حلول الأزمة العقارية.. “بيدي لا بيد عمرو”

يأمل الجميع دون شك أن تنفرج الأزمة الإسكانية، فيما يكمن الاختلاف في الطرق المؤدية لحل تلك الأزمة التنموية، فريق يرى مدخل الحل من جانب التمويل اللازم لشراء الأراضي والعقارات، وهو النافذة التي ظلت تستأثر بالدعم وضخ الأموال طوال العقود الماضية، ولا تزال حتى تاريخه، وقد لا يهتم هذا الفريق بواقع التشوهات التي تعج بها السوق العقارية والإسكانية، على الرغم من أن أحد آثار دعمه لزيادة القدرة التمويلية والائتمانية للمشترين الباحثين عن تملك مساكنهم، أنها تكرس لتلك التشوهات كاحتكار الأراضي واكتنازها دون تطوير، وتحفز على انتشار هذه التشوهات التي تفضي إلى الزيادة المستمرة في الأسعار، والتسبب في تآكل القوة الشرائية للأفراد عبر سباق ارتفاع تكلفة إيجارات الأصول العقارية باختلاف أنواعها، كنتيجة تالية لارتفاع أسعارها السوقية! الذي بدوره يسهم في ارتفاع التكاليف ومن ثم ارتفاع أسعار المنتجات والخدمات، والدخول في حلقة مفرغة من التضخم، تبدأ بارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، لترتفع تكلفة إيجارات المساكن والمواقع التجارية والصناعية، وهكذا دواليك دون نهاية محددة لتلك الحلقة المفرغة!

الفريق الآخر؛ يرى أن الطريق الأمثل يبدأ من ضرورة إصلاح التشوهات التي أفضت إلى صناعة الأزمة العقارية والإسكانية، وهو الحل الأدنى تكلفة والأكثر حصافة والأوسع من حيث العوائد على الاقتصاد والمجتمع، فما تشهده البلاد من تضخم كبير في أسعار الأراضي والعقارات، على الرغم من أن أغلب تلك الأراضي ينتمي إلى الأراضي الخام الخالية من أي تطوير، شجع أصحاب الثروات في غياب أي فرص استثمارية بديلة، على الدفع بتلك الثروات وتخزينها في الملايين من مساحات الأراضي بهدف تنمية قيمتها، تطور الأمر لاحقا إلى تحولها لقناة استثمارية لا تنافسها قناة أخرى، تتيح لملاك تلك الثروات مضاعفتها في أقل من عام واحد! وزاد من سوء الأمر لاحقا، ونتيجة لارتفاع تكلفة الإنتاج والتشغيل، إضافة إلى زيادة اشتراطات وتعقيدات بيئة الأعمال المحلية من حيث التأسيس والتوظيف والتشغيل، إلى قيام عديد من مطوري الأعمال بعد توقف أنشطتهم بتحويل أموالهم للمتاجرة في الأراضي بيعا وشراء، بل إن حتى الشركات والمؤسسات بما فيها الشركات الأجنبية لجأت بدورها للاستثمار والمتاجرة في الأراضي والعقارات، وعدا أن إغراءات الأرباح الهائلة الناتجة عن تلك المضاربات في السوق العقارية وقفت وراء هذا الانجذاب الشديد، إلا أن غياب التشريعات والأنظمة التي تحد من هذه الفوضى، وانعدام أي تكلفة على هذا التوجه المضاربي أو الاستثماري، دفعت كلها مجتمعة وشجعت تلك المغامرات المالية الهائلة، التي أدت بدورها إلى ارتفاع وتيرة الأسعار إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من صناعة واحدة من أكبر الفقاعات السعرية في الاقتصاد الوطني.

لأجل كل هذا؛ اندفع الفريق الأخير إلى الحلول الأخرى خارج دائرة دعم التمويل (الحل الأسهل)، وتحديدا إلى: (1) ضرورة إصلاح التشوهات في السوق العقارية، عبر فك أشكال الاحتكار والاكتناز برفع تكلفة مثل هذه السلوكيات، عبر فرض الرسوم على اكتناز الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، إضافة إلى فرض الزكاة على ما كان منها بهدف المتاجرة والاستثمار، وأغلبها كذلك قياسا على زيادتها عن حاجات تملك المسكن بالنسبة للملاك. (2) تسهيل وتذليل طرق تطوير وإحياء الأراضي البيضاء، لزيادة العرض المتاح للتداول منها، على عكس الوضع الراهن؛ الذي يكافئ المكتنز والمحتكر على حساب المطور والمستخدم لتلك الأراضي. (3) زيادة القيود على جوانب التمويل والائتمان على عكس ما هو قائم في الوقت الراهن، وهو الحل الذي يراد من خلاله إلجام وقود اشتعال الأسعار المتضخمة جدا، التي ستؤدي إلى حماية النظام المالي بالدرجة الأولى، وحماية أفراد المجتمع من التورط في شراء أي أصول عقارية مقابل الارتهان إلى ديون مصرفية وتمويلية هائلة وطويلة الأجل.

