دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة.. متى وكيف؟

مضى نحو ثلاثة أعوام بالتمام والكمال منذ أن صدرت موافقة مجلس الشورى على مشروع نظام الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلا أنها لم تر حتى تاريخه نورا أو بصيصا منه، وعلى الرغم من كل ذلك فما زال الأمل قائما وكبيرا، بأن تترجم تطلعات الأفراد المبادرين من الشباب السعودي (ذكورا وإناثا) إلى واقعٍ قريب بمشيئة الله.

والأمل يحدوهم تحت تجربة الانتظار الطويلة، أن يعاد دراسة النظام على وجه السرعة، لتؤخذ في الاعتبار التحديات والتجارب المستجدة خلال الفترة الماضية، على أن أساس المشروع الذي تمت الموافقة عليه تحت قبة مجلس الشورى، الذي نص نظامه على إنشاء “هيئة” تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، لتحقيق أغراضها وترتبط برئيس المجلس الاقتصادي الأعلى (أصبح محله في المرحلة الراهنة رئيس مجلس الاقتصاد والتنمية)، تؤكد الحاجة الماسة لتلك الهيئة على ضرورة تمتعها بالاستقلالية التامة، وأن تمنح الدعم والرعاية الكاملتين من قبل رئيس مجلس الاقتصاد والتنمية، وصولا إلى الأهداف المأمولة من ذلك المشروع التنموي الطموح، بدءا بالاهتمام بتطوير ودعم وتنمية تلك المنشآت، وزيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، ودعم التنمية المستدامة وزيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، والمساهمة من خلال ذلك في إيجاد فرص العمل الكريمة وزيادة خياراتها أمام فئات الشباب.

يعد تأسيس هذه الهيئة واحدا من أهم الخطوات التنموية التي ستسجل إيجابياتها في مستقبل الاقتصاد السعودي بصورة غير مسبوقة، عوضا عن تجربة تجاوز عمرها الزمني بالنسبة للاقتصاد السعودي نحو 45 عاما، عانت كثيرا الأداء البيروقراطي، والقصور التنظيمي والإجرائي في مجال دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، خاصة في النصف الثاني من تلك الفترة الطويلة، ذلك أن عددا من تلك المنشآت في بداية الطفرة النفطية حظي بدعم استثنائي لم يتكرر ويستمر بكل أسف واليوم يشهد القطاع الخاص وجودا لها مثل دعامة للاستقرار الاقتصادي المحلي، غير أنه لم يصل بنا إلى المستوى المؤهل لمزيد من استقلالية الاقتصاد الوطني عن تأثير النفط سلبا أو إيجابا.

كان أمرا مبشرا جدا أن صدر ما يحيي الأمل من جديد تجاه إنشاء تلك الهيئة، وهو ما صرح به محافظ الهيئة العامة للاستثمار المهندس عبداللطيف العثمان قبل أقل من شهرين من تاريخ اليوم، موضحا خلال افتتاح إحدى ورش العمل التي نظمتها الهيئة، أن الهيئة العامة للاستثمار تسلط الضوء على دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة لما فيه من إسهام في تعزيز الاقتصاد السعودي، كاشفا النقاب عن دراسة حالية لإنشاء هيئة تلك المنشآت، وأنها ستخرج لحيز الوجود قريبا. وجاء ذلك الإعلان المهم عقب تأكيد محافظ الهيئة على أن أكبر التحديات التي تواجهها المملكة هي عدم تكامل الاستثمارات في قطاع معين، وأنه لن يتم تكامل الاستثمار في تلك القطاعات إلا بتوافر مؤسسات صغيرة ومتوسطة تكمل التجمعات لهذا القطاع، سواء في قطاع الصحة أو التعليم وغيرها من القطاعات، مشيرا إلى أن الهيئة تقوم بدراسة شبه دورية لمعوقات الاستثمار.

