجل حل أزمة الإسكان مسدود بالنسبة الكاملة! وهو الطريق ذو الاتجاه الخاطئ، بالهروب من مواجهة صلب وأساس الأزمة المتمثل باحتكار الأراضي داخل المدن والمحافظات، على حساب منعها من الانتفاع والتطوير.

وما تظنه من حلول أدارت ظهرها في الحقيقة لأساس الأزمة، بدءا من هرولتها نحو رفع سقف التمويل بشتى السبل على كاهل ضحية الأزمة، للحاق خلف أسعار الأراضي والعقارات التي تقفز وفق أهواء ورغبات ملاكها، دون أدنى عبء أو تكلفة على كاهل الملاك. وانتهاء بضخ عشرات المليارات من الريالات، لأجل استكمال تشييد البنى التحتية والخدمات لمصلحة المخططات والأراضي، مع عدم المساس ببقية المتغيرات المؤثرة في مستويات الأسعار المتضخمة، ودون أن تتساءل هنا؛ إذا كانت هذه الأراضي الخالية من أي عمليات تطوير، وصلت إلى ما وصلت إليه من أسعار متضخمة، فكيف بأسعارها السوقية إن هي أصبحت مخدومة شبه مكتملة البنى والخدمات؟!

لن يكون علينا أشق من مواجهة أزمة تنموية قادمة في المستقبل القريب، مما تعكف على التأسيس لها في الوقت الراهن وزارة الإسكان وصندوقها العقاري، وحينها لا يُعلم من سيكون قادرا على مجرد الاقتراب من آثارها السلبية جدا على المستويات كافة!

لطالما تم تذكير وتنبيه وزارة الإسكان إلى الطريق الصحيح، وأنه باتجاه تفكيك الدائرة المغلقة لاحتكار الأراضي البيضاء، التي تشكل ما يناهز الـ 60 في المائة من مجموع مساحات المدن الرئيسة، وأن الأداة المتوافرة في يدها اليوم المتمثلة في فرض الرسوم عليها، إلا أن حتى التفكير في هذه الأداة قد أصابه الجمود من قبل وزارة الإسكان، أسوة بالجمود الذي خيم على مساحات تلك الأراضي البيضاء، تحت ظلال آمنة مطمئنة عنوانها ومضمونها “الأرض لا تأكل ولا تشرب”.

في حين إن حقيقة الأمر، أو قل حقيقة الأزمة التنموية الراهنة، أن هذه الأرض المجمدة عن الإحياء والانتفاع، أكلت وشربت كثيرا من دخل وجهود وإنتاج البلاد والعباد، ما لم يصل بها حتى تاريخه إلى حد الشبع، بل لا تزال تلتهم كل ما هو في طريقها، وقريبا تلتهم عشرات المليارات من الريالات التي دفعتها الدولة لأجل تطويرها بالخدمات والطرق والبنى التحتية من كهرباء وماء وخلافه، فتزداد أسعارها السوقية أضعاف ما هي عليه اليوم، وتستمر الأزمة الإسكانية في التفاقم أكثر مما عليه اليوم، وتستمر حلول زيادة التمويل والقروض على كاهل أفراد المجتمع، لتشكل في نهاية المطاف إن كان له نهاية، سدا أكثر مناعة وأكبر حجما مما هو عليه اليوم، سيصطدم به الجميع دون استثناء!

لقد تبين الطريق الصحيح الاتجاه، وأنه يبدأ خطوته الأولى من تفكيك ذلك الاحتكار للأراضي البيضاء، وتم -بحمد الله تعالى- إقرار الرسوم عليها قبل نحو سبعة أشهر من مجلس الوزراء الموقر بتوصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ولم يبق سوى اقتراح وإقرار آلياتها، وعدا هذا الطريق الصحيح فلا مجال عن الاصطدام بالمحذور الخطير المشار إليه أعلاه!

إذاً ينصب الحديث اليوم، وهو ما يجب أن يتم إنهاؤه قبل أي قرار أو جهد آخر، على تفاصيل تلك الرسوم على الأراضي البيضاء، وكيف لمخططها أن يصممها بالصورة والأهلية التي تحولها فعليا إلى أداة حازمة صارمة مجدية، تحقق الهدف الرئيس من إقرارها وتطبيقها، والخروج بالبلاد والعباد من وحل هذه الأزمة التنموية التي طال زمنها، واتسع خطرها مهددا أغلب مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.. فأقول:

يشترط للوصول بآليات الرسوم على الأراضي البيضاء إلى أعلى درجات الفعالية والكفاءة، وبما يؤدي إلى تحقيق أهداف القيادة الرشيدة، ويلبي تطلعات عموم أفراد المجتمع من المواطنين، أن تتسم آليات الرسوم على الأراضي بعدد من الشروط اللازمة، لعل من أبرزها وأهمها في المرحلة الراهنة أربعة شروط لازمة، سأوردها هنا باختصار، ثم أتوسع في إيضاحها بالتفصيل لكل شرط منها. الشرط الأول: شمولية تطبيقها لجميع المدن الواقعة في المناطق الإدارية الرئيسة الـ 13 للمملكة، شاملا جميع المحافظات من فئة (أ)، البالغ عددها 61 محافظة. الشرط الثاني: شمولية تطبيقها لجميع الأراضي البيضاء داخل كل من تلك المدن والمحافظات والمراكز، والحد قدر الإمكان من أي استثناءات. الشرط الثالث: تطبيق تلك الرسوم ضمن فترات زمنية لا تتجاوز مدة العام الواحد منذ أول إعلان لبدء تطبيقها حسب المبين في الشرطين الأول والثاني. الشرط الرابع: أن يرتبط تحديد تكلفة الرسوم المفروضة على الأراضي بقيمتها السوقية الأحدث، احتذاء بالتجارب الدولية الناجحة في هذا المجال.