ليست القضية أو الأزمة العقارية والإسكانية في بلادنا بغامضة الأسباب، وليست أيضا عصية على الحل، بقدر ما أن عديدا من الحلول غير المناسبة أو الخاطئة في حقيقتها هي أساس المشكلة، فحينما تأتي السياسات والبرامج داعمة لتفاقم المشكلات والتحديات التنموية، لا لأجل دعم توجهات القضاء على تلك التحديات والتشوهات التي أدت لوجودها، فإن الخلل هنا من السهل جدا وضع اليد عليه، ومن السهل أيضا معالجته وإصلاحه قبل أن يتفاقم بالمشكلة إلى أكبر من حجمها السابق.

المشهد الراهن؛ يبين أننا نسير في الطريق الوعر المشار إليه أعلاه، إن السياسات والبرامج التي تم الإعلان عنها أخيرا من قبل وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية، التي سيصوت عليها مجلس الشورى منتصف الأسبوع الجاري، كلها تتركز في هذه الخانة. والنتيجة المتوقعة أنها لن تسهم بمثقال ذرة في حل أسباب الأزمة العقارية والإسكانية، بقدر ما أنها ستزيد من تعقيدها وصعوبتها مستقبلا! كما لن تفلح في إخراج السوق العقارية والإسكانية من حالة الجمود أو الشلل التي تقف عليها في الوقت الراهن. على أن نافذة الخروج من هذه الورطة التنموية ستصبح متاحة، ومقدر لها أن تتسع بفوائدها القيمة بعد صدور آليات تطبيق الرسوم على الأراضي البيضاء، التي ستعالج تضخم الأسعار وتعيدها إلى مستويات التعادل مقارنة بالدخل، وستدفع بكثير من الأموال والثروات المخزنة في تلك الأوعية العقارية للتخارج منها، ومن هذه النافذة ولا غيرها يمكن أن نرى جميعا نهاية للنفق المظلم الذي تسير بنا فيه هذه الأزمة المفتعلة.

الأمر الآخر، حتى وإن تأخر موعد إقرار تلك الآليات المتعلقة بالرسوم على الأراضي البيضاء، فإن التحول الكبير جدا الذي ستشهده السياسة المالية محليا خلال العام الجاري، ولجوئها إلى تمويل عجز الميزانية العامة للدولة عبر إصدار صكوك وسندات للتنمية، ما سيوجد سوقا لامتصاص فوائض السيولة المحلية الضخمة، سيكون لها الدور الكبير في زيادة اجتذاب السيولة المالية المخزنة في الأوعية العقارية، والحديث في الوقت الراهن قياسا على توقعات صندوق النقد الدولي ببلوغ عجز الميزانية العامة لعام 2015 نحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (400 – 500 مليار ريال)، كفيل بإصابة تضخم أسعار الأراضي والعقارات في المقتل، وكفيل أيضا بفرض واقع اتجاه السوق العقارية على الجميع، بمن فيهم من يجاهد في الوقت الضائع كيلا تتراجع الأسعار المتضخمة عقاريا.

ختاما؛ نهاية الحلول الراهنة الداعمة لزيادة التمويل لن تفلح، خاصة أن قدرة المشترين المحتملين تكاد تكون معدومة تماما في الوقت الراهن أمام التضخم المبالغ فيه للأسعار، ويزيد من تحولها لمجرد حبر على ورق زيادة قناعة المشترين بأن الأسعار وفقا لما تقدم من متغيرات وتطورات على الأرض مصيرها إلى التراجع والانخفاض، الذي سيحفزهم على تأجيل وقت الشراء، والاستفادة مستقبلا من التراجع الذي بدأ فعليا على الأراضي في المناطق المضاربية، وسيأتي الدور لاحقا على الأراضي والمواقع الأقرب داخل المدن، وهذا ما يجب أن يكون معلوما لدى عموم الأفراد قبل غيرهم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/13/article_965343.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.