الطريق المسدود لحل أزمة العقار

أوضحت في المقال الأخير “هل يمكن حل الأزمة العقارية؟” الوصفة العلاجية التي يتبناها تجار الأراضي والعقار، وكيف أنها وصفة تعد أدنى من حيث الأهلية لحل الأزمة، بل إنها أقرب إلى التسبب في تفاقم واتساع دائرتها، عدا ما تحمله من عيوب أساسية تتمثل في تجاهلها الأسباب الرئيسة لتشكل أزمة العقار، لعل من أهم ما تجب الإشارة إليه منها: (1) احتكار الأراضي داخل المدن والمحافظات بمساحات شاسعة جدا، تجاوزت مساحاتها نصف مساحات المدن الرئيسة. (2) تسبب ذلك الاحتكار مقابل الطلب المتنامي على المساكن، في ارتفاع مستويات الأسعار وتضخمها بصورة مبالغة وغير مبررة على الإطلاق، حتى وصل مضاعف تكلفة المساكن إلى متوسط الدخل السنوي للمواطن لأكثر من 25 إلى 30 عاما “المضاعف الأعلى عالميا”.

ولهذا؛ فإن الطريق الذي تسلكه في الوقت الراهن وزارة الإسكان، اعتقادا منها بإمكانية حل أزمة العقار والإسكان، عبر تسهيل عمليات تمويل المواطنين بالقروض “سواء من صندوق التنمية العقارية، أو المصارف ومؤسسات التمويل”، والإسراع بإصدار رخص البناء وتطوير المخططات، وبقية المقترحات التي تم إيضاحها في المقال الأخير، تؤكد الأوضاع المعقدة التي وصلت إليها حالة الأزمة أنه طريقٌ مسدود! وأنه لن يحرك ساكنا في جسدها الجاثم على صدر الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، عدا أنها مقترحات أضعف بكثير من أن تفكك الأسباب الحقيقية لتشكل أزمة العقار والإسكان، كونها تتجنب المواجهة المباشرة مع تلك الأسباب، وفي الوقت ذاته تتجنب عدم الإضرار بمصالح المستفيدين حصرا من بقائها على قيد الحياة، سواء محتكري الأراضي، أو المتاجرين والمضاربين فيها، أو ملاك المخزون الهائل من المعروض المقارب لنحو مليون وحدة سكنية “شقق وفلل سكنية”، بهدف عدم خفض أسعارها المتضخمة التي وصلت إليها.

أعتقد أنه غير معلوم لدى وزارة الإسكان ولا صندوق التنمية العقارية حجم القروض الطائلة التي يتحملها الأفراد في الوقت الراهن، خاصة أنهما يهرولان في طريق زيادة الائتمان والقروض العقارية، ويتباحثان في الوقت الراهن مع مؤسسة النقد العربي السعودي لأجل إيجاد مخرج لتجاوز شروط التمويل العقاري “اشتراط دفع المشتري 30 في المائة من إجمالي قيمة العقار”. وهو الظن الخاطئ منهما بأن عدم توافر التمويل اللازم لشراء الأراضي والعقارات هو أحد أسباب الأزمة، في حين أن السبب الرئيس هنا هو التضخم المبالغ فيه للأسعار! التي تضخمت نتيجة احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، زاد من اشتعالها ارتفاع نشاط المضاربة وتدوير الأموال الهائلة على ما لا يتجاوز 10 في المائة من الأراضي المحررة للبيع والشراء، وهي أسباب أصبحت واضحة للجميع إلا وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية.

وحتى تكون وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية في الصورة الصحيحة بخصوص حجم القروض الطائلة على الأفراد، فإن حجم تلك القروض المختلفة قد وصل حتى منتصف العام الجاري إلى نحو 933 مليار ريال “أي 68 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي”، تشكلت من القروض الاستهلاكية “34 في المائة”، والقروض البنكية العقارية “11 في المائة”، وقروض مؤسسات وشركات التقسيط “35 في المائة”، وقروض صندوق التنمية العقارية “15 في المائة”، وقروض البنك السعودي للتسليف والادخار “4 في المائة”، وبطاقات الائتمان “1 في المائة”. فمن المستفيد تحت هذه الصورة المقلقة لتفاقم القروض والديون الطائلة على الأفراد، والسماح لها بالارتفاع أكثر مما وصلت إليه؟ هل هو المواطن المستهدف بحل أزمة الإسكان، المفترض أن تعمل وزارة الإسكان على تمكينه من تملك مسكنه بأقل أسعار ممكنة؟ أم أن المستفيد هنا سيكون أعضاء جانب العرض من الأراضي والعقارات؟

