هل أزمة العقار والإسكان أخطر من تقديراتنا؟

في البداية الإجابة “نعم”. يظن البعض أن مخاطر الأزمة العقارية والإسكانية تقف عند مجرد سعر ارتفع، واستعصى حتى تاريخه على الانخفاض، ويظن آخرون أو يروجون بمعنى أدق أن أي انخفاض في أسعار الأراضي والعقارات سيهدد الاستقرار الاقتصادي، ويهدد صناعة العقاريين! وتتعدد الظنون والأقاويل حول هذا الملف الشائك، إلا أن أغلب الآراء المسيطرة حتى تاريخه هي تلك التي تدفع باشتعال مزيد من أوجه الأزمة، واضطرام أخطارها لا على العكس، وما نشهده في الوقت الراهن من اندفاع كل من وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية نحو تلك الأخطار، تأكيد على هذه الحقائق المؤسفة.

تبين في التقرير الأسبوعي “مؤشر الاقتصادية العقاري” المنشور بالأمس في صحيفة “الاقتصادية”، أن ما كان يروج له من مخاطر تهدد الطرف الأدنى قوة في السوق العقارية “المطورين العقاريين”، لم يكن سوى ذرا للرماد في الأعين، وإن أية تدخلات حكومية لإصلاح تشوهات السوق العقارية قد تتسبب في إلحاق الخسائر بهم، وأنهم كما كان يروج له طوال عدة أعوام؛ يواجهون بيروقراطية الأجهزة الحكومية وعدم وجود مظلة نظامية محددة تحمي مصالحهم، وكيف يعانون تأخر صدور الموافقات الرسمية على تطوير مخططاتهم، إلى آخر الأسباب التي تمتد قوائم أعذارها الواهية إلى ما لا نهاية، كل هذا انكشف زيفه تماما بعد تأكيد البيانات الرسمية المقارنة أن هوامش أرباح تلك الأطراف الأدنى قوة كما كان يروج له لأعوام مضت، قد فاقت رؤوس الأموال المدفوعة في مشروعات المطورين العقاريين!

لقد كشفت البيانات للفترة 2009 – 2014 ارتفاع هوامش أرباح تلك الشركات والمؤسسات في نشاط التطوير العقاري إلى نحو 110 في المائة! تحققت هذه الهوامش الربحية الهائلة على الرغم من كل ما تم الترويج له من أعذار واهية ومفتعلة. ولعل هذا يقودنا إلى طرح الأسئلة التالية التي كانت غائبة عن الأذهان طوال تلك الأعوام: ما الذي دفع بتلك الشركات والمؤسسات إلى التكاثر والتوسع في أعمالها سابقا طالما أنها تواجه هذه التحديات الجسيمة التي كان يروج لها؟ ولماذا شهدنا تأسيس المزيد من شركات التطوير العقاري فيما يشبه الشبكة المعقدة من أسماء أبناء العائلات العقارية، رغم هذه الظروف المعقدة على حد تعبير ملاك تلك الشركات؟ ولماذا تتصدر اعتراضات ملاك تلك الشركات الواجهة كلما قامت الدولة بالإعلان عن أي أنظمة أو إجراءات تستهدف تنظيم السوق العقارية؟ أترك الإجابة للقارئ الحصيف!

لقد وصلت الأزمة العقارية والإسكانية في بلادنا إلى ما وراء حدود الخطر الاقتصادي، فإذا كان أرباب تجارة التراب والمضاربة عليها قد فاقت هوامش أرباحهم عشرات المرات، والمطورون العقاريون من خلفهم تبدأ هوامش أرباحهم من ضعف رؤوس أموالهم، وكل هذا يحدث خلال فترات زمنية قصيرة، فإن كل هذا يعني أن هناك طرفا آخر يتجرع دفع ثمن تلك الهوامش الربحية الفلكية! فمن يا ترى سيكون هذا الطرف المتحمل لثمن هذه الفاتورة الضخمة التكاليف إن لم يكن المواطن والمجتمع؟!

