لـ “الشورى”.. إنه المأمول بالضبط

كم كان مثلجا لصدور أغلب المواطنين، ما نشرته صحيفة “الاقتصادية” في عددها أمس الثلاثاء، حول الموقف الحازم والصريح تجاه مشروع فرض الرسوم على الأراضي البيضاء داخل المدن والمحافظات والمراكز. لقد كان أعضاء المجلس الذين اتخذوا ما أوردته الصحيفة من ردود وتعليقات وملاحظات على المشروع؛ عن جدارة واستحقاق، عند مستوى المسؤولية الوطنية الثقيلة الوزن، وهم يتصدون لأحد أهم الأنظمة التي تنتظرها البلاد ويترقبها العباد، إن لم يكن النظام الأهم في المرحلة الراهنة من تاريخ التنمية المستدامة والشاملة للاقتصاد الوطني.

إنه بالضبط ما كان مأمولا من أعضاء المجلس، وتحديدا الذين حسب ما نقلته صحيفة “الاقتصادية”، بتشديدهم على أهمية ألا يكون هناك استثناءات في الدولة في دفع رسوم الأراضي، وأن يكون النظام صارما وحازما وفعالا لجميع فئات المجتمع. وتقديمهم التوصيات والمرئيات الكفيلة بإصدار نظام يحفظ حقوق المواطنين، ويهدف إلى توفير المساكن بأسعار مناسبة لهم، التي جاءت من بينها فرض الرسوم على جميع أحجام ومساحات الأراضي دون تحديد المساحة داخل النطاق العمراني. إضافة إلى التحذير والتنبه الشديد إلى أن تحديد المساحة سيسهم دون أدنى شك في حدوث التلاعب والاحتيال والتهرب ورفع الأسعار، من خلال تقسيم الأرض على المساحات التي لا يشملها دفع رسوم الأراضي البيضاء وفق الصيغة المقترحة، الذي بدوره سيسهم في زيادة حرمان المواطنين من شراء مساكن لهم، ويفاقم بدرجة بالغة الخطورة من أزمة الإسكان غير المبررة على الإطلاق، ما دفع أعضاء المجلس إلى المطالبة بأن تتحدد الرسوم على جميع المساحات، وأن تكون على أساس نسبة مئوية تأخذ في عين الاعتبار القيمة السوقية للأرض، على عكس ما اقترحته مسودة النظام المعدة المحددة كرقم مقطوع. والانتباه إلى أحد أهم أدوات منع الاحتيال والالتفاف على تطبيق نظام الرسوم، بأن تفرض الرسوم بناء على قيمة الأرض الواحدة، لا حسب مساحة مجموع الأراضي المملوكة لصاحب العقار، وهو المبدأ المتفق مع أن تفرض الرسوم حسب الملكية.

إعلانهكذا تكون الرؤية الصائبة، التي تستهدف تحقيق الهدف الرئيس من إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء، وعدا ذلك فلا شك أننا قد نتسبب جميعا في إلحاق مزيد من الأضرار بمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

وتأييدا لكل ما تفضل به أعضاء مجلس الشورى- وفقهم الله- ينبغي اتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر من مزاعم وأكاذيب لا أساس لها من الصحة، تدعي دون أية إثباتات رسمية أن الانخفاض في أسعار الأراضي ومن ثم العقارات وتكلفة الإيجارات، سيكون له آثار سلبية على الاستقرار الاقتصادي، ويهدد استقرار قطاع التمويل، وهي الادعاءات المفلسة من أية إثباتات تؤكد على أقل تقدير صحتها ولو بنسبة واحد في الألف! ذلك أن الخبر اليقين سيجده أعضاء مجلس الشورى والعموم مثبتا بصورة رسمية وموثقة في (تقرير الاستقرار المالي 2015)، الذي أصدرته مؤسسة النقد العربي السعودي، ويجده الجميع منشورا على الموقع الإلكتروني للمؤسسة، مبينا ارتفاع درجة الاحترازات لدى قطاع التمويل، وتثبت بالبيانات الرسمية للقطاع أن نسبة ووزن الرهونات كأراض في مجمل الرهونات لا يذكران، والمطلوب أمام هذه الحقائق الرسمية الدامغة لكل ما يخالفها، أن يثبت كل من أعد تقارير أو دراسات في هذا الخصوص، تزعم عكس ما أورده تقرير الاستقرار المالي للمملكة، أؤكد أن عليه تقديم إثبات ما يزعمه من قول مخالف تماما للحقيقة، وأن على أولئك الأطراف الحذر من التورط في كتابة أو قول ما يمكن وصفه بالتضليل المتعمد، خاصة أنه يتعلق بمقدرات الاقتصاد الوطني.

