انهيار بيت عنكبوت الأراضي خير للاقتصاد والمجتمع

أختتم الإجابة عن سؤال المقال الأخير: هل يهدد تراجع أسعار الأراضي الاستقرار الاقتصادي؟ بعد أن تم إيضاح كامل مقدمات هذه الأزمة المفتعلة من رأسها إلى أخمص قدميها، وقبل أن نتورط جميعا فيما لن تحمد عقباه، من نسج لأكاذيب وأوهام لم يستطع من بناها كبيت العنكبوت، أن يثبت صحة حتى 1 في المائة منها! ليتأكد لدينا بما توافر من بيانات وإحصاءات رسمية زيف ادعاء من قال إن انهيار أسعار الأراضي والعقارات سيزعزع الاستقرار الاقتصادي، بل لقد أثبتت المصادر الرسمية ذاتها لدينا عكس كل ذلك جملة وتفصيلا، وأن التضخم الكبير الذي شهدته أسعار الأصول العقارية باختلاف أنواعها، الذي ثبت فعليا أن أغلبه إن لم يكن كله، كان نتيجة تشوهات هيكلية في الاقتصاد، وتحديدا للأسباب التالية: (1) ضيق قنوات الاستثمار المحلية التي قابلتها وفورات هائلة للسيولة المحلية الباحثة عن فرص استثمارية مجدية، إلا أنها لم تجدها. (2) تفاقم أشكال الاحتكار في السوق العقارية، واستحواذ قلة من السكان على مساحات شاسعة من الأراضي البيضاء، تجاوزت مساحاتها من إجمالي مساحات المدن الرئيسة سقف الـ 50 في المائة. (3) تزاحم عشرات المليارات من الريالات كمضاربة على ما لا يتجاوز الـ 10 في المائة من تلك الأراضي الجرداء “نحو 5.1 في المائة من إجمالي مساحة المدن”، ودخولها في عمليات تدوير للأموال بصورة فاقت الوصف خلال الأعوام الأخيرة، حيث وصلت قيمة صفقات الأراضي خلال 2014 إلى 410.9 مليار ريال، أي ما نسبته 94.0 في المائة من إجمالي صفقات السوق العقارية بأكملها البالغة 438.6 مليار ريال!

ليستوعب القارئ الكريم خلاصة كل ما تقدم؛ أصبحت لدينا سوق عقارية “تحديدا المتاجرة في الأراضي” منفصلة تماما عن أداء الاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته ترتبط هذه السوق الخاضعة لرغبات صناعها أكثر من خضوعها للسياسات الاقتصادية، أقول ترتبط هذه السوق مع الاقتصاد برابطين اثنين لا ثالث لهما؛ الرابط الأول: اجتذاب السيولة النقدية للاقتصاد الوطني، وتوظيفها في عمليات تدوير هائلة على الأراضي بمختلف أنواعها، وكما أظهرته الإحصاءات الرسمية، أنها أموال ضخمة تتصارع على عشر الأراضي فقط، كون التسعة أعشار الباقية قد أقفل عليها احتكارا واكتنازا، ولهذا نتج عن تصارع أموال هائلة على مساحات قليلة جدا من الأراضي المتاحة للتداول هذا التضخم الذي شهدناه جميعا طوال الفترة 2006 ـــ 2014 وما زال، وكان طبيعيا جدا أن تستفيد أثمان الأراضي المحتكرة غير القابلة للتداول من هذا التضخم، وهو ما زاد من تمسك ملاك تلك الأراضي المحتكرة بها، وعدم التفكير مطلقا في بيعها أو حتى تطويرها، وما الذي يدعوه إلى ذلك وقيمتها السوقية تتنامى في يديه دون أن يحرك ساكنا. ومع زيادة ارتفاع أسعار تلك الأراضي، زاد أيضا اجتذاب المزيد من سيولة الاقتصاد إليها، في الوقت الذي كلما اتجه ريال واحد إلى تلك المعمعة من المضاربات على الأراضي، حرم الاقتصاد الوطني من توظيف ذلك الريال في الإنتاج والتشغيل، وإيجاد الوظائف لمئات الآلاف الباحثين عنها، وكل هذا بدوره انعكس سلبا على النمو الاقتصادي دون أدنى شك، وسيتضح لاحقا في تفاصيل الرابط الثاني؛ إن الضرر لم يتوقف عند هذا الحد بل تعداه إلى ما هو أشد ضررا. الجيد هنا إن كان هناك أمر يستحق الإشادة؛ أن أغلب تلك الأموال الهائلة إن لم يكن كلها، تم تمويلها من مدخرات وثروات متراكمة لدى أصحابها، ولم تتورط التسهيلات الائتمانية المصرفية في تمويلها، وهذا جانب بالغ الأهمية يحمي القطاع المالي حتى تاريخه من أية انهيارات سعرية لتلك الأراضي البيضاء المتضخمة سعريا.

