إنه زمن الشباب

إنه القرار التنموي الذي انتُظرَ طويلا، صدر منتصف الأسبوع الماضي من مجلس الوزراء بإنشاء هيئة عامة مستقلة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، تتولى تنظيم ودعم أحد أهم القطاعات الاقتصادية، يؤمل بإذن الله تعالى أن يرتقي وجودها وبدء عملها قريبا، إلى المستوى الذي يلبي تطلعات وطموحات شريحة من المجتمع السعودي، تصل إلى نحو ثلاثة أرباعه ذكورا وإناثا، وهي الشريحة الفتية والشابة، التي يساند تطلعاتها المشروعة للمساهمة في التنمية الشاملة في بلادنا، الكثير من المؤهلات والخبرات لدى نسبة من تلك الشريحة، وأخرى تتسلح بطموح وأمل كبير تجاه مستقبلها، ولا ينقص كلتا الشريحتين سوى إتاحة الفرصة أمامهما، ودعمهما ورعايتهما تحت مظلة منظومة عمل مؤسساتية حيوية، وهو ما نتطلع جميعا إليه أن يتحقق بمشيئة الله تعالى مع تأسيس هذه الهيئة الناشئة.

بالنظر إلى حيثيات وأهداف وآليات القرار الصادر من مجلس الوزراء في هذا الخصوص، التي تضمنت:

(1) إنشاء هيئة عامة تسمى “الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة” ذات شخصية اعتبارية، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ويرأس مجلس إدارتها وزير التجارة والصناعة.

(2) تستهدف هذه الهيئة تنظيم قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة، ودعمه وتنميته ورعايته، وفقا لأفضل الممارسات العالمية، لرفع إنتاجية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وزيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد السعودي، بما يؤدي إلى توليد الوظائف وإيجاد فرص عمل للقوى العاملة الوطنية وتوطين التقنية.

(3) نقل نشاط رعاية المنشآت الصغيرة والناشئة من الجهات التالية: البنك السعودي للتسليف والادخار، وأمانة المجلس التنسيقي لقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة من البنك السعودي للتسليف والادخار، ونشاط المركز الوطني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في وزارة التجارة والصناعة، إلى الهيئة الجديدة الناشئة، في نقلة نوعية مهمة ستنتج عنها قدرة ومرونة وتركيز للجهود أكبر مما كانت عليه سابقا، تجاه قطاع بالغ الأهمية في هيكل الاقتصاد الوطني، المتمثل في نشاط تلك المؤسسات الصغيرة والناشئة.

(4) نقل نشاط تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة من البنك السعودي للتسليف والادخار إلى صندوق التنمية الصناعية السعودي، ويكون الأخير مختصا ببرامج تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو ضمان تمويلها.

(5) استمرار البنك السعودي للتسليف والادخار وغيره من الجهات الحكومية في مزاولة جميع نشاطاتها المتعلقة بالمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى حين اكتمال إنشاء الهيئة ومزاولتها لمهماتها.

بالنظر إلى التحديات والمعوقات السابقة طوال العقدين الماضيين على وجه التحديد، التي واجهتها تلك المنشآت الصغيرة والناشئة، بدءا من الصعوبة البالغة في الحصول على التمويل اللازم “لم يتجاوز نسبة 1.0 في المائة من إجمالي الائتمان البنكي”، مرورا بعجزها عن تلبية متطلبات تأسيس وإنشاء الأعمال، إضافة إلى عجزها عن الوفاء بمتطلبات العديد من القرارات والإجراءات التنظيمية الحكومية، عدا عجزها عن منافسة غيرها من المنشآت الكبرى في مختلف النشاطات، وعدم قدرتها على المنافسة للقدرة الشرسة للعمالة الوافدة المسيطرة على نشاطات اقتصادية عديدة، وتحديدا في نشاط تجارة الجملة والتجزئة. كل تلك العوامل أو التحديات والمعوقات بمعنى أدق، أسهمت منفردة أو مجتمعة في إخفاء شمس أغلب المنشآت الصغيرة والناشئة لحظة ولادتها، في الوقت الذي غاب عنها الدعم والرعاية اللازمة.

