ماذا يريد صندوق التنمية العقارية؟

استكمالا للمقال الأخير “صندوق التنمية العقارية يشعل تضخم العقار”، وأهمية أن يبادر كل من وزارة الإسكان ومؤسسة النقد باستدراك الأمور قبل أن تتفاقم، عقب إعلان صندوق التنمية العقارية توجهه لدفع نسبة الـ 30 في المائة من مقدم التمويل العقاري المشترط لقروض السكن، وفقا لأنظمة مؤسسة النقد العربي السعودي، زعما من إدارة الصندوق أنه سيسهم في تسهيل عملية التمويل الإضافي للمستحقين.

أظهرت النتائج المحتملة لتدشين مثل هذا القرار أبرز ثلاث نتائج بالغة الخطورة، تلخصت في: (1) أنه سيعطل تماما فعالية أنظمة ولوائح التمويل الصادرة عن مؤسسة النقد، وسيتسبب في انكشاف النظام المالي للبلاد على تشوهات السوق العقارية. (2) أنه سيؤدي إلى ارتفاع حجم المديونيات على الأفراد، ووفقا لأحدث رصد لتلك القروض باختلاف أنواعها عليهم، فقد وصلت إلى نحو 929.5 مليار ريال حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، ويقدر في ضوء التوجهات الأخيرة لصندوق التنمية العقارية أن ترتفع في منظور زمني لا يتجاوز خمسة أعوام إلى 2.3 تريليون ريال! وهي أعباء مالية جسيمة على كاهل عموم الأفراد، ستترك أثرها السلبي في الحياة المعيشية للفرد وأسرته. (3) سيؤدي القرار وما سيتبعه من آثار مرتبطة بزيادة السيولة والائتمان إلى عودة موجة التضخم وتآكل القوة الشرائية للريال، وسيتركز التضخم بصورة أقوى في الأصول العقارية المتضخمة سعريا في الأصل، وهذا سيؤدي بدوره ليس فقط إلى زيادة تعقيد الأزمة الإسكانية لدينا، بل ستمتد آثاره السلبية إلى مختلف النشاطات الاقتصادية.

وأضيف إليها هنا النتائج التالية، التي لا تقل خطورة عما تقدم: (4) أن القيمة الإجمالية لطلبات الإسكان على قائمة الانتظار لدى صندوق التنمية العقارية سترتفع من 1.3 تريليون ريال وفقا لآخر بياناتها، إلى أعلى من 3.0 تريليونات ريال أو أكثر “أكبر من حجم الاقتصاد الوطني”، ووفقا لهذا السيناريو لا يوجد أية موانع نظامية ستمنع حتى الرقم الأخير من الارتفاع لمبالغ مالية هائلة. (5) أن يرتفع إجمالي تكلفة سد احتياجات إسكان المواطنين الباحثين عن تملك مساكنهم في أقل من عقد زمني مقبل إلى أكثر من 5.0 تريليونات ريال على أقل تقدير، وفي حال اشتعلت الأسعار وهو الأمر المتوقع قياسا على هذا السيناريو المقلق، فقد ترتفع تلك الفاتورة إلى أعلى من 8.5 تريليون ريال. (6) كل هذا بالضرورة سيقتضي رفعا مستمرا في مستويات أجور ورواتب العمالة في القطاعين الحكومي والخاص، وإذا أخذنا نموها بنصف نسبة نمو القروض المصرفية والعقارية المحتمل، فهذا يعني توقع ارتفاعها خلال الفترة نفسها إلى أعلى من 1.7 تريليون ريال، وهو شرط لا بد من تحققه كي لا يتعثر الأفراد عن سداد مديونياتهم المصرفية والعقارية، الذي إن حدث فقد يتسبب في انهيار النظام المالي للبلاد ـــ لا قدر الله ـــ ومن ثم سيتسبب في تفجر أزمات مالية واقتصادية لا أحد يعلم نهايتها الوخيمة إلا الله. (7) ويعني أيضا كل ما تقدم ذكره؛ القبول بارتفاع أثمان الأراضي والوحدات السكنية إلى أكثر من عشرة أضعاف مستوياتها الراهنة! فالفيلا المقيمة اليوم بـ 1.5 مليون ريال، لا يمنع أن تصبح في منظور هذا السيناريو بعد عقد زمني بما قيمته 14 ــ 15 مليون ريال، ولا يمنع أيضا أن نصل إلى اليوم الذي تباع فيه قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها 400 متر مربع بما قيمته خمسة إلى ستة ملايين ريال! وهكذا دواليك.

