مقاومة تجار التراب في الوقت بدل الضائع

لا شك أن أي محاولات أو جهود لمنع تراجع أسعار الأراضي، ومن ثم العقارات في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة، مصيرها معروف لدى من يقف وراء تلك المحاولات قبل غيرهم! دع عنك التأثير المرتقب لبدء العمل بقرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، رغم تهوين آثاره قياسا على الخطة الأولية المعلن عنها من وزارة الإسكان، وكونها ستبدأ التطبيق بآلية متدرجة، كل هذا يضاف إليه الحد الأقصى الذي وصلت إليه قدرة الأفراد لا من حيث الدخل السنوي، ولا من حيث القدرة على الاقتراض، يزيد من ضغوطها الثقيلة على الأسعار المتضخمة التي وصلت إليها الأراضي والعقارات، الإجراءات الاحترازية والمتحفظة للمصارف ومؤسسات التمويل، لنصل في الخلاصة إلى أن تراجع الأسعار في السوق العقارية أصبح أمرا لا مفر منه، مهما هرولت أقدام من لا يريد لها أن تنخفض.

ليس هنا الحديث؛ بل حول من يروج لمخاطر هذا الانهيار المرتقب في الأسعار المتضخمة للأصول العقارية، وتحديدا أسعار الأراضي وتوابعها من العقارات المختلفة الأخرى، وأنها قد تهدد استقرار الاقتصاد الوطني، وتحديدا القطاع المالي (التمويلي)، وهو هراء لا سند له من قريب أو بعيد، ولعله من المفيد التذكير هنا بالعودة لقراءة (تقرير الاستقرار المالي) الصادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي، والتعرف على ارتفاع درجة تحوط القطاع المصرفي السعودي تجاه مثل تلك المخاطر، وأن ما يروج له من ارتفاع نسبة الرهونات العقارية، وتحديدا الأراضي تكاد نسبها لا تذكر، وهو ما يحسب بامتياز لمؤسسة النقد العربي السعودي، التي نجحت ولا تزال في وضع القطاع المصرفي في أكثر المناطق الآمنة اقتصاديا وماليا، أهلتها لاحتلال مرتبة متقدمة جدا بين دول العشرين.

إن كان هناك مخاطر محتملة، فهو ما سيعقب الهرولة الراهنة لأجل توريط القطاع التمويلي في تحمل مزيد من التمويل العقاري، في الوقت الذي يشهد خلاله أوسع عمليات لإصلاح تشوهاته الواسعة والعميقة، بدءا من تفكيك حصونه الاحتكارية لمليارات الأمتار من الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، مرورا بتحجيم وتيرة المضاربات العقارية على ما هو متاح ومحدود من تلك الأراضي البيضاء، وانتهاء بحزمة القرارات والإجراءات الضخمة لأجل معالجة وحل أزمة الإسكان في البلاد. هنا يكون مكمن الخطر ولا سواه! أن تجد من يهرول بنا وبمقدرات الاقتصاد الوطني، لزيادة الارتباط بين سوقين أو قطاعين، الأول يتحلى بأعلى مستويات الرقابة والتنظيم والسيطرة (القطاع التمويلي)، والثاني يخضع لأكبر تشوهات واختلالات يتم العمل في الوقت الراهن على تخليصه منها (القطاع العقاري)، ولا شك على الإطلاق أن المتورطين في السوق العقارية لا يريدون الهبوط وحدهم في هذه الأثناء، بل تجدهم يكابدون غاية الكبد لأجل سحب أكبر قدر ممكن من ضحايا آخرين سواء كانوا مؤسسات تمويل ومصارف، أو أفراد مجتمع ظلوا أعواما طويلة يحلمون بتملك مساكنهم، غير أن تلك الفوضى في السوق العقارية أعيتهم أيما إعياء وإجهاد.

