“سيلفي” حياتنا

إنه يوثق كثيرا من مشاهد حياة الفرد، وهو أيضا في مجموعه يوثق حقبة من الزمن، بكل ما حملته من تطورات وتغيرات اجتماعية واقتصادية وغيرها، أسهمتْ مجتمعة في تشكيل وتحديد النمط العام لحياة الأفراد كل حسب قدره، لتجتمع في نهاية الأمر كمحصلة نهائية مشكلة نمط حياة المجتمع بأسره، وسيأتي اليوم الذي تتحدث فيه تلك اللقطات “الآنية” عبر تراكماتها الزمنية اللاحقة، بما لم يكن في الحسبان التنبه إليه لحظة التوثيق بالصورة!

لعل شيئا من التفسير يتحقق هنا؛ وأنت تشاهد صورا قديمة لمجتمعنا وحياته قبل عدة عقود، ولنأخذ على سبيل المثال حقبة السبعينيات الميلادية، التي لا تتجاوز نسبة من عاصرها فعليا من مجتمعنا في الوقت الراهن سقف الـ 29 في المائة من إجمالي السكان السعوديين، فيما لا يعرف عنها بقية السكان من شرائح الشباب إلا ما تم توثيقه عنها، أو من خلال ما قرأه وسمعه عن تلك المرحلة المهمة في تاريخنا الحديث. تتصاعد أهمية تلك الحقبة الزمنية مقارنة بغيرها من المراحل الأخرى؛ كونها الفترة التي تشهد أحد أسرع تحولات المجتمع السعودي خلال أقل من عقد زمني، ابتدأ بمجتمع كان في مراحله الأولى من التطور والتعليم والتقدم وتدني مستويات الدخل، سرعان ما انتهى على اختلاف كبير جدا، ولهذا فإن الجيل من السكان في سن التعليم “من سن خمس سنوات إلى 20 سنة” آنذاك، الذين عاصروا تلك الفترة الزمنية المهمة، شهدوا تلك التحولات الجذرية، وتأثروا بها أكثر من غيرهم مقارنة ببقية شرائح المجتمع المعاصر، ستجد من بقي منهم على قيد الحياة في الوقت الراهن في الشريحة العمرية 45 ــ 65 عاما، يتشكل أغلب القيادات في مختلف المواقع من هذه الشريحة العمرية!

لا شك أن جزءا لا يستهان به من آثار تلك المرحلة الزمنية، بكل ما تحمله من ترسباتها الذهنية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية، لا يزال مؤثرا في شخصيات ذلك الجيل، وتجده مترجما في الكثير من قراراته ورؤاه تجاه المتغيرات الراهنة، وقد نختلف أو نتفق كثيرا حول خفوت الاستقلالية والعصامية والاعتماد على النفس أكثر من الاعتماد على الغير، بدءا من ذلك الجيل حتى الوقت الراهن، إلا أنني مع الرأي الذي يرى أن الأجيال التالية خفتت لديها تلك المقومات الشخصية، مقارنة بالأجيال التي سبقتها، وهو نتيجة لتشكل ونضج وتغير المجتمع والظروف المحيطة به، الذي أدى إلى الحد من خيارات وفرص معينة لن تتكرر، وفي المقابل فتح المجال لخيارات حياتية أخرى لم تكن موجودة من قبل، وفي الوقت ذاته من الصعوبة بمكان أن يتجاوزها الجيل المعاصر لتلك المستجدات.

ولهذا سنشهد خلال السنوات العشر المقبلة زيادة في استحواذ جيل الثمانينيات الميلادية على مواقع القيادات في المجتمع، ما يعني أننا على موعد من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة كليا عما مضى خلال العقدين الماضيين، ويزيد من احتمالات تحققها التغيرات العميقة التي طرأت على بقية الأجيال التالية الأصغر عمرا، نتيجة لارتفاع مستويات التعليم، وبدرجة أكبر لتنوع مصادر المعرفة والثقافة وتلقي المعلومات في عصر اختصر العالم بأسره في جهاز صغير محمول في يد المرء، كل هذا يتم تحت ظروف مادية واقتصادية مختلفة تماما عما عهده الجميع، سواء كانت تحديات تنموية تفاقمت خلال الفترة المعاصرة من أزمات عديدة كأزمة التوظيف أو الإسكان أو الصحة أو غيرها، أو كانت فرصا غير مسبوقة كسهولة التحصيل العلمي ومواصلة التعليم والابتعاث، سرعان ما سيأتي جيل التسعينيات ليتولى زمام الأمور في المجتمع والبلاد، وهكذا تمضي حياة المجتمعات دون توقف لتغيرها وتبدل أحوالها، فأي مجتمع سنكون عليه بعد عقد زمني من تاريخ اليوم؟ وأي مجتمع سنكون عليه بعد عقدين؟ أخذا في الاعتبار أنه مع زيادة نفوذ جيل بعينه، سيقابله ما يشبه التلاشي للأجيال التي سبقته!

