مجلس الشورى أمام أكبر امتحان تنموي

سينظر اليوم مجلس الشورى في نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، ويبحث آليات تطبيقه، ومن ثم سيخرج بتوصياته حولها. إنها المرحلة التاريخية الأكثر أهمية في تاريخ المجلس، اجتمعت فيها: (1) الأهمية القصوى للملف التنموي الأكثر تعقيدا وتحديا ممثلا في أزمة الإسكان. (2) الأهمية القصوى لما سيصدر عن أعضاء المجلس من توصيات تجاه هذا الملف، والتي ستكون الأكثر أهمية في تاريخه، ستمتد آثارها الواسعة مرحليا على مستوى الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وستؤثر أيضا في مستقبلهما لعقود وأجيال قادمة.

إن على أعضاء مجلس الشورى وهم ينظرون في آليات نظام الرسوم على الأراضي، استحضار الأسئلة الثلاثة التالية البالغة الأهمية، التي ستتيح الإجابة الدقيقة عنها لهم رؤية شاملة وعميقة جدا، يؤمل أن تمكنهم من اتخاذ التوصيات الصحيحة التي تحقق الأهداف الرئيسة من مشروع قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، وهي الأسئلة التالية؛ السؤال الأول: لماذا اتخذ قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء؟ السؤال الثاني: ما الشروط اللازمة لإنجاح القرار، والوصول به إلى أهدافه الرئيسة؟ السؤال الثالث: ما احتمالات فشل قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، وما خيارات التعامل مع آثاره إذا حدث؟

أبدأ بإجابة السؤال الأول: لماذا اتخذ قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء؟ فنجيب عنه بحقائق رقمية لا إنشائية، مصدرها البيانات الرسمية الصادرة عن كل من وزارة العدل وأمانات المدن الرئيسة؛ التي أوضحت في جانب بيانات وزارة العدل من خلال التوزيع النسبي لإجمالي قيمة الصفقات العقارية للسوق على مستوى المملكة خلال 2014 البالغ نحو 449.7 مليار ريال، استحواذ الصفقات العقارية التي تمت على شراء وبيع الأراضي فقط على 421.3 مليار ريال (أي 93.7 في المائة من إجمالي قيمة صفقات السوق)، فيما لم تتجاوز قيمة الصفقات العقارية على الوحدات السكنية (بيوت، شقق، عمائر، فلل) سقف 21.3 مليار ريال فقط (أي ما لا يتجاوز 4.7 في المائة من إجمالي صفقات السوق).

فيما أوضحت البيانات الرسمية لأمانات المدن الرئيسة في المملكة، أن نحو 51.0 في المائة من مساحات التطوير الحضري لتلك المدن ليس إلا أراض بيضاء داخل نطاقاتها، وبمقارنة مساحات صفقات الأراضي المتداولة خلال 2014 على مستوى المملكة (بغض النظر عن عامل تكرار شراء وبيع الأرض لأكثر من مرة)، نجد أن إجمالي المساحات المتداولة من تلك الأراضي طوال أيام العام كاملة لم يتجاوز نسبة 10.0 في المائة من إجمالي تلك المساحات للأراضي البيضاء! بمعنى أن تلك القيمة الهائلة للصفقات على الأراضي البالغ مجموعها 421.3 مليار ريال، قد تم فقط على هذه المساحة المحدودة التي لا تتجاوز نسبتها 10.0 في المائة من إجمالي مساحة الأراضي البيضاء داخل المدن! أو بمعنى آخر؛ أن تلك الصفقات الهائلة المبالغ تمت فقط على ما لا يتجاوز نسبته 5.1 في المائة من إجمالي مساحات التطوير الحضري للمدن والمحافظات!

فماذا عن النسبة المتبقية البالغة 90.0 في المائة من إجمالي الأراضي البيضاء داخل المدن؟ إنها الأراضي ذات المساحات الشاسعة التي بقيت خارج دائرة أي صفقات للبيع أو الشراء، أشبه بالحصون المنيعة الخاملة تحت يد الاحتكار، يتمتع ملاكها بارتفاع أثمانها نتيجة كل ما تقدم من تطورات وحقائق، ودون أن يحرك أو يطور أو يبني أحد من ملاكها مترا واحدا فيها! نتج عنها الكثير من الآثار السلبية في الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، كان منها تسرب غلاء الأسعار إلى كافة نشاطات الاقتصاد الوطني، بدءا من أثمان العقارات مرورا بإيجاراتها وانتهاء بارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج والتشغيل، كل هذا جرى أمام شلل شبه تام لأي سياسات اقتصادية أو مالية أو نقدية يمكنها أن تحد من هذه الدوامة العقارية البالغة الخطورة.

