تعثر خطوة اليوم سيعطل خطوة الغد

لن يكون في مقدرة المرء أن يجتاز الخطوة المقبلة، حتى يجتاز تلك التي قبلها، فلا بد من إنجاز مهام ومسؤوليات اليوم، لتتمكن من إنجاز طموحات الغد وما بعده. الإشكالية العظمى حينما تقف في وجهك تحديات جسام، تمثل حصيلة تعثر أيام وأشهر وأعوام طوال مضت! ويزداد العبء على كاهلك إن أضيف إلى تحديات التعثر والتأخير بعض الفشل الذي قد يعيدك إلى الوراء، هنا ستكون في حاجة ماسة جدا إلى أعظم الأفكار القيادية والنظريات الإدارية للخروج من هذه المنعطفات الحرجة جدا.

ينطبق كل ما تقدم على الفرد وعلى الجماعة، وصولا إلى أكبر التجمعات البشرية في هيئتهم الحديثة المتمثلة في الدولة، ولتعلم أين أنت من كل هذا؛ ابحث فيما تواجهه من تحديات جسيمة، هل مضى عليها زمن طويل، وظلت خلاله تتفاقم أم تتحجم؟ وهل نتج عن بعض تلك التحديات تحديات أخرى، أم أن التقدم في طريق مواجهتها قد فتح المجال أمام فرص جديدة؟ كل هذه الأسئلة وغيرها ينبئك بدقة عن موقعك من الإعراب!

لا توجد وصفة علاجية موحدة، يمكن ترشيحها كبطاقة حل لمن تورطت قدماه في وحل تعثر الإنجاز وعدم تحقيق النجاح، حتى إن وجدت فلن تفلح في أداء الغرض الذي من أجله صممت! إلا أن يكتشفها صاحب المشكلة بنفسه، وأن يثق في داخله بجدواها، ويحفز نفسه على ترجمتها إلى واقع ملموس يتسبب في إخراجه من ورطته الراهنة، كأن يبقى مستلقيا على ظهره، مرتخيا خاملا، مستسلما لا يقدم ولا يؤخر لأجل مصيره ومستقبله مثقال ذرة! فليتأكد تماما أنه لن يتزحزح عن موقعه المحزن والمحطم قيد أنملة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” سورة الرعد، الآية 11.

هذا ما يجب أن يدركه كل فرد منا؛ العاطل والفقير والعامل والموظف والمدير والوزير، أن البقاء مكتوف اليدين إما أمام مشاكل وتحديات وأزمات حقيقية، تبعث على انغراس الحيرة والقلق والتعاسة والإحباط في النفس، وإما أمام ما هو أسوأ من ذلك باعتقادك المزيف أنك قد تفوقت ونجحت، في الوقت الذي تختفي تحت تلك المنجزات الواهمة أصناف الفشل والتعثر، وكم هو أمر يبعث على تأنيب الضمير والألم ولوم النفس – إن وجدت من الأصل – إذا وقف المرء في مثل هذا الموقف.

وكما أن رب العزة والجلال قد بين في محكم التنزيل، أن شرط التغيير يبدأ من تغيير النفس أولا، ومن ثم سيتغير ما يليها من معطيات أخرى، فإن عليك معرفة كيفية تحقيق هذا التغيير الذاتي، وكيف تتشكل النفس ورؤية الإنسان للوجود من حوله؟ ذلك أن الإنسان يخضع بحكم طبيعته البشرية في نظرته وتقييمه لكل ما حوله من متغيرات الحياة، لما اصطلح على تسميته الإطار الفكري، وهو الإطار الذي يتحكم في فهم واستيعاب وإدراك الإنسان لكل تلك المتغيرات من حوله. يمثل هذا الإطار المفتاح الأهم لأي معادلة تغيير أو تطوير، سواء تلك التي تستهدف الفرد أو المجتمع، ما يستدعي للأهمية القصوى أخذها بعين الاعتبار قبل البدء بأي تغيير أو تطوير، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات.

