أقوى آليات الرسوم على الأراضي البيضاء

أدركت وتدرك الدولة بإقرارها فرض الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، عددا من الاعتبارات المهمة جدا، التي لم تقدم على إعلان الموافقة على تلك الرسوم إلا وهي مقترنة بعزم وحزم على تحصينها بالقوة والنفاذ اللازمين، وأن تتحقق من خلالها الأهداف المنشودة من إقرارها، لعل من أهمها على الإطلاق أن تنخفض أسعار الأصول العقارية على اختلاف أنواعها، لتعود إلى مستوياتها العادلة جدا، لتعود ضمن حدود مقدرة ودخل المواطنين، ولتعود ضمن القنوات التي تعزز من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا كما هي عليه في الوقت الراهن متمردة على الاقتصاد الوطني، متورطة بفقاعتها السعرية الهائلة في امتصاص مقدرات البلاد والعباد، وفي توريطهما بواحدة من أخطر وأعنف الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي يتحاشى مواجهتها كافة بلدان العالم المعاصر على اختلاف ظروف تلك البلدان، فما بالك وأنت تتحدث عن الاقتصاد السعودي كأحد أعضاء مجموعة أكبر عشرين اقتصادا في العالم؟!

لقد غابت تلك الاعتبارات المهمة عن أذهان وإدراك تجار العقار والمضاربين والسماسرة على حد سواء، ولعلها (صدمة) القرار التي لم يكونوا يتوقعونه أبدا، وهو ما يفسر كثيرا حالة الاضطراب والتذبذب والتخبط وحتى التعارض التي طغت على تصريحاتهم التي تلت صدور القرار، على أن (صدمة) الآليات حال إعلانها ستأتي أكبر بالنسبة إليهم، كونهم لم يمنحوا أنفسهم أي فرصة لاستيعاب تلك الاعتبارات، ولا حتى فهم وإدراك توجهات وأهداف الدولة الساعية لتنظيم السوق العقارية، وأنها تصب بالدرجة الأولى في صلب تحقيق مصلحة الاقتصاد والمجتمع، والعمل الجاد على إنقاذهما من آفات ومفاسد الوضع الراهن الذي أصبحت عليه السوق العقارية، وتحولها إلى أكبر منافذ تهديد وزعزعة استقرار البلاد والعباد.

دليل كل ذلك؛ من حيث (صدمة) القرار، وغياب الاعتبارات وراء قرار الدولة بفرض الرسوم على الأراضي البيضاء، يكشفه لك عيانا بيانا استباقهم إعلان آليات الرسوم بالعديد من تصريحات التوعد والتهديد! إما بزعمهم أنهم سينقلون تكلفة تلك الرسوم إلى المشتري ممثلا في المواطن، وإما بزعم فريق منهم استحالة تطبيق تلك الرسوم وفقا لما وضعوه من حيثيات أكل الدهر عليها وشرب، أو زعم فريق آخر ذهبت به أوهامه بعيدا أن هذه الرسوم ستجر على الاقتصاد الوطني بانهيار أسعار الأراضي المتضخمة في الأصل الويلات والثبور. أما أكثر المزاعم العقارية جرأة، فقد كان التوعد بالالتفاف على آليات الرسوم على الأراضي، وامتلاك تجار الأراضي قدرة تفوق قدرة الدولة بالتهرب من الرسوم، عبر العديد من الممارسات والأساليب التقليدية في عالمهم، إما بتجزئة الأراضي، أو استصلاحها بطريقة وهمية توحي بأنها لم تعد أرضا تنطبق عليها شروط الرسوم، أو اللجوء إلى أي وسيلة احتيالية متاحة تحبط وصول الرسوم إلى تلك الأراضي. إن كل ما تقدم من أوهام عقارية، لن يقدم أو يؤخر في ميزان عزم وحزم الدولة تجاه جدية مواجهتها لهذه الأزمة التي ثبت أنها مفتعلة من ألفها إلى يائها، وأن مقدرات البلاد والعباد هما فقط من يدفع ثمنها، فيما لم يستفد منها إلا ثلة من البشر. الخطير جدا في الأمر؛ أنها استفادة ضيقة الأفق تماما، جاءت حصرا على حساب زعزعة ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني لدينا.

