من المستفيد الأكبر من دعم أسعار الطاقة؟

استكمالا لما بدأ الحديث عنه بخصوص تحرير أسعار استهلاك موارد الطاقة الناضبة، ومواجهة أعباء المرحلة المقبلة المحملة بتراجع الأسعار العالمية للنفط، وإسقاطاتها السلبية المحتملة على إيرادات الميزانية العامة، وضرورة التحرك من المنطقة الراهنة ذات الأعباء الجسيمة على كاهل الاقتصاد الوطني، أؤكد قبل الاستطراد في هذا الاتجاه؛ أن الآثار السلبية للوضع الراهن ظهرت في وقت مبكر طوال العقد الماضي، وتم طرح كثير من الآراء والأفكار حول ضرورة تداركه قبل أن تتفاقم آثاره، إلا أنه لم يحدث شيء على أرض الواقع، سوى الإنجاز المتميز لجهود رفع كفاءة استهلاك الطاقة، التي قام بها المركز السعودي لكفاءة الطاقة طوال الأعوام الأخيرة، الذي آتت جهوده ثمارها وما زالت، بفضل الله ثم بفضل تكامل أكثر من 18 جهازا حكوميا وكبرى منشآت القطاع الخاص، ويتوقع لتلك النتائج المتميزة أن تخفف كثيرا في المستقبل من الصدمات المحتملة لتحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا، وهو ما سيبدو واضحا عاما بعد عام طوال الفترة الممتدة إلى 2030 بمشيئة الله تعالى.

إلا أنه كما سبق الإشارة إليه في نهاية المقال الأخير “تحرير أسعار الطاقة.. ألمٌ لا بد منه”، حول إيضاح سلبيات الوضع الراهن، نتج عنه ارتفاع متصاعد لفاتورة المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء، قدر فاتورتها مع نهاية 2014 بمستويات راوحت بين 400 إلى 450 مليار ريال، نتيجة الاستهلاك المفرط على الطاقة، المقترن بانخفاض تكلفتها، وامتلاء الأسواق المحلية بالمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المتدنية في استهلاك الطاقة، وافتقار ثلاثة أرباع المباني لمواد العزل الحراري، علما أن الرقم مرشح للارتفاع مستقبلا كلما استمر الوضع الراهن في البقاء. على أنه من الضرورة بمكان هنا، الإشارة إلى أن أكثر من ثمانية أضعاف ذلك الدعم الحكومي المعمم، قد ذهب إلى الأسر الثرية على حساب الأسر المستهدفة به، التي لم تحظ بأكثر من 10 في المائة منه في أحسن الحالات. الذي يتنافى تماما بدوره مع الأهداف الرئيسة لوجود هذا الدعم بصورته المعممة الراهنة، وفي الوقت ذاته لتزداد تكلفته الباهظة على كاهل الميزانية العامة والاقتصاد، وأخيرا انخفاض انعكاساته الإيجابية على الشرائح السكانية من المواطنين الأكثر استحقاقا له دون غيرهم من تلك الشرائح.

لا تقف هذه التشوهات بصورتها الفادحة عند هذا الحد فقط، فما تكشف عنه بالنسبة للاستثمار الأجنبي، يعد أكثر فداحة مما قد يتصور البعض! فوفقا لتقارير صندوق النقد الدولي حول أداء الاقتصاد السعودي، تبين أن أكثر من 85 في المائة من الاستثمارات الأجنبية “بلغ حجمها المباشر حتى نهاية 2014 نحو 809.7 مليار ريال” المتدفقة على البلاد، جذبها فقط هذا الدعم أو المعونة الحكومية المعممة على الطاقة! وانظر إلى العائد من وجود تلك الاستثمارات في بلادنا، فقط على مستوى: (1) تنويع القاعدة الإنتاجية. (2) توظيف العمالة الوطنية. كلاهما يشير إلى وقوعنا في ورطة اقتصادية بالغة التكلفة. إلا أنه ينظر إلى الجهود الكبيرة من الهيئة العامة للاستثمار، التي بدأتها خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، على أنها بدأت تؤتي أكلها، ويؤمل لها الاستمرار في ذلك الاتجاه الإصلاحي، لتوظيف الاستثمار الأجنبي صوب الأهداف العائدة بالنفع على الاقتصاد الوطني، تمهيدا لانتشاله من ورطة استثمارات تأخذ أكثر مما تمنح، هذا إن منحت شيئا نافعا.