الرابط الثاني: لم تكتف هذه السوق المنفصلة عن الاقتصاد الوطني باجتذاب سيولته وحرمانه منها، بل أوجدت رابطا آخر نقلت من خلاله التضخم الهائل فيها إلى داخل الاقتصاد، انعكس على الارتفاع المستمر لأثمان العقارات أولا، وثانيا انتقل إلى الرفع المستمر لتكلفة الإيجارات “السكني، التجاري”، لترتفع من ثم تكلفة التشغيل والإنتاج، ولترتفع بصورة أقسى منها تكلفة المعيشة على المواطنين والمقيمين على حد سواء، ولا تزال آثار كل ذلك نافذة حتى تاريخه! وما زاد من مضاعفة تلك الآثار، أن المصادر الرئيسة للتضخم لم يتم التعامل معها بما يجب من قرارات وإجراءات رادعة، لتذهب إلى الاتجاه الآخر الذي دفع بالأسعار إلى مزيد من الارتفاع؛ عبر زيادات متتالية للأجور “رغم أنها كانت ستكون محمودة لو تمت تحت ظروف مختلفة عما هو أمامنا الآن”، وزيادة في حجم قروض صندوق التنمية العقارية للإسكان، ومن حسن الحظ أن قامت مؤسسة النقد بتطبيق أنظمة التمويل الأخيرة، وإلا لكنا قد شهدنا نمطا أصعب مما هو قائم الآن، ومن المؤسف أن وزارة الإسكان والصندوق العقاري يحاولان في الفترة الراهنة القفز على هذا الإجراء الإيجابي من مؤسسة النقد.

إذا نحن أمام رابطين سلبيين بين السوق العقارية “الأراضي تحديدا” والاقتصاد الوطني، يجب العمل فورا على إلغائهما التام، واستكمال الجهود نحو دمج هذه السوق المتمردة في جسد الاقتصاد الوطني، فتكون جزءا رئيسا من دينامية نموه واستقراره، لا كما هو عليه الحال الآن! وهو عمل مختلف تماما عما يتم الآن من خلال ما تقوم به وزارة الإسكان.

لعل الصورة الآن أكثر وضوحا، أنه كلما تهاوت الأسعار الهائلة التي وصلت إليها الأراضي تحديدا “كونها مصدر الشرارة الأولى للتضخم وتضخم ما تلاها”، أدى ذلك إلى قطع شريان الرابط الأول الذي اجتذب بجنونه أغلب الثروات والسيولة المحلية، وبمجرد بتره لا شك أن الرابط الآخر سيلحق به، فكيف لنا أن نغلق أبواب سعير الأسعار في هذه السوق المستقلة عن الاقتصاد الوطني؟!

إنها “الرسوم” على تلك المساحات الشاسعة من الأراضي ولا غيرها، وهي المطرقة الوحيدة التي ستدفع بعكس اتجاه السيولة الخاطئ كما هو عليه الوضع الآن، لتتحول في اتجاه عكسي نحو الاقتصاد الوطني هربا من تهاوي قيمتها وخسارتها، لتستقر داخل الاقتصاد الوطني تشغيلا وإنتاجا ونموا واستقرارا، وأهمية تحقق كل ذلك قبل أن يتورط القطاع المالي في تمويله لذلك السعير من الأسعار، وهو الذي إن حدث فلا شك أن العواقب ستكون وخيمة جدا، ولا يمكن تخيل حجم آثارها المدمرة، لا قدر الله، بأرقام اليوم ولا حتى غدا.

ختاما؛ ثبت أي فوائد اقتصادية وتنموية لا يمكن حصرها في مقال قصير، يمكن أن يجنيها الاقتصاد والمجتمع والتنمية الشاملة من انهيار هذا الصرح العنكبوتي لأثمان التراب، وأنه يحمل خلفه كل أسباب النجاة وانفراج الفرص والخيارات المثالية لرغد حياة أفراد المجتمع، فهل سنتأخر عن تحقيقها؟ أم أننا بأيدينا سنتجه إلى الاتجاه الخاطئ، وحينها الله أعلم كيف سنتعايش مع آثارها الوخيمة؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/08/12/article_980964.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.