كل هذا أفقد الاقتصاد الوطني حظوظا هائلة على طريق زيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وحرمه زيادة قدرته على إيجاد الآلاف من الفرص الوظيفية، قابله زيادة مفرطة في سيطرة العمالة الوافدة على تلك الأنشطة، ما أبقاها بعيدة المنال على المستويات كافة عن تحقيق الفائدة والنمو الاقتصادي والتنمية الشاملة والمستدامة.

اليوم، كل ما تقدم يؤمل أن يصبح في ذاكرة التاريخ تحت مظلة هذه الهيئة الجديدة، فكل ما ذكر من تلك المعوقات والتحديات الجسيمة، يُعد القضاء عليها والحد منها أحد أهم أدوار الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى آخر بقية أدوارها الحيوية والتنموية.

كل هذا يعني زيادة أكبر في سلم تمكين الشباب “ذكورا وإناثا”، وقد لا يتصور الكثير منا ما الفوائد العظيمة التي ستجنيها بلادنا واقتصادها ومجتمعها في مواقع أكثر تقدما على هذا الطريق مستقبلا، إلا أن استحضار تجارب مماثلة حدثت في منتصف السبعينيات الميلادية، وما أفضت إليه من نتائج مذهلة، تتمثل في الوقت الراهن بكبرى المنشآت في القطاع الخاص اليوم، التي أثبتت التجربة التنموية طوال العقود الأربعة الماضية، أن التوقف عن دعم إيجاد منشآت جديدة بالوتيرة نفسها، كان خطأ مكلفا على حساب الاقتصاد الوطني، نواجه في الوقت الراهن الكثير من آثاره غير الإيجابية، ولكن أن تستدرك الأمور قبل فوات الفرص، وأن تعمل على تعديل الأخطاء، وأن تبادر بإصلاح أي اختلالات قد تحدث، فلا شك أنه أمرٌ محمود جدا، وخطوة إن حدثت فهي خير مليون مرة من عدم المبادرة بتنفيذها.

دون مبالغة؛ سيكتشف الجيل الشاب ومن سيأتي بعده أن قرار إنشاء الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، أحد أهم القرارات الهيكلية مستقبلا، وأن الفرص الواعدة التي ستتشكل تحت مظلتها الطموحة، تُسجل ضمن أهم الفرص المتاحة في الوقت الراهن أمام شريحة الشباب السعوديين ذكورا وإناثا، والحديث هنا موجه تحديدا إلى من يمتلك الطموح والحلم، وتتوافر لديه المتطلبات اللازمة لتأسيس مشروعات أحلامه، وهي الفرص التي قد يكون حرم منها أجيالا قبلهم، كانوا يتمنون على أقل تقدير 10.0 في المائة من هذا الدعم المستجد!

لقد أصبح الطريق أمام شريحة الشباب مفتوحا أكثر مما سبق، فالكرة الآن في مرماهم، فليبادروا دون أدنى تأخير إلى انتهازها، ليوجد أولئك الشباب كيانات تكفل لهم كرامة الحياة، وليساهموا بدورهم في إيجاد فرص عمل كريمة ومناسبة لبقية الأفراد من جيلهم، ليصنع الجميع واقعا ومستقبلا حافلا بالنجاح والإنجاز والتطور، وشبابنا أهل لتحقيق وإنجاز كل تلك الطموحات والأحلام دون أدنى شك، بل إنهم سيكونون أهلا لتحقيق ما عجز أسلافهم عن تحقيقه بمشيئة الله، وتحقيق ما قد يفوق تصورات المرحلة الراهنة، فلا تفوتوا يا شباب بلادي، ذكورا كنتم أم إناثا، هذه الفرص الواعدة، وتذكروا دائما أن هذا الزمن زمنكم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/10/31/article_1002477.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.