منظومة إدارة سوق العمل المحلية “1 من 2″

امتدادا للحديث عن توجهات وزارة العمل بإعادة مراجعة وتعديل برامجها السابقة للتوطين، التي غطى المقال السابق بعض آثارها، التي خلفتها وراءها طوال الأربعة أعوام ونصف العام الماضية. خلاصة القول في هذا الشأن؛ إن على وزارة العمل تبني رؤية أخرى تجاه تحديات سوق العمل المحلية، تتسم بأهم السمات التالية: (1) أن تكون أكثر شمولية تجاه الاقتصاد الوطني بصورة عامة، وليس فقط تجاه سوق العمل، وهو ما سيحدث فارقا كبيرا على مستوى السياسات والإجراءات التي ستنتهجها الوزارة وبقية الأجهزة الحكومية المعنية إذا تطلب الأمر، تجاه السوق والمنشآت والأفراد ذوي العلاقة كافة، وكذلك الأداء والنتائج لاحقا.

فما حدث خلال الفترة الماضية؛ تمحور حول تعامل وزارة العمل منفردة مع تشوهات سوق العمل المحلية، دون النظر أو الأخذ بعين الاعتبار “المصادر الرئيسة” لتلك التشوهات التي تسربت إلى سوق العمل، وتغلغلت في مختلف أرجائه، ويكفي القول هنا إنه مهما بذلت وزارة العمل أو غيرها للقضاء على كل إفرازات التشوهات الرئيسة، دون المساس بأي من تلك المصادر الرئيسة للإفرازات، فإنك ستظل تدور في حلقة مفرغة لزمن طويل جدا، وما قد تعتقد أنه منجز أو تقدم ستكتشف لاحقا أنه كان شعورا مزيفا بالكامل، بل إن ذلك الشعور المزيف بالإنجاز قد تسبب في توريطك في المضي قدما في عملك الهامشي، والاستمرار على طريقه الخاطئ، وهو ما يحقق قبل أي اعتبار آخر المصلحة والغرض اللازمين لديمومة التشوهات الرئيسة.

(2) تقتضي ترجمة السمة الأولى المشار إليها أعلاه؛ أن تتشكل منظومة عمل واسعة تضم الأجهزة الحكومية المعنية (في مقدمتها وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للاستثمار)، ومنشآت القطاع الخاص ممثلة في الغرف التجارية والصناعية، وهو التوجه الصائب الذي عبر عنه وزير العمل أخيرا في أكثر من مقام، بأن سياسات وبرامج التوطين ستنطلق مستقبلا من رؤى أكثر شمولية، وأنه والعاملين معه في وزارته على قدر كاف من الشجاعة للاعتراف بأية أخطاء قد تكون حدثت سابقا، والعدول عنها وتجاوزها بثقة أكبر، وجرأة أقوى لمواجهة أية تحديات قائمة في سوق العمل.

سيكون مفيدا جدا أن تبدأ نظرة منظومة العمل الحكومية والأهلية للاقتصاد الوطني وسوق العمل، من منظور أعلى معتمدة على التبويب الرئيس للاقتصاد الوطني حسب أنشطته الثلاثة الرئيسة (1) نشـاط الزراعة (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 1.8 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 1.1 في المائة، معدل التوطين 2.6 في المائة)، ويشـمل: الزراعـة والصيد والغابات وصيد الأســمـاك. (2) نشـاط الصـناعـة (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 58.2 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 52.6 في المائة، معدل التوطين 13.6 في المائة)، ويشـمل: التـعـدين واســتـغـلال المحـاجـر، والصنــاعــات التحويلـية، والـكـــهربـاء والـغــاز، والمـياه، والتشـيـيـد والبـناء. (3) نشاط الخدمات (بيانات 2014: مساهمته في الاقتصاد 40.1 في المائة، حصته من العمالة الوطنية 46.3 في المائة، معدل التوطين 21.1 في المائة)، ويشمل: تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية. ويستمر في التدرج هبوطا حسب ذلك التبويب حتى يصل إلى أدنى مستوى تحليلي، مع الأخذ في الاعتبار النشاطات الجزئية المكونة لتلك النشاطات الثلاثة الرئيسة.