إلى أين يا ترى تريد وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية المضي بنا في هذا النفق المعتم؟ في أقل الأحوال سوءا “أي بقاء أسعار الأراضي والعقارات مستقرة في مستوياتها المتضخمة الراهنة”، هذا يعني أننا خلال أقل من عشر سنوات مقبلة على موعد بارتفاع تلك القروض الطائلة بما لا يقل عن 70 في المائة، أي أن الأفراد سيكونون في مواجهة تحمل فاتورة للقروض الطائلة جدا لا تقل عن 1.6 تريليون ريال! أما إن مضت الأسعار في النمو والزيادة، وهو أمرٌ متوقع قياسا على الطريق الراهن الذي يسلكه كل من الوزارة والصندوق، فإن الأوضاع مستقبلا في هذا الشأن لا تبعث على الارتياح، ذلك أنه مع تفاقم تضخم أسعار الأراضي والعقارات، والإفراط مقابل ذلك بالسماح للقروض أن تزداد دون قيد أو شرط، فنحن على موعد مخيف جدا أن يرتفع سقف تلك القروض إلى أعلى من 2.8 تريليون ريال في منظور السنوات العشر المقبلة! أي ما يعادل حجم الاقتصاد الوطني كاملا بأرقام الوقت الراهن!

ولن تقف مخاطر التطورات السابقة عند مجرد ارتفاع أحجام القروض الطائلة على كواهل الأفراد، بل مع تجاهل وزارة الإسكان الأسباب الحقيقية وراء تشكل أزمة العقار والإسكان، فالأزمة في غياب مواجهة تلك الأسباب من احتكار الأراضي وارتفاع المضاربة وتدوير الأموال على أقل من عشر مساحتها، وزيادة معدلات ربحية كل من النشاطين غير المجديين أصلا للاقتصاد والمجتمع، وترتب ارتفاع تكاليف الإيجارات بمعدلات سنوية مرهقة، سواء التجاري أو السكني، واستمرار انتقال أثرهما إلى استقطاع مزيد من الأجور والرواتب السنوية للمواطنين، عدا آثارها السلبية في رفع تكلفة المعيشة، لتلتقي مع زيادة استقطاع الأقساط الشهرية للقروض المصرفية وغيرها!

يحق لنا جميعا أن نتساءل في قلق كبير: ما هذا المستقبل المخيف الذي نحن إليه ذاهبون؟ بل ما هذا المستقبل المخيف الذي تعمل بعض الأجهزة الحكومية “وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية” يوميا لأجل قذف أغلب أفراد المجتمع في أحضانه الموحشة؟ وهل سيأتي اليوم الذي سيصبح فيه وفقا لهذا السيناريو، ثمن مسكن صغير لا تتجاوز مساحته 180 مترا مربعا بين أربعة إلى ستة ملايين ريال؟ أهذا هو النتيجة الأخيرة لطريق حل أزمة العقار والإسكان، كما تعكف عليه الآن وزارة الإسكان وصندوق التنمية العقارية؟ ما الذي سيضغط على محتكري الأراضي لتحريرها عبر مجرد الإسراع بإصدار تراخيص البناء والتخطيط، عوضا عن بدء تنفيذ قرار الرسوم على تلك الأراضي، في الوقت ذاته الذي لا تغض وزارة الإسكان طرفها عن هذا الخلل فحسب، بل إنها حتى لا تعترف بوجوده من الأصل؟ ولماذا سيضطر محتكرو الأراضي إلى تحريرها وأسعارها السوقية يتسارع نموها دون أن يتحملوا كتكلفة ريالا واحدا، ودون أن يحرك أحد منهم طرفا ساكنا؟

أخيرا ونحن في بداية هذا الطريق الوعر؛ هل سنقف مكتوفي الأيدي أمام أزمة ستأكل الأخضر واليابس في المستقبل القريب؟ أم أننا سنرى تدخلا مسؤولا سريعا قبل التورط بمقدرات الاقتصاد والمجتمع في متاهات هذا الطريق المسدود؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/08/08/article_979921.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.