فرص السوق المالية السعودية اقتصاديا

تدخل اليوم السوق المالية السعودية عهدا جديدا مع أول سماح للمستثمرين الأجانب المؤهلين للاستثمار في الأسهم المدرجة، المرحلة الجديدة المتوقع أن تكتسب من خلالها سيولة إضافية، وخبرات أوسع وأعمق لدى المستثمرين الدوليين المتخصصين في السوق المحلية، وتعزيز مساعي الهيئة نحو زيادة الاستثمار المؤسسي، والمساهمة من ثم في الحد من التذبذب الكبير في الأسعار، والوصول إلى مستويات أعلى من حيث تعزيز كفاءة السوق وتحفيز الشركات المدرجة نحو تحسين مستوى الشفافية والإفصاح وممارسات الحوكمة، والمتوقع أن ينتج عنه ارتفاع مستوى البحوث والدراسات والتقييمات حول السوق المالية، بما سيوفر لجميع المتعاملين معلومات أكثر دقة وتقييمات أكثر عدالة.

إلا أن الأهم في طور بدء هذه المرحلة المهمة جدا ليس فقط بالنسبة للسوق المالية السعودية، بل للاقتصاد الوطني أن توظف الفوائد المرتقبة لأجل الاستفادة منها في مجال تعزيز تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، والمساهمة بدورها في زيادة فرص العمل أمام المواطنين والمواطنات، التي يمكن أن تتحقق عبر عدد من المحاور التنموية الرئيسة قبل أن يُنظر إليها من الزاوية الاستثمارية.

حيث تعد النقلة الجديدة للسوق المالية فرصة مواتية أمام الشركات العائلية الكبرى والناجحة لدينا، للإدراج في السوق والاستفادة من المزايا الناتجة عن تلك النقلة، سواء عبر زيادة قدرتها التمويلية أو عبر توسع نشاطات تلك الشركات وانتقالها إلى مرحلة فصل الملكية عن الإدارة لضمان ديمومتها واستمراريتها، وهو ما سيعزز كثيرا من فرص اتساع نشاطاتها ومصادر دخلها بالدرجة الأولى، إضافة إلى اتساع فرص توظيفها العمالة الوطنية، والانتقال استراتيجيا من مجرد التفكير في كيفية المحافظة على مصير الشركات العائلية من الاندثار والتلاشي عبر أجيال العائلة، إلى التفكير في كيفية تنويع نشاطات الشركة ووضع مصيرها في قبضة الإدارات التنفيذية الأكثر تأهيلا، وإخضاعها إلى رقابة أنظمة ولوائح السوق المالية حفاظا على مقدراتها، عدا أنها ستكون إضافة جديدة لقنوات الاستثمار المحلي وتنويعا مهما أمام الثروات الوطنية الباحثة عن فرص استثمارية مجدية. إنها الفرصة الاقتصادية المثلى لترسيخ الاستقرار والنمو الاقتصاديين، وهي كذلك بالنسبة لإيجاد كيانات تجارية وصناعية وخدماتية محليا تسهم في تعزيز تنوع قاعدة الإنتاج المحلية، ودعم الاقتصاد الوطني في اتجاه تخفيف اعتماده الكبير على عوائد النفط والغاز والمواد الخام، إضافة إلى زيادة قدرة الاقتصاد الوطني ممثلا في القطاع الخاص من خلال زيادة فرص التوظيف أمام المواطنين الباحثين عن فرص عمل مجدية من حيث الدخل، وهاتان الركيزتان هما أحوج ما يكون إليه بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، الذي يواجه عددا من التحديات التنموية من أبرزها مشكلة البطالة بين فئة الشباب، والأخرى المتمثلة في ضيق قنوات الاستثمار المحلية، التي ترتب عليها تفاقم نشاطات المضاربة وتضخيم الأسعار في بقية الأسواق المحلية، لعل من أكثرها خطورة السوق العقارية، التي تدفقت عليها سيولة ثروات هائلة طوال العقد الماضي لغياب أو ضعف الفرص الاستثمارية البديلة.