ما الفائدة من كل هذا الحديث هنا؟ إنه التفكير بصوت مسموع للاهتمام بضرورة توثيق متغيرات حياتنا، والعوامل التي تعمل على تشكلها زمنا بعد زمن، وصولا للمحافظة على هويتنا أولا، وثانيا للوصول إلى المعادلة الحضارية التي تحمي وتحافظ على إنسان هذا الجزء المهم من العالم، بكل ما يحمله من ثقل تاريخي وحضاري للأمتين العربية والإسلامية، وثالثا لأجل وضع رؤية تنموية شاملة واضحة المعالم للبلاد والعباد، تتحكم لاحقا في تحديد ورسم كل ما يتم إصداره من قرارات وإجراءات تنظيمية لحياتنا.

إنه الإطار الاستراتيجي الذي يستهدف حماية بقاء مجتمعنا فاعلا بين بقية المجتمعات المعاصرة، وينقذه من التقلبات الثقافية واختلاف حياة الأجيال المتتالية، بل ستجده يرسخ لحبل متين لهويتنا الحضارية المستمدة من أعماق ديننا العظيم وأخلاقنا وقيمنا العربية الأصيلة. ولعل ما قد نلقاه من انفلات عن تلك الأسس هنا، أو خارج الحدود لبعض الأفراد، وما نشهده من اختراق لعدد من حياتنا من سلوكيات منبوذة تماما، أو اجتذاب خطير لشرائح الشباب في براثن الإرهاب والجريمة، أو غيرها من الظواهر المدمرة اجتماعيا وأمنيا واقتصاديا وغيرها، أقول لعل ما نواجهه من تلك الآفات والمخاطر، قد يكون نتيجة لغياب هذا الإطار الاستراتيجي الثابت! فليس حلا طويل الأجل ولا مجديا على الإطلاق أن نكتفي تجاه تلك الظواهر المدمرة من وقت لآخر بحلول مضادة، هي أقرب إلى ردود الفعل أكثر من كونها حلولا استراتيجية بعيدة المدى، فسرعان ما يتم إخماد هذه إلا وقد تفجرتْ بدرجة أكبر وأوسع في مواقع أخرى لم تكن أبدا في الحسبان!

أنا على يقين أن ما أتحدث عنه هنا يفوق بدرجة كبيرة عنوان مقاله، لكنه في الوقت ذاته هو العنوان الأقرب لما يجري لنا من تغيرات وتطورات بلغة العصر الراهن! كم رأينا صاحب سيلفي في إطار مقبول اليوم، وفي اليوم التالي رأينا أشلاءه تتناثر في أحد مساجد الله؟ وكم رأينا آخر وهو مع والديه ذات مساء تحت سقف بيتهم، لنجده بعد حين يوثق خروجه وعصيانه مع مجموعة من القتلة والإرهابيين خارج حدودنا؟ وكم رأينا آخر يوثق لحظات من حياته بين أصدقائه، لنجده بعد حين في توثيق مشين مهين أخلاقيا ودينيا؟ كل هذا ليس إلا قشة في ركام هائل من شتات الرؤية والضبابية، ولو أردتَ مشاهد أكثر صعوبة وبعثا على الحيرة، فانظر على المستوى التنموي تحديدا عبر نافذة الطائرة أو خرائط “جوجل” إلى مساحات المدن، ثم حاول أن تجيب: أمام تلك الفراغات الهائلة من الأراضي البيضاء؛ كيف نشأتْ أزمة الإسكان؟ ومرة أخرى؛ أجب عن كيف لاقتصاد احتضن أكثر من ثمانية ملايين عامل وافد، لم يستطع توظيف أقل من 10 في المائة من المواطنين في سوق عمله؟ وهكذا امضِ في التقاط ما تشاء من صور “سيلفي”، وقارن مشاهدها التوثيقية مع واقع ما تعيشه! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/08/15/article_981865.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.