أما على مستوى القطاع الخاص، وتحديدا المنشآت الكبرى، فلم نشهد “لتدليلها” غير الموجود في أي اقتصاد حول العالم؛ عبر دعمها اللامحدود من صناديق التنمية، وبقية المزايا الحكومية من العقود والمناقصات، وتمتعها بالفائدة الأكبر مقارنة بغيرها من انخفاض تكلفة الطاقة الكهربائية والوقود وخلافه، إلا ضعفا في المنافسة الإقليمية والعالمية في الأغلب، وضعفا في توظيف العمالة الوطنية، وتأخرا فادحا على طريق مساهمتها في تنويع القاعدة الإنتاجية، وغيره من أوجه الضعف التي لا تقارن على الإطلاق بما حظيت به من دعم حكومي كبير طوال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت. ولهذا ستواجه المنشآت التي تحول أغلبها إلى التكسب على حساب الدعم الحكومي أكثر من الإنتاج والتوسع في توظيف العمالة الوطنية، لا شك أنها ستواجه تحديات جسيمة، قد تتسبب في توقف نشاطها إن لم تعمل على إعادة هيكل عملياتها وأنشطتها، وهذه إحدى فوائد التخلص من أعباء دعم مثل تلك المنشآت غير المنتجة.

أخيرا على مستوى الأفراد؛ في رأيك من تتوقع أنه حظي بالنصيب الأوفر من الدعم الحكومي لأسعار استهلاك الطاقة؟ مواطن يبلغ متوسط دخله دون ثمانية آلاف ريال، وسكنه صغير مستأجر “قد لا يتجاوز عدد غرف مسكنه ثلاث غرف، ولا يتجاوز عدد المكيفات فيه أربعة مكيفات”، ولديه سيارة واحدة! أم مواطن آخر تتجاوز ثرواته الملايين، ويسكن فيلا كبيرة مملوكة، وقد تكون لديه مساكن أخرى يملكها، ولديه سيارات أكثر! هنا من تجده قد نال النصيب الأكبر من انخفاض أسعار استهلاك موارد الطاقة؟ أترك الحكم للقارئ الكريم. وكذا الحال بمقارنة ذات المواطن بعامل غير سعودي، قد يبلغ متوسط دخله ثلاثة أضعاف دخل المواطن أو أكثر، من يا ترى منهما نال النصيب الأكبر من الدعم الحكومي؟

لهذا؛ يمكن القول يقينا إن الوضع الراهن لعدم تحرير أسعار الطاقة، عدا أن تكلفته أصبحت باهظة ومرهقة جدا لاقتصادنا الوطني، إلا أن الأهم في شأن أهدافه أنها لم تذهب إلى من يستحق ذلك الدعم، بل ذهب أغلبها إلى من ليس في حاجته. وعليه؛ لا بد إذاً من إعادة مراجعة الملف بأكمله، والعمل وفقا لهذه المعطيات على استراتيجية أخرى مختلفة، مع الأخذ في عين الاعتبار ضرورة أن يتركز الدعم في إطار التوجهات المقبلة على المستحقين فقط من المواطنين، والاهتمام بشرائح المواطنين ذوي الدخل المتوسط فما دون والمتقاعدين وبقية أفراد المجتمع الذين لا تنطبق عليهم القدرة الكافية من حيث الدخل، وهذا ما سأستكمل حوله الحديث -بمشيئة الله تعالى- في المقال القادم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/29/article_977116.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.