غدر الإرهاب والشعارات الضالة

ماذا يعني أن يعلن الإرهاب عن نفسه في مساجد بلادنا الأبية؟ غير أنه يعلن عن عدائه للدين ثم الوطن وأهله، ماذا يريد أن يقول لنا بقتل المصلين الركع السجود لربهم في أقدس الأماكن؟ إلا أنه عدو لله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين! وأي رسالة غادرة حاقدة هذه التي يريد أن يوصلها إلينا أعداء الله؟

ألا إنها لن تزيد فينا قيادة وشعبا متحدا إلا عزما وقوة واتحادا، ألا إنها لن تفل فينا وشائج التفافنا حول مصيرنا الواحد، ووطننا الواحد، وحبنا وولائنا لهذه الأرض الآمنة بفضل رب العالمين. يزيد الإرهاب الغادر في ضلاله وغيه المبين، ونزيد نحن قيادة وشعبا في التصدي له وردعه على قلب واحد ملؤه الإيمان بالله وحده لا شريك له. يد تحمل راية الإسلام الخالص في زمان الفتن؛ سيحميها الله بفضله وعنايته! ويد تحمل راية التوحيد في موج تلاطمت فيه أهواء المضلين وأعداء كلمة التوحيد، ستبقى بحول الله منتصرة مؤيدة فوق غدر الإرهاب مهما بلغت به أوهامه الشيطانية.

تعطرت بيوتنا بدماء الشهداء من أبنائها، وتعفنت يد الإرهاب الغادر ومن يقف وراءها جبنا وخذلانا بالعار والهوان. بالأمس القريب كانت “القديح” العروس الشهيدة، وبالأمس الأقرب لحقتها عروس شهيدة أخرى “العنود”، انكشفت في دخان فتنة غدرهما المتصاعد نوايا المخلصين، وميزتها عن نوايا الشر والغدر. الفرحة القصيرة للإرهاب بأقزامه الهالكين، يقابلها صلابة وعزة للوطن وأهله لا تلين، فلا ترى في أعدائنا إلا غبنا وحقدا دفينا، ليتوغل أكثر في وحل اليأس والخسران، وهو يرى السعوديين ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، قد التفوا حول كلمة واحدة، وحول فعل واحد، فماذا بعدئذ سيبقى له من أوهامه؟!

إن من الواجب في غمار مواجهة غدر الإرهاب، تحصين أنفسنا أولا من الانجرار خلف شعاراته الضالة، وتحصين أبنائنا وبناتنا من الانخداع بها، وتحصين مجتمعنا الكريم من التفتت. وأن يتصدر العلماء وقادة الرأي على اختلاف مشاربهم قبل غيرهم للجم مبررات خونة الدين قبل الوطن، فلا سلاح أقوى من سلاح العلم والفكر في وجه الجهل والتنويم، ولرب كلمة واحدة على حق مبين أغنت وتغني عن إطلاق مليون رصاصة، وإلا كيف اصطاد أعداء الأمة من هم من أبنائنا، وحولوهم إلى شوكة غادرة في خاصرة وطنهم وأهلهم إلا بجهلهم بالدين القويم، وغيابهم التام عن الفكر المستنير بالحق لا بالضلال؟! كلما صعد المنبر فينا أهل العلم والفكر، واتسع امتداد نوره في عقول أبنائنا وبناتنا، كلما سقط الظلام، وابتلع حبائل الوهم والتغرير. إنها المبادرة الأهم للمواجهة الأقوى مع غدر الإرهاب، وهي السلاح الأجدى ضد من يسرق عقول وقلوب فلذات أكبادنا، ليضرب بهم آباءهم وأمهاتهم وأهلهم ووطنهم!