لا شك أنه لا مقارنة على الإطلاق بين المصلحة العامة التي سيترتب عليها زيادة فعالية الرسوم على الأراضي، وبين نقيضها على حساب فئة قليلة جدا استفادت وحدها دون غيرها من ارتفاع وتضخم أسعار الأراضي والعقارات، بل لم تقف تلك الاستفادة الضيقة عند هذا الحد، إذ تجاوزتها بأشواط بعيدة إلى إلحاق الكثير جدا من الأضرار بمصالح ومقدرات الاقتصاد الوطني وعموما أفراد المجتمع وحتى تنافسية منشآت القطاع الخاص! إن الانخفاض المأمول والمرتقب على الأسعار المتضخمة للأراضي، إذا تم النظر بعمق إلى متوالية ارتفاعه طوال العقد الزمني الأخير، ستجد أنها مجرد أراض تم امتلاكها في فترة زمنية بعيدة بأسعار زهيدة جدا “وبعضها دون ثمن”، وتحت وطأة تشوهات السوق العقارية المحلية من سيطرة للاحتكار وزيادة للمضاربات؛ ظلت تقفز أسعارها عاما بعد عام إلى عشرة أضعاف تكلفتها أو أعلى، حدث كل ذلك دون أن يطور ملاكها مترا واحدا منها، ودون أن يتحمل ريالا واحدا عليها، فهي باختصار شديد كانت تعادل ثمنا زهيدا في فترة زمنية ماضية، واليوم تستفيد من زيادة احتياجات أفراد المجتمع وطلبهم الملح عليها بغرض السكن، زائدا استفادتها من ضخ الدولة لمئات المليارات من الريالات على البنى التحتية طوال تلك الفترة، تُرجمت كلتاهما “زيادة احتياجات المجتمع، إنفاق الدولة” وأكثر من ذلك كله كزيادة غير مبررة على الإطلاق على الأسعار!

حينما تعود تلك الأسعار المتضخمة إلى مستوياتها العادلة، سواء بقرار الرسوم على الأراضي، أو بغيرها من الإجراءات والسياسات الحكومية الهادفة لإصلاح هذه التشوهات الخطيرة، فلا ضرر ولا ضرار هنا أو هناك! بل إنه عين الاستقامة والعدالة والاستقرار بأشكالها كافة، وهو غاية تحقيق أهداف التنمية المستدامة والشاملة، التي في تحققها كل الخير والنماء والتطور والنهضة لبلاد والعباد بمشيئة الله تعالى. فلا خوف ولا خسارة على الإطلاق في أن يعود سعر متر الأرض من أربعة آلاف ريال على سبيل المثال إلى ما دون 400 ريال للمتر المربع، علما أن أغلب ملاك تلك الأراضي قد تجد تكلفة امتلاك تلك الأرض إن كان قد تحمل شيئا منها، فقد لا تجده يتجاوز عشر القيمة التي انخفض إليها، وهذا أنه ما زال في منطقة رابحة، إلا أنها منطقة لا تلحق أضرارا بالاقتصاد والمجتمع، وآخرون قد لا تنطبق عليهم هذه النظرة، فهم في الأصل مجرد مضاربين على الأراضي بتدوير الأموال، وانخفاض الأسعار عليهم أمر مماثل تماما لاحتمال ارتفاعها سابقا لصالحهم، فهذه بتلك وقد لا يمثل كل ذلك الانخفاض سوى تقليصا لهوامش أرباحهم الفاحشة من المضاربات وتدوير الأموال.

ختاما؛ أؤكد لأعضاء مجلس الشورى أن موقفهم الوطني المسؤول تجاه هذا المشروع، سيكون له إيجابيات لا يمكن قياسها بأرقام اليوم تجاه حاضر ومستقبل بلادنا وأهلها، وأنهم بهذه المواقف سيقدمون أكبر خدمة وطنية تسجل بمداد من الذهب في تاريخنا الطويل -بإذن الله-. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/11/04/article_1003544.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.