من يتحمل تكلفة تأخّر الاستثمار الرياضي؟

الإجابة بداية أن من يتحمل تلك التكلفة، أو بمعنى أكثر دقة خسارة تعثر مشروع الاستثمار الرياضي ممثلا في تخصيص هذا القطاع الحيوي والتنموي هم فئة الشباب! الفئة التي تجاوز تعدادها سقف 4.3 مليون نسمة حتى نهاية 2014 (نحو 21 في المائة من إجمالي السكانِ السعوديين)، ويقدر أن ترتفع إلى أعلى من 5.2 مليون نسمة بحلول 2025.

يمكن تصور فداحة تلك الخسارة من الأوجه التنموية كافة؛ لقربها اللصيق بالفئة التي تمثل المورد البشري والإنساني الأهم لأي مجتمع، ما يقتضي بالضرورة وضعه في أعلى سلم الأولويات الإنمائية على المستويات كافة، بدءا من تسهيل وتوفير فرص التعليم والتدريب والتأهيل بأعلى درجات الكفاءة، مرورا بالترويح واستثمار وقت الفراغ، وانتهاء بتمكينه من المشاركة في مستقبله القريب من المشاركة الفاعلة في إدارة مقدرات بلاده، وتوفير فرص العمل الملائمة والكريمة لكل فرد من تلك الشريحة الثمينة.

يظهر البحث والتقصي في التجربة المتعثرة لتخصيص الرياضة السعودية، وما احتوته من ملفات مهمة جدا لم تتعد إنجازاتها المصرح بها حدود الوعود البراقة طوال عقدين مضيا من الزمن! أن التجربة افتقرت بصورة جذرية إلى منظومة متكاملة للعمل الشبابي والرياضي، كان من أهم ما يجب أن تتسم به: (1) توافر الأنظمة والتشريعات التي تكفل حماية الأطراف ذات العلاقة بالمشروعات الاستثمارية المزمع تأسيسها، وعدم تضاربها مع أية أنظمة أو مصالح أخرى. (2) يقتضي نجاح تلك المشروعات، أن يعاد تأسيس مفهوم الأندية الرياضية على أرض الواقع، لتشمل مجالات أكثر اتساعا مما هي قائمة عليه في الوقت الراهن منحصرة في الأنشطة الرياضية “كرة القدم أكثر تحديدا”، وأن تضطلع بأدوارها الاجتماعية والتربوية والترفيهية اللازمة لفئة الشباب، بما يتطلب تقديم خدماتها في تلك المجالات بأسعار رمزية جدا للشباب “أو حتى مجانية”. (3) يتطلب تطوير الحراك الشبابي والرياضي لدينا، زيادة أعداد الأندية من جهة، ومن جهة أخرى، زيادة الإمكانات والموارد المالية بدرجة تكفل لها النجاح في احتضان شباب الوطن، والقدرة على دعم مواهبهم المتعددة، وتنميتها وتشجيعها.

كتبت في أكثر من مقام سابق حول هذا الملف التنموي، مشيرا إلى أهم ركيزة يجب أن يقف عليها مشروع تخصيص الأندية في بلادنا، تتمثل في اشتراط أن تتحول الأندية إلى كيانات تتوافر لديها القدرة على تحقيق الربح، وكي تتوافر لديها تلك القدرة، لا بد من امتلاكها لأصول مجدية استثماريا، وهي القاعدة الاستثمارية التي لا يمكن أبدا القفز عليها، وبقدر ما أن هذه القاعدة معلومة تماما لدى الأطراف الرياضية كافة، إلا أنه لم تنجح ترجمتها إلى واقع ملموس، وأحاول هنا مجددا اقتراح مشروع تحقيق تلك القاعدة على أرض الواقع، لتجاوز هذا المطب العسير.

يقوم هذا المشروع الاستثماري على تأسيس شراكة استراتيجية بين الأندية والشركات الاستثمارية المرخصة من هيئة السوق المالية، تؤهل هذه الشراكة نظاميا لتأسيس منتجات وصناديق استثمارية ذات عوائد، يتم تقاسم عوائدها المتحققة “بعد خصم رسوم إدارة شركات الاستثمار” بين: (1) الممولين لتلك الصناديق “الحكومة ممثلة في صندوق الاستثمارات العامة، أعضاء الشرف، القطاع الخاص، الجمهور”. (2) الأندية المستفيدة. مع وجود خيارين أمام الممولين بالنسبة لتلك العوائد، الأول: أن يتنازل الممولون عن أرباحهم بالكامل لمصلحة الأندية مع حق احتفاظهم بملكية أصل الاستثمار، وسيتضح بعد قليل ما هو العائد طويل الأجل المتوقع تحقيقه بالنسبة لهم. الثاني: أن يتنازل الممولون عن نسبة من أرباحهم لمصلحة الأندية “تتعدد خياراتها كالتالي: 25 أو 50 أو 75 في المائة”.

