سوق العمل المحلية “نطاقات 3″

يؤمل أن يثمر الإعلان الذي صدر أخيرا عن وزارة العمل بحسب تصريح نائب وزيرها، بمراجعة وتعديل برامج التوطين التي اعتمدتها في أوقات سابقة، عن رؤية جديدة وشاملة تجاه تحديات التوظيف والتوطين، تحمل في طيّاتها حلولا فاعلة ومجدية، وأن ينتج عنها دفعا حقيقيا لمعدلات التوطين، تتجاوز من خلالها ورطات التوظيف الوهمي، وتسهم في تحسين مستويات الإنتاجية.

تضمن التصريح توجه وزارة العمل نحو إعادة دراسة سوق العمل، لمراجعة وتعديل قرارات أصدرتها في وقت سابق تتعلق بـ”نطاقات3″، وفقا لعمليات تحليل العرض والطلب، التي تم أخذها بالاعتبار من خلال القرار المزمع تطبيقه المتمثل في “تعديل معدلات التوطين/النسب المئوية”، مستهدفا إعادة احتساب نسب التوطين المطلوبة في الأنشطة الاقتصادية، بالرجوع إلى نتائج عدد من المعايير الإحصائية التي تدرس على مدى طويل لقياس أداء السوق في التوظيف والتوطين، وأعداد الباحثين عن عمل ومؤهلاتهم من الجنسين، ونتائج التوطين السابقة بمختلف الأنشطة.

إنه توجه جيد للوزارة أن تعيد قراءة وتحليل ما نتج عن برامجها السابقة من نتائج على المستويات كافة، ومؤشر حقيقي على الرغبة الحقيقية في تجاوز كل ما تم تحقيقه سابقا، وفي الوقت ذاته معالجة أي آثار سلبية تكون قد نتجت عن البرامج والقرارات والإجراءات السابقة، وهو الأمر الذي سيقف جميع المهتمين والمختصين مع وزارة العمل لأجل تحقيقه. الكاتب بدوره هنا يقف مع هذه التوجهات الشجاعة للوزارة، مبتدئا باستعراض أهم النتائج والآثار التي ترتبت على ما مضى من برامج، ثم تحديد الأطر المثلى لتصميم الرؤية الشاملة والمنصفة تجاه سوق العمل المحلية، ومحاولة توظيف تحولاتها في مصلحة الاقتصاد الوطني، وفي الوقت ذاته تكييف سوق العمل مع التحولات الهيكلية للاقتصاد الوطني خلال الفترة المستقبلية المقبلة، وهو ما سيتم التركيز عليه طوال مقالات هذا الأسبوع.

قد يكون من أهم النتائج والآثار التي تم الخروج بها من كل ما تقدم إجراؤه على سوق العمل المحلية، ما يلي: أولا: أن القطاع الخاص غير قادر على حل مشكلة البطالة في المملكة، حيث إن أغلب الوظائف فيه وظائف غير ماهرة، بينما العمالة الوطنية عمالة ماهرة! وذلك لسببين رئيسين: (1) أغلب الوظائف التي يوفرها القطاع الخاص وظائف غير ماهرة، ولا تتطلب مستوى تعليميا مرتفعا، أضعف بدوره كثيراً من نجاح فكرة إحلال العمالة الوافدة مكان العمالة الوطنية، واستيعاب الأيدي العاملة الوطنية؛ لأن أغلب العمالة الوطنية عمالة ماهرة، وكون أغلب العاطلين عن العمل من حملة الشهادات الجامعية. (2) يعود إلى أن مجالات وفرص العمل في القطاع الخاص محدودة بالنسبة للإناث، حيث إن 88 في المائة من الداخلين الجدد في سوق العمل في القطاع الخاص في عام 2014 من الذكور، بينما لم يمثل الإناث سوى 12 في المائة، في حين أن معدل البطالة الأكبر لدى الإناث، حيث يبلغ نحو 32.8 في المائة.

