أزمة العقار والإسكان.. الأسباب المنجزات والحلول (1 – 3)

وفاء بما كتبته في نهاية المقال الأخير “هل أزمة العقار والإسكان أخطر من تقديراتنا؟” بتلخيص أهم الحلول والتوصيات اللازمة للخروج من الأزمة العقارية والإسكانية الواقعين في وحلها لأعوام طويلة، وإعادة ترتيب أوراقها بما يخدم صانع القرار، أستعرض في ثلاثة مقالات متتالية طوال الأسبوع الجاري محاور هذا الملف، مبتدئا من بلورة أهم وأكبر الأسباب التي أفضت إلى تشكل الأزمة، كونها المقدمات الرئيسة للحل، فلا يمكن تحديد أو اقتراح أية حلول لأي أزمة مهما كانت دون معرفة الأسباب التي أدت إليها، ومعلوم أنه بمجرد تشخيص الأسباب؛ أن أول خطوة للعلاج والإصلاح هي القضاء على تلك الأسباب، والعمل من ثم على معالجتها فورا، ومن ثم استكمال اقتراح وتطبيق بقية الحلول اللازمة للخروج من وحل الأزمة.

ثم أستعرض في الجزء الثاني المنجزات التي تمت على أرض الواقع، وهي إنجازات تستحق الذكر والإشادة، والأهم من كل ذلك المحافظة عليها ودعمها بكل الأدوات والسياسات المتاحة، وأن تأتي أي مقترحات تالية للحلول منسجمة معها لا ضدها، وهو العمل المنشود تحت مظلة تكامل الجهود من قبل الأجهزة الحكومية كافة. وأخيرا؛ أتطرق في الجزء الأخير من هذه المقالات المخصصة لمقترحات حلول الخروج من الأزمة العقارية والإسكانية، التي يعتقد الكاتب أن تطبيقها سيضاف إلى المنجزات التي تم تحقيقها حتى تاريخه، وفي الوقت ذاته ستدعم جهود الدولة لبلوغ الأهداف التنموية المشروعة، بتسهيل تملك المواطنين والمواطنات مساكنهم خارج دائرة الأزمة الراهنة، بمشيئة الله تعالى.

بداية؛ أظهرت نتائج البحث الطويلة من قبل عديد من المؤسسات والمختصين في أسباب حدوث الأزمة العقارية والإسكانية كما واسعا من الأسباب، إلا أن أغلبها اتفق على عدد منها اعتبرت الأسباب الرئيسة التي تقف وراء اشتعال فتيلها وتفاقم أخطارها حتى تاريخه، يمكن تلخيص تلك الأسباب الرئيسة في أربعة أسباب كبرى يمكن القول إن بقية الأسباب الأخرى لو بحثت في منشئها، فإنك ستجدها مشتقة من تلك الأسباب الأربعة الرئيسة، فما هذه الأسباب أو العوامل التي أفضت إلى تشكل الأزمة العقارية والإسكانية؟

السبب الأول: بدأ تشكل الأزمة العقارية والإسكانية من منح الأراضي بمساحات شاسعة جدا لأفراد محدودين، تحولت معه أغلب مسطحات الأراضي الأكبر إلى غلة مكتنزة في أيادي قلة من السكان، وظل جزء كبير من تلك الأراضي الشاسعة مملوكا كأراض خام لم يتم تطويرها أو إحيائها، فيما انتقلت ملكية جزء آخر منها إلى فئة أخرى كما سيأتي في إيضاح العامل الثاني.

السبب الثاني: انتقل جزء من ملكية تلك الأراضي الشاسعة إلى كبار تجار التراب المقتدرين ماديا، بأثمان بخسة مقارنة بأسعارها السوقية، واحتفظوا بدورهم بالجزء الأكبر من تلك الأراضي الخام كمخزنات طويلة الأجل للثروة، دون أية أعباء مالية تذكر “الأرض لا تأكل ولا تشرب”. وفي جانب آخر، تم تطوير جزء محدود من تلك الأراضي البيضاء الشاسعة المساحات، وضخه بحصص محدودة جدا ومقننة من خلال حقول المساهمات العقارية، التي تلقفتها السيولة النقدية المتنامية الباحثة عن فرص استثمارية لدى الدرجة الثالثة من تجار التراب والعقار، وفق آليات استهدفت المحافظة على النمو المستمر للأسعار، والاستفادة القصوى من اختلال قوى العرض والطلب في السوق العقارية، بما يخدم تنامي قيمة الثروات المخزنة في تلك الأراضي الجرداء، وعلى حساب تلبية احتياجات البلاد والعباد من إعمار واستصلاح تلك الأراضي.