لا شك أن المنتظر من هذه الهيئة الناشئة كبير جدا، وعليها حمل كبير يتمثل في طموحات شرائح واسعة من شباب وفتيات الوطن، ولعله من المجدي بل إنه أحد شروط نجاحها مستقبلا؛ أن يتم تخصيص أموال ضخمة تحت تصرفها، يتم استقطاعها من الفوائض والاحتياطيات الحكومية الضخمة التي تفوق أرصدتها سقف أربعة تريليونات ريال كما أظهرته بيانات مؤسسة النقد العربي السعودية للوضع الاستثماري للملكة بنهاية 2014، أغلبها مودع أو مستثمر خارج أروقة الاقتصاد المحلي. إذ إن انتظار مبادرات المصارف المحلية لتقوم بتمويل أنشطة تلك المنشآت المتوسطة والصغيرة، أمر سيطول انتظاره كثيرا، ولا يعول كثيرا على المصارف المحلية لأن تبادر من ذاتها للمساهمة في دعم تلك الشريحة الناشئة من قطاع الأعمال.

الاقتصاد الوطني بحاجة ماسة جدا إلى ضخ أكبر ما يمكن ضخّه من إمكانات وموارد مالية متاحة في أروقته عبر تلك المنشآت، إن تحقيق نجاح على المستوى المأمول الذي يلبي فعليا احتياجات الاقتصاد في سياق تنويع مصادر دخله وإنتاجه، يتطلب رؤى مختلفة تمتلك الجرأة والمبادرة والتحرك السريع واتساع النظرة، والقدرة العالية على فهم كل من التحديات المحلية والإقليمية واقتناص الفرص المواتية محليا التي تتوافر مواردها المالية والبشرية على حد سواء، كما يتطلب أيضا تسخير الموارد المالية الكافية لتمويل تلك الأنشطة بمختلف تفرعاتها، وقد يكون الحديث عن تخصيص مبلغ مبدئي من الحكومة في صندوق تمويل هذه الهيئة يبدأ من 250 مليار ريال أو أكبر أمرا مطلوبا ومشروعا، ويتم تغذيته عاما بعد عام بما لا يقل عن 20 في المائة من القيمة المدفوعة في بداية المرحلة، إلى أن يصل إلى نحو تريليون ريال، ومن ثم النظر والمراجعة والتقييم للتجربة، وإقرار ما تتطلبه الحالة وفقا للنتائج المتحققة وقتها.

كل هذا سيتيح بكل قوة لتلك الهيئة القدرة الأكبر على إنجاح المساعي والأهداف التي من أجلها أنشئت، كما يمكنها عبر تأسيس صناديق متعددة الأغراض حسب الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية التي يتطلبها تنشيط الاقتصاد الوطني، وفق صورته الراهنة المعتمدة بصورة شبه كاملة على النفط فقط، والدخول في شراكات حيوية وفاعلة مع المبادرين وأصحاب الأفكار والمشاريع المبتكرة، من المتوقع بكل تأكيد أن تعود على رأس المال المدفوع في بداية التأسيس بمكاسب لا يمكن قياسها بأرقام اليوم، بمعنى أنه قد تتحول هذه الصناديق لتعزيز مداخيل الحكومة غير النفطية في منظور 15 إلى 20 عاما القادمة، أو حتى تتجاوز إيراداتها الفعلية إذا نجحت بصورة متميزة مداخيل النفط حتى في ظل بقاء أسعاره في مستويات مرتفعة بالقيم الاسمية في تلك المرحلة من المستقبل، والقبول بمستويات من المخاطرة تفوق ما تتحمله بقية المؤسسات التمويلية التقليدية، بمعنى أن تعرض بعض تلك المشاريع للفشل في بداية عهدها يظل أمرا متوقعا، وعليه فإن على الهيئة الناشئة التعامل مع مثل تلك الاحتمالات بأفق أوسع، وخطط بديلة تسهم في معالجة أسباب الفشل إن حدثت، وتسهم بدورها في تقديم الاستشارات اللازمة المجانية للمشغلين في تلك المشاريع الناشئة.

ختاما: المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا تدفع اليوم ثمن تأخر إنشاء تلك الهيئة المستقلة فقط، بل إنها تدفع أيضا أثمانا باهظة تحت ضغوط عديد من السياسات والإجراءات والقرارات والبرامج الصادرة عن عديد من الأجهزة الحكومية، كل يأخذ نصيبه منها بصورة ألحقت بها أضرارا بليغة بكل أسف، انتهى بعديد منها إلى تصفية نشاطها عدا تلك التي تم وأدها قبل أن توجد على الأرض، (بلغ عدد المنشآت التي توقّف نشاطها الاقتصادي والتجاري خلال 2013-2012 نحو 274.0 ألف منشأة صغيرة جدا وصغيرة). والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/06/29/article_969280.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.