خلاصة القول؛ إن الأزمة الإسكانية ستتجه إلى مزيد من التعقيد وليس إلى الانفراج، وإن السبب الرئيس للأزمة المتمثل في زيادة تضخم أسعار الأراضي والعقارات، ستعود رئتيه إلى الانتعاش مرة أخرى بعد أن وصلت خلال العام الأخير إلى طريق مسدود. ولعل إدارة صندوق التنمية العقارية تسأل نفسها: لماذا لم يستطع أغلب من أعلنت أسماؤهم من المستحقين لقروض الصندوق من تسلمها؟ وحتى مَن تسلمها تجده قد باع القرض مخصوما قبل تسلمه بسنوات عديدة؟ ولماذا تفاقمت الأزمة العقارية أكثر مقارنة بمرحلة ما قبل زيادة حجم القرض من 300 ألف ريال إلى 500 ألف ريال؟ وهل قرار الصندوق المعلن عنه أخيرا سيخدم أكثر فئة تجار الأراضي والمصارف ومؤسسات التمويل، أم سيخدم المواطن الباحث بلهفة عن تملك مسكنه؟ وهل تتوقع إدارة الصندوق أن يترتب على هذا القرار انخفاضا في الأسعار التي هي في الأصل أساس الأزمة، أم أنها ستنفجر صعودا أكبر مما شهدته السوق العقارية؟

أين تكمن أسباب الأزمة العقارية والإسكانية إن لم تكمن في الورطات العظمى الأربع التالية: (1) نشأت الأزمة في بدايتها من منح الأراضي بمساحات شاسعة جدا لأفراد نافذين محدودي العدد، وتم احتكار جزء منها على هيئة أراض خام، وجزء منها تم بيعه بأثمان بخسة إلى فئة كبار تجار الأراضي والعقار. (2) بعد انتقال جزء من ملكية تلك الأراضي الشاسعة، إلى فئة التجار قاموا بتكرار الخطأ السابق نفسه أن حولوا أغلب تلك الأراضي إلى مخزن للثروة طويل الأجل، وجزء تم تطويره وعرضه للعامة عبر منصات المساهمات العقارية، وفق آليات استهدفت المحافظة على النمو المستمر للأسعار. (3) تلقفت مجموعات المضاربين والمتاجرين أغلب تلك الأراضي بعد بيعها من قبل فئة كبار التجار، ودخلت بدورها دوامة سعرية صاعدة لا حدود لها. ثم (4) بعد انخفاض منح الأراضي خلال العقد الماضي، حل محلها جرائم تزوير الصكوك وحجج الاستحكام، ما زاد من تشحيح الأراضي، ولتمر الأراضي المستولى عليها بنفس صيغ مخالفة بالآليات المذكورة أعلاه نفسها وكانت النتيجة مزيدا من الارتفاع الجنوني للأسعار.

على إدارة صندوق التنمية العقارية أن تعلم علم اليقين أنها بتوجهاتها المعلنة الأخيرة ـــ أفترض وغيري أنها جاءت عن حسن نية لحل الأزمة الإسكانية ــــ تسير تماما عكس توجهات إصلاح أسباب الأزمة، التي بدأت الدولة ـــ أيدها الله ـــ بعزم وحزم في محاصرتها والقضاء عليها، وأن ما قامت به مؤسسة النقد العربي السعودي بتقييد التمويل العقاري، واشتراط ألا يتجاوز حجم التمويل لسقف 70 في المائة من إجمالي قيمة التمويل، أنه أحد توجهات الدولة لإصلاح السوق العقارية، ولحماية النظام المالي من تبعات تهاوي الأسعار المتضخمة في السوق! وأن على إدارة الصندوق إعادة تقييم ومراجعة هذا القرار البالغ الخطورة قبل التورط في تفعيله، وأن تتأكد أنه لا يحمل إلا ورطات من الديون الطائلة على كاهل المواطنين، وفي المقابل يحمل أثمن البشائر لمحتكري وتجار الأراضي والعقارات!

أخيرا، بما أن الصندوق يتأهب للتحول إلى بنك للإسكان، يقتضي الأمر أن يتم تحويل الإشراف على أداء الصندوق (البنك) ومراقبته إلى مؤسسة النقد، وأن تبدأ المؤسسة بتولي مهام الإشراف على آلية تحوله الهيكلي والوظيفي على وجه السرعة، ومن ثم بدؤه العمل كبنك للإسكان، وهو الأمر الذي ينسجم تماما مع الأدوار والمهام والمسؤوليات المنوطة به كبنك مركزي. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/03/article_962473.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.