لهذا، في مقابل ما تقوم به الجهات القائمة على السياسات النقدية والمالية، وضرورة ألا تتشكل أي فقاعات سعرية في الأسواق الجزئية داخل الاقتصاد الوطني كسوق المال أو العقار أو غيرها، لعل أهم أداة يتم السيطرة عليها في هذا السياق هو إحكام منافذ التمويل والائتمان المحلي تجاه تلك الأسواق. لا شك أنه أمر مؤسف، أن يقابل كل تلك الجهود المخلصة اندفاع غير مدروس من بعض الجهات الحكومية، في مقدمتها وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، لفتح هذا الباب الأكثر خطورة على القطاع المالي تحديدا، والاقتصاد الوطني بصورة عامة، وكأننا نزيد من ضخ الوقود على نيران ألحقت بأذاها الأنشطة الاقتصادية كافة، وفي الوقت ذاته لنفتح أبواب الجحيم على القطاع المالي المستقر، عبر السماح بانكشافه التام على مخاطر التضخم الكبير لأسعار الأصول في السوق العقارية من أراض وعقارات. يحدث كل هذا في الوقت الذي بدأت خلاله مؤشرات سقوط الأسعار وتأكد انفجار فقاعتها بالظهور!

شتان بين أن تتراجع الأسعار المتضخمة جدا للأراضي والعقارات بعيدا عن القطاع المالي، وبين أن تتورط المؤسسات المالية في آثار انفجار تلك الفقاعة السعرية، ففي الحالة الأولى التي كما هو الواقع اليوم؛ يعد القطاع المالي في منأى شبه تام عن التأثر بآثار انهيار الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات، مقابل الحالة الثانية التي تريد أن تهرول بنا نحو توريط القطاع المالي بفتح خزائنه أمام أفراد المجتمع دون قيد أو شرط، لتمويل عمليات شراء واسعة لأصول عقارية هي في الأصل وصلت إلى ذروتها السعرية المتضخمة، وكأننا نستهدف التأسيس لأزمة اقتصادية ومالية لا تعادل أخطارها مستقبلا أي أخطار أخرى، نحن في غنى تام عنها مقارنة بعديد من الأزمات الاقتصادية التي نواجهها اليوم، وفي مقدمتها أزمة العقار والإسكان!

يجني الاقتصاد الوطني والمجتمع اليوم مكاسب عديدة، إلا أن أهمها من وجهة نظري هو الوعي الذي وصل إليه أفراد المجتمع، وارتفاع درجة تحوطهم تجاه التورط في شراء أراض وعقارات متضخمة الأثمان، والتورط قبل ذلك في تحمل مديونيات مصرفية طويلة الأجل، وثقيلة الوزن على حساب دخلهم السنوي. وهو أمر يجب التأكيد عليه دائما في خضم الرحلة الهابطة التي بدأت تشهدها السوق العقارية منذ مطلع العام الجاري (الربع الأول 2015)، ونراها اليوم تتسع كثيرا لمصلحة من انتظر وصبر لعدة أعوام، ومع بزوغ شمس الحلول وقرب بدء فرض الرسوم على الأراضي، وتحرك الدولة -أيدها الله- في العديد من الاتجاهات لأجل القضاء على هذه الأزمة التنموية، فلا شك أن المواطن هو أحق الأطراف بكسب منافع وثمار كل تلك الإصلاحات والجهود، وعلى النقيض منه؛ أن أحق من عليه تحمل ضريبة تراجع أسعار الأراضي والعقارات وتكلفة الإيجارات، هم أنفسهم من كانوا سببا مباشرا لكل ما حدث من ارتفاعات وتضخم في الأسعار بصورة غير مبررة!

لقد انتهى وقت المغامرة بالنسبة لتلك الأطراف سواء كانوا تجار التراب،  أو ملاك عقارات أو خلافه من السماسرة النشطين في السوق العقارية، كما أنهم جنوا وحدهم أرباحا هائلة من جراء تضخم الأسعار، فلا شك أنه من العدالة أيضا أن يجنوا وحدهم فاتورة انخفاض تلك الأسعار المتضخمة، في الوقت الذي من الواجب علينا جميعا حماية القطاع المالي، ومعه كل أفراد المجتمع من أية خسائر محتملة لتلك الانخفاضات التي بدأت تشهدها أسعار الأراضي والعقارات بحمد من الله. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/10/28/article_1001649.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.