أليس هذا سببا كافيا يبين مدى الخطورة التي نشأت عن احتكار الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات، والمضاربة على مساحة محدودة منها، إضافة إلى كشف الكثير من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي أدت إليها كما نشهده في الوقت الراهن؟

أنتقل الآن إلى الإجابة عن السؤال الثاني: ما الشروط اللازمة لإنجاح القرار، والوصول به إلى أهدافه الرئيسة؟ فيجيب عنه بصورة أكبر التشخيص الدقيق المبين في الإجابة عن السؤال السابق، لنصل جميعا إلى ضرورة اتسام آليات قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء بستة اشتراطات لازمة وحازمة، هي كالآتي: الشرط الأول: أن تأتي شاملة لجميع المناطق الإدارية الثلاث عشرة، بما فيها المحافظات. الشرط الثاني: أن تأتي شاملة لجميع الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات والمراكز، بغض النظر عن توافر الخدمات من عدمه أو بقية الاعتبارات التي صرحت بها وزارة الإسكان، كون تلك الاعتبارات لا تنطبق على أغلب تلك الأراضي، التي رغم افتقارها شبه التام إليها، لم يمنع من التضخم الهائل في أسعارها السوقية بالصورة الخطيرة التي وصلت إليها اليوم.

الشرط الثالث: أن يتم البدء بتطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء وفق الشرطين السابقين للمساحات 5.0 آلاف متر مربع فأكثر (أو 10 آلاف متر مربع فأكثر)، ودون النظر إلى كونها سكنية أو تجارية. الشرط الرابع: أن يتم احتساب الرسوم حسب ملكية الأفراد للأراضي كمجموع، خاصة داخل المدينة الواحدة، فقد تجد أحدهم يمتلك عشرات أو مئات القطع من الأراضي بمساحات أدنى من 5.0 آلاف متر مربع، إلا أن مجموعها الإجمالي يفوق عشرات أو مئات الآلاف من الأمتار. الشرط الخامس: أن يتم الأخذ في الاعتبار عامل القيمة السوقية للأراضي حال تحديد الرسوم عليها، وليس أفضل في هذا الجانب من احتسابها كنسبة مئوية من إجمالي القيمة السوقية وفقا لأحدث تثمين أو تقييم لها، كنسبة 3.0 في المائة أو أعلى على سبيل المثال. الشرط السادس: أن يرتبط تاريخ تحصيل الرسوم بموعد سنوي ثابت كنهاية العام المالي، يتم تحصيله من المالك الأخير بغض النظر عن عدد عمليات البيع والشراء طوال العام المالي السابق لموعد استحقاق دفع الرسوم على الأرض.

الآن السؤال الثالث والأخير: ما احتمالات فشل قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، وما خيارات التعامل مع آثاره إذا حدث؟ وإجابته باختصارٍ شديد جدا، أن آليات الرسوم على الأراضي إن جاءت على ما تم تداوله أخيرا، من تطبيق انتقائي لبعض المدن الرئيسة، وإثقاله بخطوات تطبيق زمنية بطيئة، وتعطيله بالكثير من الإجراءات والقيود، بما هو باختصار بعيد عن التشخيص الدقيق لكل ما تقدم إيضاحه، والحالة التي تقف عليها الأراضي البيضاء كمعطل للاقتصاد وتنمية المجتمع، فلا أقل من أن مآلها إلى الفشل، بل إنه قد يتسبب في حدوث عكس ما استهدفه قرار فرض الرسوم في الأصل! أما كيف سيتم التعامل مع مخاطر تلك الآثار؟ فلا أحد يملك الإجابة عنه في الوقت الراهن، سوى أن المسؤولية بالكامل، ستقع على كل من وزارة الإسكان ومجلس الشورى، ولا يعلم هل سيكون في مقدرتهما التعامل معها أم لا؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/02/article_1002924.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.