إلى وزير الإسكان “2 من 2″

أكمل ما بدأته في الجزء الأول من المقال الموجه إلى وزير الإسكان، مؤكدا على ما انتهى إليه بالضرورة القصوى، أن المهمة الأولى والرئيسة الواجبة على الوزير الجديد تتلخص في سرعة إقرار آليات الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، التي وافق عليها مجلس الوزراء بناء على توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بتاريخ 23 آذار (مارس) 2015، ورفع ما يتم التوصل إليه إلى مجلس الوزراء، تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشورى لاستكمال الإجراءات النظامية في هذا الشأن بشكل عاجل.

إنها الخطوة التي لا تتجاوز أهميتها في مواجهة أزمة الإسكان المحلية أي خطوة أخرى، وهي الخطوة الأولى والأقوى في مواجهة السبب الرئيس لافتعال تلك الأزمة التنموية غير المبررة على الإطلاق، فالهدف الرئيس من فرض الرسوم يتلخص في رفع تكلفة احتكار واكتناز الأراضي، وللحد من الاحتفاظ بها فترات زمنية طويلة كمخزونات قيمة لا يقابلها تحمل أي أعباء مالية على ملاكها، ولرفع مستوى الاستفادة من الإنفاق الحكومي الهائل على البنى التحتية، وتوظيفه للهدف الذي لأجله تم تنفيذ تلك المشروعات التنموية، عوضا عن ترجمته كزيادات سعرية مبالغ فيها لمصلحة محتكري الأراضي.

ولزيادة فعالية آليات الرسوم على الأراضي، يقترح ضمن المقترح الأول: (1) أن تبنى تكلفة الرسوم على الأراضي على (نسبة) من قيمة قطعة الأرض التي تنطبق عليها الشروط، ترتبط بالمعدل المتغير للفائدة على الريال السعودي، فتتحدد (نسبة الرسوم) بما لا يقل عن خمسة أضعاف معدل الفائدة على الريال في مستوياتها المتدنية، وبما لا يتجاوز ثلاثة أضعافها في مستوياتها المرتفعة. (2) حيث إن معدل الفائدة على الريال متغير على الدوام، فيتم احتساب تكلفة الرسوم بصورة يومية وفقا لمضاعفها المحدد، يبدأ احتسابها من أول يوم يشعر فيه المالك ببدء احتساب الرسوم عليها بناء على آخر قيمة أو تثمين للأرض أيهما أكبر، ويتم تحصيلها منه قبل نهاية العام المالي الجاري، أو حتى البدء الفعلي بتنفيذ البناء والتطوير بموجب تصريح البناء (لا عند تاريخ حصوله على التصريح منعا للتلاعب والتهرب)، أو حتى تاريخ بيعه الأرض إلى مالك آخر، الذي سيكمل بدوره تحمل تكلفة الرسوم بناء على قيمة الأرض وفقا لأعلى تثمين وصلت إليه، لا بناء على قيمة بيعها الأخير إذا جاء أدنى من التثمين، منعا للتلاعب وتحفيزا لتطويرها واستصلاحها بأسرع وقت. هذا يعني أن تكلفة رسوم الأرض سيتحملها كل من يمتلكها حتى إن كان يوما واحدا فقط.

المقترح الثاني: أن تعمل وزارة الإسكان بحكم إشرافها على عمل صندوق التنمية العقارية، وفي طور مساعيها لتحويله إلى بنك للإسكان على تبني التوجهات الآتية: (1) أن يتم العمل بالتوازي مع جهود الدولة لخفض الأسعار المتضخمة للأراضي، على الخفض التدريجي لقروض الإسكان من 500 ألف ريال إلى 300 ألف ريال خلال السنوات الثلاث المقبلة، ثم خفضه إلى 100 ألف ريال، ذلك أن زيادة القروض لم ينتج عنها سوى زيادة تضخم الأسعار، وزيادة أعباء القروض على المواطنين، وكون السبب الرئيس وراء تفاقم الأزمة الإسكانية محليا كما أثبتته التطورات والبيانات الرسمية ناتجا عن اتساع أشكال احتكار الأراضي بمساحات شاسعة، ومن ثم زيادة المضاربات على المتاح المحدود منها للتداول بيعا وشراء، وأن مشكلة التمويل ليست سوى “نتيجة” للأزمة الإسكانية، بل لقد أدت الزيادة المطردة للقروض على كاهل المواطنين الباحثين عن سكن، إلى زيادة اشتعال الأسعار أكثر مما مضى! ولن يوقف متوالية ارتفاع الأسعار كأحد القرارات المساندة لقرار فرض الرسوم على الأراضي، إلا أن تبادر وزارة الإسكان بخفض حجم قروض الإسكان، إطفاء لفوران الأسعار المتضخمة، وخفضا لأعباء القروض على المواطنين، الذي يلقي بدوره عدم الحاجة لتلك القروض الكبيرة جدا مع تحقق أهداف الدولة بخفض الأسعار المتضخمة للأراضي والمساكن في المستقبل.