وإيضاحا لهذه الشروط؛ فالشرط الأول: أن يشمل تطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء جميع المدن الواقعة في المناطق الإدارية الرئيسة الـ 13 للمملكة، شاملا جميع المحافظات من فئة (أ)، البالغ عددها 61 محافظة، وتكمن أهمية شموليتها بهذه الصورة ألا يحدث استثناء لأي منطقة أو محافظة من غطاء تنظيم الرسوم، وذلك بهدف منع تسرب السيولة لأي من تلك المناطق المستثناة، المتوقع هربها من المواقع التي ستُطبق نظاميا عليها الرسوم، والمخاطر المحتملة التي سيترتب بناء عليها تذبذبات حادة جدا بين انخفاضات حادة للأسعار في المناطق المطبقة عليها الرسوم، مقابل ارتفاعات حادة جدا في المناطق والمدن التي سيتم استثناؤها من الرسوم وإن كانت مرحلية، على العكس مما لو تم إعلان شمولية تلك الرسوم على كافة المدن والمحافظات والمراكز، وتبقى آليات التنفيذ شأنا داخليا لدى وزارة الإسكان، يحكمه توافر شروط فرض الرسوم وانطباقه على أي مساحات للأراضي.

إضافة إلى كل ما تقدم؛ ستكفل شمولية تطبيق الرسوم على الأراضي في كافة المدن والمحافظات حصرا مفيدا جدا لخيارات الملاك والمطورين، وتوجيهها في الاتجاه الذي استهدفته الدولة والمشرع للرسوم على الأراضي، المتمثلة إما في التالي: (1) تطوير وإحياء الأرض، والاستفادة من جهود وزارة الإسكان الأخيرة في مجال سرعة إنهاء إجراءات استخراج تصاريح التطوير والبناء. أو (2) التخارج من ملكية الأرض، وبيعها لمن لديه القدرة على تطويرها من شركات التطوير العقاري، وإمكانية استفادة المطور من التسهيلات المالية الكبيرة التي أعلن عنها صندوق التنمية العقارية، إضافة إلى التمويل الإضافي الممكن توفيره من خلال شركات التمويل العقاري للمطورين.

طبعا، لا شك في أن هذا السيناريو سيؤدي إلى تراجع الأسعار السوقية للأراضي، ومن ثم العقارات وتكلفة الإيجارات، وعودتها إلى المستويات العادلة المنشودة (الغائبة تماما عن أسعار السوق الراهنة)، ويحمل كل هذا مزايا بالغة الأهمية لمختلف الأطراف ذات العلاقة، حيث: (1) يظل هذا الانخفاض المحتمل في مستويات الأسعار، أقل مخاطرة بدرجة كبيرة من دخول أسعار العقارات منطقة حرجة من التذبذبات السعرية الحادة (مناطق تشهد ارتفاعات سعرية حادة لإعفائها مرحليا من الرسوم، ومناطق أخرى ستشهد انهيارات سعرية حادة لشمولها بالرسوم). (2) بالانخفاض المتدرج في الأسعار السوقية للأراضي والعقارات والإيجارات، سيتيح هذا التدرج فرصة أفضل لكافة الأطراف، حيث بانخفاض الأسعار المحتمل، الذي ستقابله شريحة من المشترين المقتدرين بقبولها والقيام بالشراء، ما سيحد من الخوف المبالغ فيه بانهيار الأسعار الذي يخشاه عدد من الأطراف العقارية، وفي الوقت ذاته مع تراجع تكلفة الإيجارات على الأفراد، سيثمر هذا عن زيادة قدرتهم على انتظار فرصة اقتناء المسكن وتملكه، الذي سيخفف كثيرا من الاحتقان في الشارع، ويثبت لهم وللأطراف ذات العلاقة خاصة وسائل الإعلام، أن جهود إصلاح سوق الإسكان تتقدم خطواتها نحو الأمام بصورة فعلية، لا مجرد شعارات أو تصريحات سئم الجميع من ترديدها طوال الأعوام الماضية. (3) (ج) كل هذا سيخفف كثيرا من حدة الضغوط على وزارة الإسكان والمعنيين بحل أزمة الإسكان في البلاد، ويمنحها فرصة أوسع ومجالا أرحب لاستكمال جهودها ومسؤولياتها تجاه إخراج البلاد والعباد من قاع هذه الأزمة التنموية المعقدة. وأكمل الحديث في الجزء الثاني بمشيئة الله. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/10/19/article_999320.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.