قد يقال وما الجديد في ذلك، فقد كانت السوق المالية متاحة أمام الجميع طوال الفترة الماضية؟ كما أشرتُ في مطلع المقال أن المرحلة الراهنة المتزامنة مع السماح للمستثمرين الأجانب، تعني في إحدى مزاياها النوعية زيادة الاستثمار المؤسسي، والمساهمة من ثم في الحد من التذبذب الكبير في الأسعار، والوصول إلى مستويات أعلى من حيث تعزيز كفاءة السوق وتحفيز الشركات المدرجة نحو تحسين مستوى الشفافية والإفصاح وممارسات الحوكمة، الذي سيسهم بدوره في الحد من مخاطر السوق المالية من جانب، ومن جانب آخر مع زيادة سطوة الأنظمة والرقابة سيؤدي كل ذلك إلى دعم وزيادة الثقة لدى المجتمع الاستثماري في السوق، وهو ما سيحد كثيرا من المخاوف التي ترسبت لدى أغلب المستثمرين بعد انهيار السوق المالية نهاية شباط (فبراير) 2006.

الفائدة الاقتصادية الأخرى؛ أن المرحلة الجديدة للسوق المالية ستكون مشجعة جدا لتأسيس الشركات المساهمة الوطنية، وعاملا جاذبا لرؤوس الأموال السعودية مع زيادة إمكانية الاستفادة من خبرات الاستثمار الأجنبي، وهو ما سيعزز بقوة تحقق ذات العوائد الاقتصادية المشار إليها أعلاه مع تجربة تحول الشركات العائلية للإدراج في السوق المالية، إلا أنها في هذا الخصوص هذه التجربة ستكون بدرجات أعلى مقارنة بالشركات العائلية. الأمر الأكثر تحفيزا هنا؛ هو المتعلق بشباب الأعمال وأصحاب المبادرات الاستثمارية من فئة الشباب ذكورا وإناثا، والمأمول أن يجد دعما أكبر وأوفر من لدن الأجهزة الحكومية ذات العلاقة والغرف التجارية، وأن تترجم على أرض الواقع فعليا توجهات الدولة بدعم المنشآت المتوسطة والصغرى الحديثة التأسيس، ومساعدتها على النمو والتوسع لإيجاد مزيد من ركائز الأعمال في القطاع الخاص، والعمل على دفعها للمستقبل بما سيعود كثيرا بالعوائد الاقتصادية والتنموية على البلاد والعباد، سواء عبر استثمار مواهب ومبادرات شبابنا ذكورا وإناثا، أو عبر إيجاد كيانات أعمال نشطة تمتاز بتنوع قاعدتها الإنتاجية والتشغيلية، يمكن لها أن توظف شرائح أوسع وأكبر من الباحثين عن فرص عمل من أبناء وبنات الوطن.

هكذا يجب أن ننظر مبكرا إلى التجربة الجديدة للسوق المالية، وأن تسعى الجهات الحكومية والأهلية مبكرا وعبر جهود تكاملية لا تنافسية إلى توظيف التجربة في مصلحة الاقتصاد الوطني والمجتمع، وأن يكون هذا الملف ضمن أولويات الجهات ذات العلاقة دون استثناء، ولعله الملف الأبرز الذي يجب على مجالس أعمال الشباب في الغرف التجارية كافة أن يحمله طوال الأعوام المقبلة، وأن تكثف تلك المجالس جهودها لأجل تحقيق الهدف المتعلق بها، وهو الجهد الذي متى ما نجحت فيه مستقبلا، فإنه سيكون أحد الإنجازات التي ستأخذ وزنا كبيرا جدا في مسيرة التنمية المحلية، قبل أن يجير كأحد الإنجازات المأمولة لتلك المجالس لأعمال الشباب.

ختاما، تعد التجربة الجديدة التي تزمع سوقنا المحلية اليوم بدأها فرصة جديدة، يؤمل فعليا أن تُترجم بما يعود بالنفع والعائد على مقدرات الاقتصاد والمجتمع، وأن تخضع لبرامج استباقية من قبل الأطراف ذات العلاقة، للاستفادة القصوى منها في سبيل تحقيق الأهداف الرئيسة المشار إليها أعلاه، وإلا فإنها قد تتحول في المستقبل إلى عكس كل ما تمت الإشارة إليه، الذي يعني مخاطر عديدة قد تهدد استقرار الاقتصاد والسوق المالية على حد سواء، إلا أن زيادة الوعي الاستثماري والاقتصادي لدى شريحة الشباب في بلادنا، أعتبرها ركيزة حماية يمكن الوثوق بها كثيرا في المرحلة الراهنة ومستقبلا، وهي رأس المال الأهم في طور التفكير في كل ما تقدم ذكره، والمطلوب فقط من الجهات ذات العلاقة أن يتم منح شبابنا ذكورا وإناثا الفرصة الكاملة في هذا المجال. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/15/article_965836.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.