ثانيا: استمرار ارتفاع معدل البطالة في الارتفاع، وتحديدا بين فئات الشباب على مستوى فئات الأعمار، ولدى الفتيات على مستوى الجنسين، حيث ارتفع معدل البطالة للسعوديين بنهاية 2014 (حسب آخر تحديث لبيانات سوق العمل المحلية) إلى نحو 19.3 في المائة (عاشر أعلى معدل بطالة عالميا)، وبلغ للذكور السعوديين نحو 12.2 في المائة، وللإناث السعوديات نحو 31.2 في المائة (أعلى معدل بطالة للنساء حول العالم).

ثالثا: استمرار الاعتماد على العمالة الوافدة بالنسبة للقطاع الخاص بصورة أكبر مما مضى، حيث زادت معدلات الاستقدام خلال السنوات الأخيرة بمعدلات أعلى بكثير قبل أن يبدأ اعتماد برامج التوطين الأخيرة، رفعت أعدادهم من 6.3 مليون عامل وافد في القطاع الخاص نهاية 2010، إلى أن بلغوا نحو 8.5 مليون عامل وافد بنهاية 2014، خدمه دون شك عدد من الاختلالات التي حملتها تلك البرامج، سبق الحديث عنها في أكثر من مقام! كان من أخطرها نجاح وقدرة القطاع الخاص على تجاوز اشتراطات تلك البرامج بسرعة خاطفة، والفوز من ثم بمكافأة منحه مزيدا من تأشيرات العمالة! ولعل إلقاء نظرة عاجلة على التقلص السريع لنسبة المنشآت في النطاق الأحمر خلال أقل من 3 سنوات، من 48.7 في المائة بنهاية 2011 إلى 25.6 في المائة بنهاية 2012، ثم إلى 6.8 في المائة بنهاية 2013، مقابل ارتفاعها للفترة نفسها للنطاق الأخضر من 32.4 في المائة بنهاية 2011، إلى 55.3 في المائة بنهاية 2012، ثم إلى 79.5 في المائة بنهاية 2013، كان السبب الرئيس وراء هذه التغيرات السريعة تفاقم ما اصطلح على تسميته بالتوظيف الوهمي (كما سيتضح في الفقرة التالية)، الذي منح بدوره مزيدا من فرص الاستقدام بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص.

رابعا: كان التوظيف الوهمي أحد أخطر الانحرافات التي تفجرت في القطاع الخاص طوال الفترة بين 2011 – 2014، فهو كان حلا سهلا بالنسبة لمنشآت القطاع الخاص (الذي أثبتت دراسات وزارة التخطيط والاقتصاد أن أغلبها غير كفء من الأصل لتوظيف العمالة الوطنية، والمساهمة من ثم في معالجة البطالة). فما الخطورة التي حملها التوظيف الوهمي إلى سوق العمل والاقتصاد الوطني؟ لعل أكثرها خطراً الأمران التاليان: (1) أنه فتح فرص التوظيف للأقل أهلية وتعليما على حساب الأعلى تأهيلا وتعليما من المواطنين، وبأدنى الأجور الممكنة. (2) أنه أدى إلى زيادة قدرة المنشآت على الاستقدام، فكلما نجحت المنشآت في سلم نطاقات، حظيت بفرص أكبر من حيث منحها تأشيرات الاستقدام!

خامسا: بالنسبة لعدم مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات وظائف القطاع الخاص، يكفي أن تكتشف مفاجأة أن نحو 90.0 في المائة من وظائف القطاع الخاص لا تتجاوز مؤهلاتها الشهادة المتوسطة، في المقابل تجد أنّ العاطلين السعوديين والسعوديات من حملة الشهادة الثانوية فأعلى تتجاوز نسبتهم 91.5 في المائة من الإجمالي، ونحو 59.0 في المائة منهم حملة دبلوم فأعلى، ونحو 49.0 في المائة منهم من حملة شهادة البكالوريوس فأعلى! وأستكمل في المقالات القادمة بقية الحديث. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/11/article_972695.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.