صندوق التنمية العقارية يشعل تضخم العقار

يصاب المرء أحيانا بدهشة وصدمة كبيرتين لقاء ما يصدر عن بعض الأجهزة الحكومية، يتلخص عنصر الصدمة حال قيام أجهزة بإقرار إجراءات تتعارض تماما مع أهداف وتوجهات أجهزة حكومية أخرى، وكأنما يضرب بعضها بقرارات تلك الأجهزة عرض الحائط، غير عابئ بما قد يترتب على ذلك التعارض من آثار سلبية وخيمة.

هو ذلك حال صندوق التنمية العقارية، وهو يعلن عن توجهه لدفع نسبة الـ 30 في المائة من مقدم التمويل العقاري المشترط لقروض السكن، وفقا لأنظمة مؤسسة النقد العربي السعودي، وذلك بهدف تسهيل عملية التمويل الإضافي على حد زعم إدارة صندوق التنمية العقارية! فأي فعالية بقيت بعدئذ لأنظمة ولوائح التمويل التي أقرتها مؤسسة النقد؟ تلك الأنظمة التي رافق جهود إعدادها وتصميمها إجراءات احترازية بالغة التعقيد، أتت ثمرة لسنوات طويلة من دراسة تجارب الدول الأخرى في هذا المجال، من أهمها أزمة الرهن العقاري التي تفجرت في وجه الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي نهاية 2008، مكنت تلك الدراسات المتأنية مؤسسة النقد من تحديد أهم المخاطر والصعوبات التي واجهتها الدول الأخرى، ووفرت لها فرص التعرف على سبل تجنب التورط في مثل هذه المخاطر والاستعداد المبكر لها، وهي جوانب تمت مراعاتها طوال فترة إعداد مشاريع اللوائح التنفيذية للأنظمة، كان من أهم نتائجها الإيجابية، تحديد سقف لإعادة تمويل أنشطة الشركات، واشتراط الحصول على ضمانات ملائمة قبل منح التمويل، واشتراط عدم تجاوز مبلغ التمويل العقاري نسبة 70 في المائة من قيمة الأصل العقاري، واشتراط التأكد من قدرة طالب التمويل على سداد التمويل قبل منحه.

يمكن القول دون أدنى شك، إن مضى صندوق التنمية العقارية في توجهاته التي أعلنها مديره العام خلال لقاء تم عقده الأسبوع الماضي في الغرفة التجارية الصناعية في مدينة جدة، أؤكد أنه يعني إصابة أنظمة ولوائح التمويل التي أقرتها مؤسسة النقد (البنك المركزي) بالشلل التام! وأن نوافذ المخاطر العالية التي سعت تلك الأنظمة إلى سدها، وحماية النظام المالي السعودي بالدرجة الأولى، والاستقرار الاقتصادي الوطني، قد انفتحت على مصاريعها تماما، وأن النظام المالي سيصبح مكشوف الصدر والجسد دون أي دروع تجاه أي مخاطر محتملة.

يستدعي هذا التطور أو التهور بمعنى أدق من قبل صندوق التنمية العقارية، سرعة التدخل الفوري من قبل كل من وزير الإسكان المكلف ومحافظ مؤسسة النقد العربي السعودي، ليتداركا الأمر قبل أن يتحول إلى ورطة حقيقية على أرض الواقع، وهو التدخل النظامي المشروع والأقل تكلفة في الوقت الراهن، مقارنة بما لن ينفع مع حلول آثاره السلبية الوخيمة مستقبلا على النظام المالي والاستقرار الاقتصادي الوطني، أي إجراءات مهما بلغت قوتها. ولكي يكون وزير الإسكان المكلف في الصورة الحقيقية لما قد ينتج عنه هذا الإجراء المعلن عنه من صندوق التنمية العقارية، كون محافظ مؤسسة النقد على علم تام بتداعيات ومخاطر هذا القرار إن تم، أورد فيما سيأتي بعضا من الآثار التي ستترتب على هذا التوجه من قبل صندوق التنمية العقارية.