إسهاما من الكاتب في تقوية وتعزيز الآليات المرتقبة للرسوم على الأراضي البيضاء، يقترح ما يلي: (1) أن تبنى تكلفة الرسوم على الأراضي على (نسبة) من قيمة قطعة الأرض التي تنطبق عليها الشروط، وترتبط تلك النسبة بالمعدل المتغير للفائدة على الريال السعودي، تتحدد (نسبة الرسوم) بما لا يقل عن خمسة أضعاف معدل الفائدة على الريال. (2) حيث إن معدل الفائدة على الريال متغير على الدوام وطوال أيام العام المالي، يتم احتساب تكلفة الرسوم على الأراضي بصورة يومية وفقا لمضاعفها المحدد، يبدأ احتسابها من أول يوم يشعر فيه مالكها ببدء فرض الرسوم عليها بناء على آخر قيمة أو تثمين للأرض أيهما أكبر، ويتم تحصيلها منه قبل نهاية العام المالي الجاري، أو حتى بدئه فعليا بتنفيذ البناء والتطوير بموجب تصريح البناء (لا عند تاريخ حصوله على التصريح منعا للتلاعب والتهرب)، أو حتى تاريخ بيعه الأرض إلى مالك آخر، الذي سيكمل بدوره تحمل تكلفة الرسوم بناء على قيمة الأرض وفقا لأعلى تثمين وصلت إليه، لا بناء على قيمة بيعها الأخير إذا جاء أدنى من التثمين، منعا للتلاعب وتحفيزا لتطويرها واستصلاحها بأسرع وقت. هذا يعني أن تكلفة رسوم الأرض سيتحملها كل من يمتلكها حتى وإن كان يوما واحدا فقط.

مثال على ذلك: أرض بلغت قيمة شرائها على آخر مالك لها مليون ريال، وعند بدء العمل بالرسوم ارتفعت قيمتها وفقا لموقعها والتثمين الأخير إلى 1.5 مليون ريال، يتم احتساب الرسوم يوميا وفقا لمضاعفه إلى معدل الفائدة على الريال بناء على سعر 1.5 مليون ريال، يستحق دفعه حتى تحقق أحد الشروط المذكورة سابقا. وعلى افتراض بيعها لمالك آخر بأقل من هذا الثمن، فإن الرسوم يستمر احتسابها اليومي على المالك الجديد وفقا لأعلى تقييم وهو هنا 1.5 مليون ريال، أو بناء على سعر البيع الأخير إذا كان أعلى من هذا التقييم، ويستمر احتساب الرسوم حتى يثبت ارتفاع تثمين الأرض. علما بأن احتساب الرسوم اليومية يجب أن يستمر بناء على أعلى قيمة للأرض إلى أن يتم فعليا تطويرها واستصلاحها، لا بمجرد الحصول على ترخيص البناء، فلو انخفضت قيمة تلك الأرض إلى 500 ألف ريال على سبيل المثال، فإن احتساب الرسوم سيستمر بناء على أعلى قيمة وصلت إليها وهو هنا 1.5 مليون ريال، ولن يوقف تحمل هذه التكلفة الباهظة إلا بناؤها وتطويرها.

يجب على المكلف من صانع القرار بتصميم آليات الرسوم على الأراضي البيضاء، أن يأخذ في حسبانه الاعتبارات كافة لتوجهات الدولة تجاه هذا الملف التنموي، وأهدافها بضرورة إصلاح اختلالات السوق العقارية، ما يستدعي بالضرورة القصوى أن تأتي تلك الآليات المنتظرة صارمة وفاعلة، إلى الدرجة التي تمنع تماما حدوث أي احتيال أو تلاعب أو تدليس من قبل ملاك الأراضي، وأن تأتي تكلفة الرسوم كما أشير إليه أعلاه مرهقة جدا على محتكر أو مكتنز الأرض، ما يضطره فعليا إما إلى تطويرها وإما التخارج منها. وأن يدرك الخطورة القصوى لأي فشل قد تتعرض له تلك الآليات، إن هي أتت منخفضة في تكلفتها، أو أتت قصيرة الجدار بما يمكن للمتلاعبين القفز عليها، كل هذا وغيره يجب أن تلغى احتمالاته بالكامل، وإلا فإن الثمن سيكون فادحا من هيبة الدولة أولا، والتسبب في تفاقم أزمة العقار لتصبح أكبر وأخطر مما كانت عليه قبل فرض الرسوم! سيد القول هنا يقول: إذا ضربت فأوجع! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/22/article_951644.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.