ينبغي لمنظومة العمل أعلاه العمل بصورة متكاملة على العمل على توسعة وتعزيز نشاط الخدمات، عبر توسعة وزيادة الاستثمارات في مختلف أنشطته الفرعية، والعمل كذلك على فتح المنافسة في رحابه الواسعة، ذلك أن هذا النشاط يعد من أكثر الأنشطة الاقتصادية الحاضنة لأشكال الاحتكار على العكس من المنافسة، الذي أدى بدوره إلى بقاء نسبة مساهمته في الاقتصاد الوطني دون 40.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. كل ذلك بدوره سيسهم في زيادة وإيجاد المزيد من آلاف الفرص الوظيفية الملائمة والكريمة للمواطنين والمواطنات، ويكفي أن تركز هنا على بعض النشاطات الفرعية لنشاط الخدمات كخدمات المال والتأمين (مصارف تجارية، شركات تأمين)، اللذين يعاني كل منهما تشوهات هيكلية تسبق توطين الوظائف من عدمه! فالمصارف التجارية نشاط يعاني منذ فترة طويلة جدا ارتفاع درجة تركزه الشديدة (الاحتكار)، ورغم ارتفاع معدل ربحه لرأس المال لدرجة وضعته في أعلى سلم مؤشرات الربحية على مستوى القطاعات المالية عالميا (كان أحد أسباب ارتفاع الربحية سيطرة أشكال الاحتكار، وضعف المنافسة)، أقول على الرغم من كل ما تقدم من أرباح مرتفعة، إلا أن مساهمة هذا النشاط في القيمة المضافة للاقتصاد لا تكاد تصل إلى 2.5 – 3.0 في المائة، على الرغم من تجاوز موجوداته سقف تريليوني ريال، ولا يتجاوز عدد العمالة فيه 47.6 ألف عامل سعودي وغير سعودي (0.47 في المائة من إجمالي عدد العمالة في القطاع الخاص).

أما بالنسبة لنشاط التأمين، نظرا لحداثة تجربته محليا التي لا تتجاوز العقد من الزمن، وعلى الرغم من تسارع تطورات تنظيم النشاط خلال العقد الماضي، ما منحه القدرة على الارتفاع بدرجة عمق التأمين في الاقتصاد الوطني إلى 1.08 في المائة بنهاية 2014، والتطلع أن يتخطى تلك الدرجة إلى المعدلات العالمية التي تصل مضاعفاتها إلى ما بين 7 و8 أضعاف حجم سوق التأمين الراهن. هذا بدوره يفسح المجال بصورة كبيرة أمام عشرات الآلاف من الفرص الوظيفية الجيدة جدا من حيث مستوى الدخل أو جانبها اللائق والمؤهل بالنسبة للعامل المواطن. بالنظر إلى الوظائف بنشاط التأمين ستجد شبه سيطرة تامة للعمالة الوافدة في مستوياته القيادية والتنفيذية العليا، وهو ما يعني أن النشاط الموعود بالنمو والتوسع المالي والاقتصادي، سيجير أغلب مكاسبه في وقت مبكر لمصلحة تلك العمالة الوافدة (للعلم تتشكل من جنسيتين إلى ثلاث جنسيات على أبعد تقدير).

لنتجاوز المثالين السابقين أعلاه، اللذين حضرا ليؤكدا أهمية رفع مساهمة نشاط الخدمات في الاقتصاد (المتوسط الأمثل بالنسبة للاقتصادات المشابهة تراوح بين 75 و85 في المائة)، وللعلم فإن ارتفاع نسبة نشاط الخدمات في الاقتصاد وديمومة ارتفاع تلك النسبة، تبين للمختصين والمراقبين مدى قرب الاقتصاد من التحول لاقتصاد المعرفة من عدمه، واستقرارنا حتى نهاية العام الماضي عند 40.1 في المائة تدلل على ابتعادنا كثيرا حتى الآن عن تحقق هذا التحول! إلا أن الأهم في الوقت الراهن بالنسبة لوزارة العمل، أن تكتشف المدخل الأسلم ونقطة البداية الصحيحة نحو تحقيق الهدفين التنمويين، بالتكامل في الجهود مع بقية الأجهزة المعنية: (1) تحسين ورفع كفاءة الأداء الاقتصادي، ورفع درجة التنوع الإنتاجي المحلي. (2) إيجاد المزيد من الوظائف اللائقة والمنتجة لتلبية الطلبات المتنامية عليها من قبل خريجي التعليم العام والفني والعالي. وأستكمل الحديث في المقال المقبل بمشيئة الله. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/13/article_973114.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.