أولا: بمجرد الموافقة على قرار صندوق التنمية العقارية المشار إليه أعلاه؛ ستتحول أنظمة ولوائح التمويل المقررة من قبل مؤسسة النقد إلى مجرد حبر على ورق! وسيصبح النظام المالي مكشوفا تماما على المخاطر الوخيمة الجاثمة في السوق العقارية، بدءا من تضخم أسعار أصولها المختلفة، مرورا بزيادة تحمل كثير من الأفراد أعباء ديون مصرفية وتمويلية هائلة، لقاء شراء أصول عقارية متضخمة الأسعار، على الرغم من أنهم في الأصل غير مؤهلين لتحملها، قياسا على الضعف الكبير في مستويات دخولهم السنوية، ما قد يتسبب لاحقا في تعثرهم عن السداد، ولضعف مستويات دخولهم وعدم كفايتها كضمانات لسداد تمويل تلك الأصول العقارية المشتراة، والمتضخمة سعريا بصورة كبيرة، فإن المصارف المحلية ومؤسسات التمويل ستصبح مراكزها مكشوفة بدرجة كبيرة أمام تلك المخاطر! ما يعني بالضرورة تورط كيانات القطاع المالي في مستنقع الإفلاس، واضطرار مؤسسة النقد “البنك المركزي” إلى تغطية تلك الأزمات المحتملة بمليارات الريالات، ودخول القطاع المالي والاقتصاد الوطني في أزمة مالية واقتصادية مشابهة للأزمة المالية العالمية.

ثانيا: سينتج عن هذا القرار حال إنفاذه؛ ارتفاع حجم المديونيات على المواطنين بصورة كبيرة جدا، يقدر أن تتجاوز خلال سنواتها الأولى سقف الـ 1.3 تريليون ريال! وبإضافتها إلى الرصيد الراهن من مجموع القروض الاستهلاكية والعقارية حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري البالغة 409.7 مليار ريال، فهذا يعني مع افتراض ثبات الأخيرة؛ تخطي الديون على كاهل المواطنين سقف 1.7 تريليون ريال خلال سنوات قليلة مقبلة! وفي حال إضافة القروض العقارية المصروفة من صندوق التنمية العقارية حتى أحدث بيانات، فإن ذلك يعني ارتفاع فاتورة الديون على المواطنين إلى نحو 2.0 تريليون ريال! علما بأن الكاتب هنا لم يأخذ عند احتساب هذا المبلغ الضخم جدا، القروض والمستحقات على المواطنين لمصالح شركات ومؤسسات التقسيط “قروض الظل المصرفي”، التي قدرت بنحو 347.3 مليار ريال بنهاية الربع الأول من العام الجاري، التي متى أضيفت مع افتراض ثباتها وعدم زيادتها طوال الأعوام القليلة المقبلة، أن ترتفع الفاتورة الإجمالية للديون على كاهل المواطنين إلى أعلى من 2.3 تريليون ريال.

وبالطبع فإن ارتفاع مثل هذه الأحجام من الديون الطائلة على كاهل أفراد المجتمع، سيؤدي إلى عواقب وخيمة جدا على حياتهم المعيشية، ستكون لها آثار سلبية في استقرارهم المالي، ويعرضهم بصورة أكبر للتعثر عن السداد، والتورط في عديد من الجرائم المالية والإدارية، وتزداد احتمالات تحقق تلك الآثار مع الزيادة المطردة في التضخم، كما سيأتي إيضاحه في الفقرة التالية.

ثالثا: يتوقع مع النمو المفرط في ضخ الديون والأموال، أن ترتفع موجات التضخم مرة أخرى، وبصورة أكبر مما سبق أن شهده الاقتصاد الوطني خلال العقد الماضي، وأن تكون أسعار أصول السوق العقارية أكثرها اشتعالا وتضخما، فمع انفتاح نوافذ سيولة تمويل شراء الأراضي والعقارات دون قيد أو شرط أو تحكم، ستتجه الأسعار المتضخمة في الأصل إلى مزيد من الارتفاع الأعنف مقارنة بما سبق، وهذا يعني بدوره زيادة ثقل الأزمة العقارية والإسكانية بصورة أكبر من كل ما شهدناه، إلى الدرجة التي لن تكفي معها على الإطلاق القدرة التمويلية المجتمعة لصندوق التنمية العقارية والمصارف المحلية ومؤسسات التمويل! ما يعني بالضرورة انهيار أسعار الأراضي والعقارات بصورة لا يمكن تصورها بأرقام الوقت الراهن! وما سيزيد من أخطارها، أنها ستتزامن مع تورط أغلب المواطنين في ديون طائلة كما أسلفت، وانكشاف مالي هائل للنظام المالي على تلك الانهيارات السعرية لأسعار الأراضي والعقارات. وللحديث بقية ذت صلة مهمة بكل ما ورد في هذا المقال. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/01/article_961964.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.