يتم توظيف رؤوس الأموال المستثمرة في قنوات الاستثمار المحلية كالسوق المالية، أو السوق العقارية، أو تأسيس شركات مساهمة كبرى، تنتهج في نشاطها آلية عمل الشركات القابضة، حيث تتركز على الشركات ذات العوائد والتوزيعات الأفضل، وفي المجالات الاستثمارية الواعدة، ولا يغفل في هذا السياق الإيجابيات المتوقعة لضخ تلك الاستثمارات، ودورها الرئيس في زيادة فرص العمل الملائمة للباحثين عنها من الشباب ذاتهم.

يأتي لاحقا تطبيق المرحلة الثانية “بعد خمسة أعوام على أقل تقدير”، المتمثلة في إعادة تقييم المراكز الاستثمارية للأندية “الأصول المادية للنادي، والأصول الاستثمارية”، التي سيتولى مهمتها شركات الاستثمار المرخصة كمستشار مالي للنادي، تمهيدا لتخصيصها وطرحها للاكتتاب، تبدأ بتحويل حصص الممولين إلى أسهم في رأسمال النادي بعد تقييم مركزه المالي.

تفترض فكرة المشروع في مرحلتها الأولى، أن تشمل جميع الأندية حسب تصنيفها في الدرجات الثلاث “الممتازة، الأولى، الثانية”، وأن تلحق بها أندية بقية مناطق المملكة التي ليست ضمن تلك الدرجات، لتعامل معاملة أندية الدرجة الثانية نفسها كما سيتضح. يتم اعتماد تنفيذ فكرة المشروع وفق خطة زمنية لا تتجاوز الأعوام الخمسة، تتولى الحكومة “صندوق الاستثمارات العامة” ضخ تمويلها الاستثماري في تلك الصناديق حسب الآتي: أندية الدرجة الممتازة بـ 500 مليون ريال، أندية الدرجة الثانية بـ 250 مليون ريال، أندية الدرجة الثانية وأندية المناطق الجغرافية الأخرى بـ 100 مليون ريال، يضاف إلى ذلك التمويل الحكومي الاستثمار المتوقع من بقية شرائح الممولين “المستثمرين” ممثلا في أعضاء الشرف، القطاع الخاص، الجمهور.

يتوقع وفقا للتقديرات أعلاه، أن يتحمل صندوق الاستثمارات العامة ممثلا للحكومة نحو 13 مليار ريال، وأن يصل حجم التمويل المتوقع من بقية شرائح الممولين “المستثمرين” الآخرين خلال عامين إلى ثلاثة أعوام لنحو 40 في المائة من حجم التمويل الحكومي في المتوسط “قد يأتي أقل أو أعلى من تلك النسبة المذكورة، حسب قدرة أعضاء شرف وجماهيرية الأندية”، ما يرفع إجمالي حجم الاستثمارات تقديريا لأعلى من 18 مليار ريال. وبالنظر إلى المستوى الراهن للعوائد الموزعة في كل من السوقين المالية والعقارية، الذي يتأرجح بين 6 إلى 8 في المائة، فإن آفاق الاستثمار الرياضي هنا موعودة خلال الأعوام الخمسة الأولى بتحقيقها لعوائد قد تناهز 1.3 مليار ريال سنويا، ويتوقع أن تتنامى مستقبلا مع التطور والتنوع المتوقع لبقية مصادر دخل الأندية إعلاميا وإعلانيا، وهو ما لا يتسع له المجال للحديث عنه هنا.

ختاما؛ لا يوجد أهم من الاستثمار في أهم مكونات المجتمع، المتمثل في شبابه الذي يشكل أكثر من خمسه! علما بأن المشروع المقترح هنا لا يتحدث عن دفع لأموال لن تسترد، مؤكدا أن أهم وأغلى عوائده طويلة الأجل، من خلال تعزيز قدراتهم ومهاراتهم، والبناء الخلاق لشخصياتهم، وحمايتهم من شرور البطالة والفقر والجريمة والضياع والإرهاب، وبقية المخاطر التي أصبحت معلومة لدى الجميع.

بل إنني أشد على يدِ كل منتم لهذا الوطن، بأن تضخ أموال أكثر مما ذكر أعلاه إذا اقتضت الحاجة، وهل هناك استثمارٌ يوازي في أهميته القصوى، أهمية الاستثمار في أعز وأغلى ما تمتلكه بلادنا الغالية، ممثلا في شبابها؟! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/01/article_969874.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.