مؤشرات نجاح أو فشل وزارة الإسكان

تتحمل وزارة الإسكان مسؤولية مواجهة التحدي التنموي الأول والأكبر اقتصاديا واجتماعيا، المتمثّل في حل أزمة الإسكان المحلية، التي أثقلت آثارها السلبية إلى حدٍّ بعيد كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع على درجةٍ سواء، ولم ينج منها “ظاهرا” سوى ملاك تلك المساحات الشاسعة من الأراضي والعقارات، على الرغم من اعتقادهم منفردين أنّ هذا الغلاء المبالغ فيه في أثمان الأراضي والعقارات، وارتفاع العوائد السنوية للإيجارات، ليس إلا أرباحا ومكاسب لا يحق لكائنٍ من كان منازعتهم فيها، ولا حتى مجرّد مناقشتهم حول ما إذا ألحقت أضرارا جسيمة بالمقدرات التنموية للبلاد والعباد أم لا.

لمعرفة ما إذا كانت وزارة الإسكان تسير في الاتجاه الصحيح أم لا، وللأهمية القصوى تجاه هذا الجانب وضرورة التعرّف عليه مبكرا، خاصة مع بدء الوزارة باتباع منهجية جديدة في هذا السياق، إضافة إلى صعوبة تحمّل تبعات أي فشلٍ أو تأخيرٍ محتمل في المستقبل القريب ضمن ملفات هذه الأزمة التنموية، ما يقتضي بالضرورة سرعة التدخل لإصلاح ومعالجة أية انحرافات أو زيادة تفاقمها في وقتٍ مبكر، وعدم التأخّر إلى ما بعد وصولها إلى مستوياتٍ بالغة الخطورة، قد يستحيل معها السيطرة أو التعامل مع آثارها الوخيمة. أقول لأجل كل هذا؛ لا بد من وضع مؤشرات لقياس أداء وزارة الإسكان، مع اشتراط ألا يزيد الموعد الزمني الدوري لنشرها عن نصف عام (ستة أشهر)، وبناء عليها يتم اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة للمضي قدما في طريق عملها حال تأكّد إيجابية تلك المؤشرات، أو العمل الفوري على تعديلها وتغيير مسارها، حال تأكّد سلبيتها وانحرافها عن الأهداف النهائية المأمولة.

يمكن في البداية، تصميم مؤشرات أداء وزارة الإسكان لتشمل الأهم في الوقت الراهن، والممكن توفيرها، على أن يتم التوسّع مستقبلا في أعدادها وتنوّعها، بما يؤهلها عمليا أن تعكس درجة الإنجاز من عدمه أو درجة وسرعة تحققه، وبناء على ما تظهره تلك المؤشرات يتم اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة، سواء من قبل وزارة الإسكان نفسها، أو من بقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة. وبناء عليه، قد يكون مطلوبا في الفترة الراهنة التركيز على أبرز (ثلاثة مؤشرات لقياس الأداء)، والتفكير في زيادتها وتطويرها وتنويعها مستقبلا، تتلخّص هذه المؤشرات فيما يلي:

المؤشر الأول: نسبة (تكلفة) الأرض إلى إجمالي (تكلفة) إنشاء وتشييد الوحدات السكنية (الفلل)، التي تستقر في الوقت الراهن بين 70 إلى 75 في المائة من إجمالي تكلفة البناء. حيث تبيّن مقارنتها محليا مع المؤشرات المماثلة في أغلب البلدان، أنّها تعد نسبة مرتفعة جدا، فهي تتحرك بين 15 في المائة كحد أدنى إلى نحو 20 في المائة كحدٍ أقصى، وعليه كلما انخفضت هذه النسبة القائمة لدنيا في تكاليف إنشاء المساكن، كلما عنى ذلك نجاحا فعليا لسياسات وإجراءات وزارة الإسكان لأجل معالجة أزمة الإسكان، ويُفترض أن يلمس أفراد المجتمع هذا الانخفاض الجزئي في وزن تكلفة الأرض إلى إجمالي تكلفة المسكن، عبر انخفاض الأسعار السوقية للوحدات السكنية، وهو ما يجب تحققه بصورةٍ سنوية على أقل تقدير، فعلى سبيل المثال: إذا ما نجحت تلك السياسات في خفض تكلفة الأرض بنسبة 25 في المائة، فهذا يُترجم بانخفاض تكلفة إنشاء الوحدة السكنية بنحو 18.8 في المائة، هذا مع افتراض عدم تغير تكلفة مواد البناء والعمالة، التي يمكن عمل الكثير تجاهها عبر عددٍ من الإجراءات الكفيلة أيضا بخفض تكلفتها. ووفق هذا السيناريو ستشكل تكلفة الأرض من إجمالي تكلفة المسكن نحو 69 في المائة، وهكذا فكل انخفاض ملموس في تكلفة الأرض سيترجم فورا على إجمالي تكلفة المساكن، وفي المثال هنا إذا افترضنا تكلفة إنشاء فيلا سكنية بنحو 1.5 مليون ريال، فنسبة انخفاض تكلفة الأرض بنحو 25 في المائة، تعني انخفاض تكلفة الفيلا إلى 1.2 مليون ريال. أمّا في حال تحققت الأهداف خلال خمس سنواتٍ كتقدير، وإعادة نسبة تكلفة الأرض للاستقرار ضمن المعدلات العالمية (15 – 20 في المائة)، مع افتراض ثبات تكلفة البناء للتبسيط، فإنّ التكلفة المستهدفة هنا تقتضي حال انخفاض نسبة تكلفة الأرض إلى 20 في المائة إلى الإجمالي، أن تستقر عند نحو 469 ألف ريال فقط (أي بنسبة انخفاض لتكلفة المسكن تبلغ 68.7 في المائة، وانخفاض تكلفة الأرض بنسبة 91.7 في المائة).

هذا السيناريو هو المتسق مع أهداف الدولة لإعادة الأسعار إلى مستوياتها العادلة، وهو ما يجب مراقبته دوريا من قبل وزارة الإسكان وغيرها من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، وبناء عليه يُقرر استكمال العمل بالسياسات والإجراءات الراهنة من عدمه. فكلما انخفضت هذه النسبة كلما دل ذلك على أنّ الوزارة تسير في الاتجاه الصحيح، والعكس صحيح.

المؤشر الثاني: قياس نسب تملك المواطنين لمساكنهم، وينقسم إلى مؤشرين؛ الأول يتعلق بقياسه على مستوى البلاد، والثاني يبيّن قيمته على مستوى المناطق الإدارية الـ 13. فكلما ارتفع هذا المعدل بصورةٍ نصف سنوية أو سنوية، كلما دل على نجاح الأداء، والعكس صحيح. وللقارئ الكريم أن يتخيّل أهمية هذين المؤشرين في قياس ما يتم إنجازه على طريق مواجهة أزمة الإسكان، سواء لصانع القرار في وزارة الإسكان وبقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، أو بالنسبة للمواطنين.

المؤشر الثالث: قياس تكلفة الإيجارات السكني والتجاري، وضرورة ألا يتجاوز بالنسبة للسكني معدلات تفوق 25 في المائة من متوسط الدخل السنوي للأسرة السعودية، على أنّه في الوقت الراهن يستحوذ تقريبا على نصف الإنفاق السنوي للأسر المتوسطة الدخل وفقا لمسح إنفاق الأُسر الصادر عن مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات (2013)، والمفترض أن تأتي نتائج هذا المؤشر مترجمة لدرجة تقدّم المؤشرين السابقين (نسبة تكلفة الأرض إلى إجمالي تكلفة إنشاء المسكن، نسبة ملكية المواطنين لمساكنهم)، فكلما انخفضت نسبة استقطاع تكلفة الإيجارات من إنفاق الأُسر، كلما دلّ ذلك على تقدّم الإنجاز، والعكس صحيح.

لا مجال على الإطلاق لمعرفة درجة تقدّمنا في مواجهة الأزمة الإسكانية من عدمها، إلا تحت متابعة ومراقبة هذه المؤشرات، خلاف ذلك سنخضع لتخدير تصريحات خالية تماما من أية مؤشرات موضوعية وحيادية لقياس الأداء، والله أعلم ماذا سيكون عليه حال مواجهة هذه الأزمة المفتعلة من الأصل، مؤكدا في نهاية هذا المقال حقيقة أن أي مسارٍ لمواجهتها وحلّها لا يمر بضرورة خفض الأسعار المتضخمة جدا للأراضي (صلب وجوهر الأزمة)، فلا أقل من القول عنه أنّه مجرد إهدار للجهود والأموال والمقدرات. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/10/26/article_1001126.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.