لنفتح كل أبوابنا ونوافذنا وعقولنا وقلوبنا لنور العلم والفكر، ولنحارب في دواخلنا كل ما يحتمل أن يتحول غدا إلى ثغرة قد يستغلها الشيطان وأعوانه الخاسرون. إنها غاية الألم؛ أن يكون المنتحر جهلا والشهيد فداء إخوة! وإنه غاية الغضب؛ أن يتزود العدو الغادر الضعيف من أي ثغرة محتملة في عقول وأفئدة البعض منا! إنه أحد أركان الاستعداد والتحصين الذي أمرنا الله عز وجل به في محكم قوله المبين: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (الآية 60 سورة الأنفال). إن سلاح العلم والفكر هو السلاح الوحيد الذي لا يمتلكه العدو، فيما تظل بقية أنواع الأسلحة في متناول الجميع، سواء أهل الحق أو أهل الباطل، وهو السلاح الذي حقق لنا التقدم فيه بفضل من الله حتى ساعة النصر والاستقرار، وجنب بلادنا العزيزة وأهلها التورط في وحل ما تورط فيه كثير من البلدان حولنا! إلا أن ما نشهده في الوقت الراهن من محاولات غادرة خاسئة، يتطلب منا زيادة التسلح العملي والفكري في وجه هذه المستجدات الخطيرة.

لن يفل فينا العدو عزما مهما بلغت قوة غدره، ونحن نحصن عقولنا وأفكارنا بالانفتاح العلمي الخلاق، ولنا في غيرنا من الشعوب عبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد؛ فقد شهدت بقاع متفرقة من العالم جزءا يسيرا قد لا يذكر مما شهدته بلادنا العزيزة من ويلات الإرهاب، فماذا حدث لها غير أنها هوت في قيعان سحيقة من الحروب الداخلية والفتن، لم تخرج منها طوال عقود من الزمان إلا وقد خسرت بفداحة مؤلمة شعوبها ومقدراتها ومواردها! كان من أهم الفوارق بيننا وبينهم عدا الولاء والوحدة حول حب هذه الأرض الطاهرة، ما تتمتع به بلادنا من انفتاح فكر قادتها ومجتمعها على حد سواء، وهو المكسب الحضاري الذي حظيت به بلادنا بصورة أكبر خلال العقد الأخير، أوصلنا إلى مراحل متقدمة جدا مقارنة بمن حولنا إقليميا، اكتسبنا جميعا تحت مظلته الواسعة شجاعة أكبر في مواجهة كل تحدياتنا الداخلية، ولهذا لا عجب أبدا في مواجهة أحداث الإرهاب الأخيرة؛ أن ترى وتقرأ وتسمع اتحادا لافتا من لدن المواطنين والمواطنات كافة حول وطنهم ومجتمعهم، حتى قبل أن يصدر أي بيان رسمي! إنها الصدمة الأقوى والأكثر ردعا في وجه الإرهاب الغادر، وفي وجه أعدائنا على اختلاف مشاربهم. ولا عجب أبدا بعدئذ؛ أن تزيد فينا جميعا تلك المحاولات الفاشلة قوة ولائنا ووحدتنا حول قادتنا، ولأجل بلادنا الأبية، في الوقت ذاته الذي نشهد خلاله ارتعاد أعدائنا وهزيمتهم، وفي مقدمتهم الكيان الصفوي من أعشار مثل تلك المحاولات الإرهابية!

ستمضي بلادنا عزيزة أبية بفضل من الله في طريقها القويم، تشارك بثقة في ترسيخ السلام العالمي من خلال استقرارها الصلب، مؤكدة أن تلك التفجيرات الإرهابية لن تزعزع فيها مثقال ذرة مما يظنه أعداؤها، وأن الوطن والاقتصاد اللذين يتمتعان بركائز الاستقرار والتقدم وفرص النجاح، وهو ما تثبته على أرض الواقع موقعها ضمن دول العشرين الأكبر اقتصادا عالميا، والدولة الرائدة التي تسهم بفعالية في توطيد الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي عالميا. حفظ الله بلادنا وقادتها وأهلها من كل مكروه وشر وغدر. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/05/30/article_961519.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.