السبب الثالث: قام تجار التراب والعقار من الدرجة الثالثة وما دونها من درجات، الذين تبدأ مشترياتهم العقارية من المساهمات والمزادات العقارية على هيئة ما يسمى البلوكات “أكثر من قطعة أرض”، بتكرار أخطاء كبار الملاك نفسها “أصحاب المنح، المشترين الكبار لتلك المنح”، ليكتنزوا بدورهم ما توافر بأيدهم من مساحات مجزأة للأراضي لا يقارن حجمها ولا مساحتها بما لدى من سبقهم، وقيامهم من ثم بانتظار تنامي قيمتها السوقية مستقبلا، ولك أن تتخيل سعر المتر المربع للأرض إلى أي مستوى سعري سيصل إليه في ظل هذه الظروف البالغة التشوه من (1) تشحيح للأراضي وفق ما تقدم ذكره. (2) تقلص فرص الاستثمار البديلة. (3) ارتفاع حجم السيولة النقدية في الاقتصاد. (4) تنامي احتياجات المجتمع من الإسكان. إنها ولا شك موعودة يتضخم هائل، ليس أدل عليه أكثر مما نشهده كواقع حقيقي في المرحلة الراهنة من بلوغه أعلى مستويات التضخم السعري، وتجاوزه كل حدود قدرات دخل الأفراد بما يصل بمضاعفاته السنوية إلى أعلى المعدلات العالمية “وصل مضاعف أسعار المساكن إلى متوسط الدخل السنوي للفرد في السعودية بنهاية 2014 إلى مستويات قياسية راوحت بين 25 و30 عاما”.

السبب الرابع: تزامن مع انخفاض منح الأراضي طوال العقد الماضي، وارتفاع أسعارها السوقية من جانب آخر نتيجة تشحيح المعروض منها، زيادة غير مسبوقة في ارتكاب جرائم تزوير الصكوك وحجج الاستحكام، الذي فاقم بدوره من تشحيح الأراضي وزيادة الطلب من قبل أصحاب الثروات الباحثة عن فرص للاستثمار، زاد من إغرائها بالنسبة إليهم ما يشاهدونه من تنام هائل لقيم الثروات المخزنة والمستثمرة في السوق العقارية “أراض وعقارات”، وهو ما أكدته الجهود الخيرة التي قامت بها ولا تزال وزارة العدل، من خلال استعادتها لتلك المساحات الشاسعة من الأراضي، ومن ثم إلغاء صكوكها المزورة، وصلت مساحاتها الإجمالية حتى نهاية 2014 إلى نحو 2.0 مليار متر مربع، ووفقا لتصريحات مسؤولي الوزارة، فإن العمل جار خلال المرحلة الراهنة على استكمال استرداد بقية الأراضي المنهوبة، المقدرة مساحاتها بمساحات الأراضي نفسها، التي تم استردادها حتى تاريخه، أي أن تلك الأراضي يقدر أن يصل إجمالي مساحاتها في منظور العامين المقبلين إلى نحو 4.0 مليارات متر مربع أو أكثر بقليل. هذا بدوره زاد دون أدنى شك في زيادة ارتفاع الأسعار وتضخمها إلى مستويات غير مسبوقة، وبالطبع فإنه تضخم سعري لا يوجد ما يسنده كمبررات اقتصادية مقبولة، إلا أنها نتيجة واقعية لكل ما تقدم من تشوهات وفوضى اعترت تعاملات السوق العقارية محليا، وقد حان وقت إصلاح أسبابها التي أفضت إليها كما بدأته الدولة من خلال أجهزتها العديدة، ووفقا لما سيأتي ذكره من منجزات تمت على أرض الواقع. وهو ما سيأتي تفصيله في المقال القادم بمشيئة الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/20/article_967060.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.