إنها الفاتورة التنموية الخطيرة التي سيدفع ثمنها المواطن من كامل دخله المحدود، زائدا تحمله ديونا مصرفية هائلة طوال حياته، بل إن عليه أن يورث حملها الثقيل من بعده من أبنائه وبناته إلى آخر ريال من فاتورة ديونها الهائلة. قد تقرأ الرواية هنا بلغة الأرقام فقط، إلا أن الفاحص والمدقق في تلك العلاقة الرقمية بين ثلة من تجار  والعقارات من طرف أول، ومجتمع بأكمله من طرف آخر، سيجد أن ما تحمله تلك العلاقة الرقمية في رحمها من المخاطر المهددة للاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي والأمني ما تشيب له الرؤوس!

نعم؛ أزمة ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات توجد في أغلب إن لم يكن كل بلدان العالم، إلا أنها كما سبق وتم إثباته في أكثر من مقال وتقرير مستند إلى إحصاءات رسمية ودولية، لم ولن تصل إلى الحدود كما في بلادنا!

فسقف الدخل الشهري محدود بالنسبة للمواطن وعلى الرغم من دعمه من قبل الدولة، ورغم زياداته الأخيرة، ورغم حرص قادة بلادنا على ضمان هذا الدخل أن يوفي بمتطلبات المعيشة، إلا أنها ظلت تتطاير كالرماد في سماء استعار أسعار الأراضي والعقارات. إلى هذه الدرجة المعقدة وصلت بنا حالة الشلل وعدم القدرة على تجاوز هذه الأزمة المفتعلة من رأسها إلى أخمص قدميها؟ ولماذا تجمدت أو استعصت على سياساتنا الاقتصادية في بلد هو ضمن أكبر عشرين اقتصادا حول العالم؟

لقد شهدت الأعوام الأربعة الماضية فيضا هائلا من النقاش والحوار من كل الأطراف، وتم طرح الكثير من الحلول الهادفة إلى حل هذه الأزمة التنموية المعقدة، وعلى الرغم من التضارب في تلك الحلول نتيجة تضارب مصالح من وضعها، إلا أننا شهدنا ترجمة لبعضها على أرض الواقع، وبعضها لم يكتمل حضورها النافذ والفاعل على أرض الواقع كقرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وعلى أنه القرار الذي ينتظر نحو 21 مليون مواطن ومواطنة صدور آلياته اليوم قبل الغد، إلا أنه لن يكون كافيا للخروج من وحل هذه الأزمة، لما تتمتع به القوى النافذة وراء افتعال هذه الأزمة من خيارات واسعة، ستلجأ إليها للدفاع عن مصالحهم القائمة أو التي تقتات على بقاء الأزمة العقارية والإسكانية على قيد الحياة! في الوقت الذي لم تدرك بعد تلك القوى أن المخاطر من جراء استمرار وتفاقم الأزمة الإسكانية، يحتلون موقعهم في صدارة مهددات ومخاطر تفاقمها، بل إن تلك المخاطر لا تقارن على الإطلاق بالمخاطر المزعومة التي يروجون لها في حال انخفضت أسعار الأراضي والعقارات.

تقتضي أمانة القلم والرأي أن تتم إعادة ذكر تلك الحلول والتوصيات للخروج من الأزمة العقارية والإسكانية، وترتيبها بمزيد من التفصيل والتأكيد مرة أخرى للرأي العام، وللأجهزة المعنية على وجه الخصوص، والأمل معقود -بإذن الله تعالى- أن تجد اهتماما مسؤولا من كل ذي علاقة بهذه الأزمة التنموية، وأن تتكثف الجهود والقرارات حول سرعة مواجهة أحد أكبر التحديات التنموية الجسيمة التي نواجهها جميعا دون استثناء، وهو ما سيتم التركيز عليه في المقالات القادمة بمشيئة الله. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/17/article_966287.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.