(2) أن يزداد تخصيص قروض الاستثمار لمصلحة ملاك الأراضي والمطورين والمستثمرين في النشاط العقاري، وتوسع صندوق التنمية العقارية “بنك الإسكان مستقبلا” في منح تلك القروض للمستفيدين منها، مع زيادة حدودها القصوى بالنسبة للمستثمرين الأفراد من 15 مليون ريال إلى 75 مليون ريال بحد أقصى، وزيادتها للمؤسسات والشركات من 30 مليون ريال إلى 300 مليون ريال بحد أقصى، الذي بدوره سيحفز أكثر ملاك الأراضي، ويسهم في زيادة المنافسة لتوفير المساكن بأسعار مناسبة للمستفيدين، وأن يتم رفع نسبة القرض من تكلفة المشروع من 50 في المائة إلى 75 في المائة في المدن والمناطق التي تعاني أكثر من غيرها آثار الأزمة الإسكانية.

سيكون لهذا التحول المطلوب في سياسة إقراض صندوق التنمية العقارية عديد من المزايا، لعل من أبرزها نقل عبء تحمل القروض من المواطنين إلى الأطراف المتسببة في الأزمة، ووضعها في قناة ذات اتجاه واحد لا مفر منه؛ يحدها من أعلى أداة الرسوم على الأراضي، ويحفزها من الأدنى أداة قروض الاستثمار لإحياء الأراضي وتطويرها، لتخرج في نهاية القناة منتجات إسكانية متنوعة الأحجام، تلبي احتياجات السكان، وفي الوقت ذاته تكون بأسعار مناسبة وملائمة لمستويات دخل الأفراد.

وهو الطريق الذي سيمهد مستقبلا لنهوض وتطور نشاط التطوير العقاري، بما يمكن من وجود مؤسسات وشركات تطوير عقاري أكثر عددا، وأعلى تأهيلا وكفاءة، ويفتح المجال بصورة أوسع لإيجاد شركات تطوير عقاري كبيرة الحجم، يمكنها مستقبلا تحمل مسؤولية تلبية احتياجات الاقتصاد والمجتمع من المنتجات العقارية المختلفة سكنيا وتجاريا.

المقترح الثالث: تأسيس لجان عليا للإسكان بحسب المناطق الإدارية الـ13 في البلاد، يترأسها أمراء المناطق، وتتشكل عضويتها من كل الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، في مقدمتها الهيئات العليا لتطوير المدن إن توافرت، وذلك لاختلاف التحديات وأشكال الأزمة مناطقيا، ولمنحها مزيدا من الاستقلالية والمرونة في وضع الإجراءات اللازمة لمواجهة أزمة الإسكان وفقا لظروف كل منطقة إدارية، عدا أن تفويض جهات تمتلك الصلاحيات بصورة أكبر كإمارات المناطق، سيسهم كثيرا في الحد من الأزمة، وتخفيف الضغوط على الأجهزة الحكومية، وسيوجد منظومة عمل تكاملية بينها، يتسم أداؤها بفاعلية أكبر وكفاءة أعلى وإنجاز أسرع.

المقترح الرابع: تحويل أكبر قدر ممكن من الأراضي الملغاة صكوكها والمستردة لدى وزارة العدل إلى وزارة الإسكان (وصل إجمالي مساحتها حتى منتصف 2015 إلى 2.1 مليار متر مربع)، ما سيوفر بدوره مخزونا كبيرا من مساحات الأراضي.

المقترح الخامس: تمويل موارد صندوق التنمية العقارية “بنك الإسكان مستقبلا” من متحصلات الرسوم على الأراضي البيضاء، عوضا عن تحمل الدولة تلك التكاليف، مع إمكانية إعادة النظر مستقبلا في (لائحة قروض الاستثمار)، ليعاد تصميم برامجها الإقراضية، وتحويلها إلى قروض مرابحة مع المستثمرين، يتحقق لها العائد المناسب، وبما لا يخل بقواعد المنافسة مع مؤسسات التمويل العقاري في القطاع الخاص.

المقترح السادس: تمويل مشروعات إسكان الشرائح الاجتماعية المحدودة الدخل، من متحصلات الزكاة على الأراضي والعقارات المدرة، بالتنسيق المستمر بين كل من وزارات المالية والإسكان والشؤون الاجتماعية. المقترح السابع: استرداد أراضي المنح ذات المساحات الشاسعة، التي لم يتم تطويرها، وإحياؤها وإعادة توجيهها أيضا إلى وزارة الإسكان، مقابل منح ملاكها فترة زمنية محددة النهاية بتطويرها وإحيائها، أو تنفيذ الاسترداد. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/07/22/article_975188.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.