يتشكل هذا الإطار الفكري المتحكم تماما في أي إنسان من ثلاثة محددات رئيسة، هي على النحو الآتي: (1) المحدد النفسي ضمن دائرة الذات البشرية. (2) المحدد الاجتماعي ضمن دائرة المجتمع المحيط. (3) المحدد الحضاري ضمن دائرة الثقافة السائدة أو المسيطرة. لهذا تعتمد إدارة تغيير تلك النظرة الإنسانية لأي معطى من معطيات الحياة في الدرجة الأولى، على إحداث التغيير في أحد أو كل من تلك المكونات الرئيسة للإطار الفكري! فلا تذهب الإدارة الحديثة للتغيير مباشرة لتغيير الصورة، قبل أن تقوم بتغيير العدسة التي ينظر المرء من خلالها! بمعنى أن ما تراه من خلال عدسة حمراء على سبيل المثال لن تراه بلون آخر إلا إذا قمت بتغيير لون تلك العدسة، وتلك هي الخطوة الأولى المهمة في عملية التغيير.

الخطوة الثانية وهي الأهم مقارنة بالخطوتين الأولى والثالثة، التي تعنى بالإجابة عن السؤال المحوري: ما المكونات الجديدة للمحدد الذي قمت بتغييره؟ وكيف تم اختياره؟ ذلك هو الجهد الكبير والمعقد الذي يعتمد عليه نجاح عملية التغيير برمتها بصورة تكاد تقترب إلى نسبة الـ 100 في المائة. قد تشعرك عملية التغيير بأنك تقدمت إلى الأمام، بينما في واقع الحال لا أقل من أنك قد تقدمت خطوة إلى الأمام من جانب هامشي، في حين قد تكون تراجعت في مجالات أخرى أساسية أهملتها، دون علم أو لنقص الخبرة، ألف خطوة أو تزيد إلى الخلف، لتصبح بعدها في موقع أكثر انتكاسة وخسارة مما لو بقيت دون تغيير!

الخطوة الثالثة والأخيرة، هي استمرار عملية التحديث للمفردات المتغيرة دون الثوابت في صلب تشكيل تلك المحددات الثلاثة الرئيسة، دون الخوض الذي يطول التفكير فيه فيما هو ثابت ومتغير من مكونات تلك المحددات. لعل القارئ الكريم قد اقتنع تماما بعد كل ما تقدم أن تحفيز النفس ومن ثم الأداء لن يتأتى إلا بتغيير مكوناتها من الداخل، وأن هذا بدوره أيضا لن يتحقق إلا بتوافر الرغبة الحقيقية لدى المرء بفعل كل ذلك.

نعم قد يواجه المرء كثيرا من المحبطات والمؤثرات المضادة، وهو ما يجب ألا تثنيه تلك المقاومات عن تحقيقه لأهداف مهما كان حجمها وقوتها، وإن عجز تماما عن تخطيها، ألا يبقى مكتوف اليدين، بل يبحث عن بدائل وخيارات أخرى حتى يجد السلم الذي يصعد من خلاله إلى الأعلى. ولا ينسى هنا دور الأخوة والأصدقاء، ولن يكون المرء أخا كان أو صديقا أو زميلا أحوج ما يكون إليك في مثل هذه الظروف، ما يتطلب من الوقوف معهم بعونهم بالنصيحة والفكرة والرأي السديد قبل المال، بل إن حتى كل ما تقدم ذكره والإشارة إليه، قد تجد أغلب من هم واقعون في تلك المشاكل والتحديات الجسيمة، إما أنهم لم يعلموا بها أصلا ولا بطريقة الخروج والنجاة من ورطاتها، وإما أنهم غير قادرين على فهمها والاستفادة منها، وهنا يأتي دور الأخ والصديق! فلا تبخل على من هم حولك بالوقوف معهم ومساندتهم مهما كلفك الأمر، ولتعلم يقينا أن موقفك ذلك جزء رئيس من المسؤوليات الملقاة على عاتقك وأنت تتقدم في حياتك. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/08/article_971813.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.