عند الاستقدام تنكشف الأوهام

أخذت مشكلات الاستقدام تتصاعد شهرا بعد شهر طوال الأعوام الأخيرة، وتفاقمت بصورة خرجت عن السيطرة تماما خلال الفترة 2011-2015، وهي الفترة التي شهدت من إقرار الأنظمة والبرامج والإجراءات ما لم تشهده سوق العمل طوال أربعة عقود سبقتها!

لتتأكد من جدوى أي أنظمة أو إجراءات يتخذها أي جهاز حكومي، فإن اتجاه بيئة العمل نحو التسهيل أو التعقيد يأتي أحد أول تلك المؤشرات على جدواها من عدمه! وفي خصوص الاستقدام تحديدا، تأكد للجميع ما لا يمكن لأي آلة إعلامية مهما بلغت قوتها أن تلجم تفجر فواجعها، التي دفع ثمن تكلفتها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء. يظن الكثير أن أزمة الاستقدام بكل تفرعاتها، ولعل أكثرها اشتعالا في الوقت الراهن ما يتعلق بالعمالة المنزلية، أقول يظن الكثير أن مصدرها أتى من تشتت التنظيم وسوء الإدارة الصادر عن كل من وزارة العمل واللجنة الوطنية للاستقدام فقط، والحقيقة أنه يوجد طرف ثالث لم يسلط عليه الضوء ممثلا في مجلس حماية المنافسة!

فما نتج عن تسلط اللجنة الوطنية للاستقدام، وتشتت جهود وزارة العمل إلى أن وصلت بها إلى حدود شبه الغياب تقريبا، تاركة للجنة الوطنية الخيط والمخيط، ولكن في خضم هذه الفوضى تشكلت سيطرة شبه تامة سوق العمل من قبل شركات الاستقدام العملاقة التي ولدتها الأنظمة الجديدة لوزارة العمل، هنا يبرز الخلل الخطير لغياب مجلس حماية المنافسة، وكيف أنه سمح لمجموعة شركات محدودة جدا بالسيطرة على نشاط الاستقدام الضخم، ولتتأكد من الآثار الخطيرة لتلك الفوضى التي خلفتها تلك الأطراف الثلاثة، سأستعرض مع القارئ الكريم على عجل الصورة رقميا، ليتأكد لديه المنظور الدقيق لهذه الأزمة المفتعلة، أو بمعنى أدق أنها الأزمة الناتجة عن سوء الإدارة والتنسيق والتقصير بين مختلف تلك الجهات (وزارة العمل، مجلس حماية المنافسة، اللجنة الوطنية للاستقدام).

كان لافتا أن تتصاعد أعداد التأشيرات والاستقدام خلال الفترة 2011-2014 بصورة لم يسبق لها مثيل، وفي الوقت ذاته أن ترتفع تكلفة الاستقدام (خاصةً العمالة المنزلية) بأكثر من خمسة أضعاف تكلفتها، مقارنة بما قبل تلك الفترة! حيث تجاوزت أعداد العمالة التي تم استقدامها خلال تلك الفترة سقف 8.3 مليون عامل وعاملة (نحو 46.1 في المائة من إجمالي العمالة التي تم استقدامها خلال 2004-2014)، وصلت حصة منشآت القطاع الخاص منها إلى 4.9 مليون عامل وعاملة (نحو 57.4 في المائة من إجمالي الفترة 2011-2014)، بينما بلغت بالنسبة للعمالة المنزلية نحو 2.9 مليون عامل وعاملة (نحو 34.6 في المائة من إجمالي الفترة 2011-2014). ولك أن تتخيل حجم العوائد المالية الداخلة على شركات الاستقدام العملاقة المحدودة العدد خلال تلك الفترة، خاصة مع ارتفاع فاتورة الاستقدام بصورة باهظة جدا، لا شك أنها تعني عشرات المليارات من الريالات المتحصلة لحفنة شركات قليلة العدد، دع عنك أن تلك الشركات الجديدة للاستقدام قد دهست بأقدامها الضخمة كل أشكال المنافسة مع بقية مكاتب وشركات الاستقدام الصغرى، كل ذلك تم تحت نظر ومرأى الجهات الثلاث المشار إليها أعلاه.

ليست أزمة الاستقدام الأخيرة، وما سبقها من أزمات في مواقع أخرى من بيئة سوق العمل المحلية إلا نتيجة متوقعة، سبق أن وضعتها في الحسبان استراتيجية التوظيف السعودية في حال لم يتم الالتزام بها، أفرزت عديدا من التحديات والأزمات كما نشاهد في الوقت الراهن. وليس تدخل بعض الجهات الرسمية في اتخاذ عدد من الحلول أو القرارات (المنقذة آنيا) إلا تخديرا مؤقتا لأوجاع الأزمة الأكبر، سرعان ما سيذهب أثره الموضعي بعد حين زمني قصير جدا، بل إنه سيمهد في الأجل المتوسط لصعود أو انكشاف آثار بقية الأزمات المرتقبة نتيجة الابتعاد عن تنفيذ استراتيجية التوظيف السعودية، ونتيجة غياب التنسيق والعمل المشترك بين الجهات الحكومية والأهلية ذات العلاقة.

لطالما طالب الكاتب وغيره من المهتمين بضرورة إعادة النظر في مختلف برامج التوطين، وضرورة تقييم نتائجها قبل أن تتفاقم آثارها السلبية، إلا أن أيا من تلك المطالبات ذهبت أدراج الرياح! وما حدث فقط أن صدرت -وما زال العمل بهذه الآلية المؤقتة نافذا حتى تاريخه- قرارات وإجراءات تزعم في ظاهرها أنها تطويرية وهي في حقيقتها إلغاء حقيقي لما سبق أن تم اتخاذه من قرارات وبرامج وإجراءات، والنتيجة النهائية؛ أن بيئة العمل المحلية مرحلة بعد مرحلة تشاهدها تغوص في عشوائية أكبر مما سبق، وحلول آنية لمجرد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها في جوانب أخرى تتسبب في خلق مصادر لأزمات أخرى لم تكن في الحسبان، وهذه نتائج طبيعية ومتوقعة تحت مثل هذه الآليات من العمل المشتتة الأهداف والتنسيق والإدارة، ولا غرابة على الإطلاق أن ترى آثارها الوخيمة تتفجر من وقت إلى آخر.

الحلول المؤقتة لأي اختلالات في السياسات والبرامج مهما كان نوعها، ليست على الإطلاق المخرج السليم والصحيح من نفق تلك الأخطاء الناتجة عن العمل بتلك السياسات، بقدر ما أنها في الحقيقة ستكون منفذا جديدا لأزمات جديدة محتملة في المستقبل القريب، والنهج الأسلم والأقل تكلفة في مثل تلك الحالات، محصور فقط في إعادة تصميم وبناء السياسات والبرامج، بناء على نتائج إعادة تقييم ومراجعة المعمول به منها في الوقت الراهن! وإنه من المستغرب جدا؛ أن كل تلك الجهات المعنية قد ثبت لديها بما لا يدع مجالا للشك عدم جدوى تلك البرامج والسياسات والإجراءات، بل إنه من اللافت أن تكتشف تحول عديد منها إلى مسببات لأزمات حقيقية، يدفع ثمنها الباهظ كل من الاقتصاد الوطني وأفراد المجتمع ومنشآت القطاع الخاص على حد سواء، ثم لا تجد اعترافا شجاعا بتلك الورطات، بل تجد أنماطا من الالتفاف المكشوف إفلاسه على ما تم اعتماده من قبل ذات الأطراف نفسها، لتدعي لاحقا فيما يشبه بقرارات (الترقيع) أنها قرارات وإجراءات تطويرية لما سبق اعتماده! وفي هذه الحالة لا غرابة أبدا أن تصطدم بيئة الأعمال المحلية والمجتمع بمثل هذه الأزمات والآثار السلبية.

قد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام تلك الجهات المذكورة أعلاه (وزارة العمل، مجلس حماية المنافسة، اللجنة الوطنية للاستقدام)، مضافة إليها وزارتا الاقتصاد والتخطيط والتجارة والصناعة، لتجتمع حول طاولة واحدة، يتم خلالها إعادة تقييم كل ما سبق إقراره خلال الفترة 2011-2014 من برامج وقرارات وسياسات، ومراجعة ما تم إغفاله تجاه عديد من الجوانب لعل من أهمها: إضعاف المنافسة المحلية، تهميش دور العمالة الوطنية، إهمال تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ارتفاع تكلفة بيئة الأعمال، وغيرها من المحاور التي خلّف قصور التنسيق والعمل تجاهها ما نراه اليوم من أزمات وتشوهات. هل سنرى أيا من هذا يتحقق قبل فوات الأوان؟ أم يستمر بالحلول المخدرة الموضعية المؤقتة؟ نتمنى جميعا أن نرى الخيار الأول، رغم خشيتنا جميعا من استمرار منطق الخيار الثاني. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/05/16/article_958062.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.