ترويض العقار المتمرد

لم يعد يجدي على الإطلاق وقوف الأجهزة الحكومية صامتة أمام تفاقم التشوهات في سوقي العقار والإسكان، وهو ما بدأت تترجمه عمليا على أرض الواقع منذ أقل من عام مضى، وأخذته على محمل أكثر جدية خلال الشهرين الأخيرين، وتنتظرها جهود أكبر وأسرع وأكثر فعالية في منظور الأشهر القليلة المقبلة.

تبين مراجعة سريعة لأهم وأبرز الإجراءات والتدابير التي تم اتخاذها خلال أقل من عامٍ مضى في هذا الاتجاه، أن ترجمة توجهات الدولة، والسعي الجاد إلى تلبية تطلعات أفراد المجتمع، والعمل على سد منافذ الأخطار المحدقة على البلاد والعباد من آفات تضخم الفقاعة العقارية، تحظى فعليا بالثقة والجدية والجهد الحقيقي لمعالجة هذا الملف التنموي الذي وصل إلى طريقٍ مسدود تماما.

إنها الإجراءات الحكومية المتسارعة والمتتالية في أقل من عام، التي تجد ما يسوغ صرامتها على أرض الواقع؛ فالأخطار القصوى (عقاريا) ومن ثم (إسكانيا)، التي تزايد تسربها بصورة فادحة إلى أروقة الاقتصاد الوطني والمجتمع طوال السنوات الأخيرة، ممثلة في التضخم الكبير الذي وصلت إليه أسعار الأراضي والعقارات، تخطت بها حتى قدرة الأفراد المقتدرين ماديا على تملك مساكنهم الخاصة، فما بالك بمن أتت مستويات دخولهم أدنى من ذلك، وهم الشريحة الغالبة من المجتمع، وتسبب في عموم نتائجه الخطيرة جدا بالتأثير سلبيا في استقرار الاقتصاد الوطني، وتورط تلك الفقاعة العقارية في تعريض استقرار البلاد اجتماعيا وتنمويا لأخطار فادحة الأضرار كنا في غنى تام عنها، لا يعلم إلا الله عز وجل بمداها وأضرارها الأخيرة إن هي تركت دون قيد أو شرط؛ تسعى في الأرض في اتجاه خطير يخالف خطط البلاد وتمنيات المواطنين.

ألخص تلك الإجراءات الأخيرة في ثمانية إجراءات مهمة كما يلي: (1) بدء وزارة العدل بنشر كل معلومات ومؤشرات السوق العقارية، وتحديثها بصورة يومية، الأمر الذي يتمم الشفافية المعلوماتية اللازمة لأداء السوق العقارية، وإغلاقا لثغرة غياب معلوماتها المهمة، التي طالما تم انتهازها من قبل القوى المسيطرة على السوق طوال أعوام مضت. (2) قيام وزارة العدل بتنفيذ توجهات الدولة، وعملها على إلغاء الصكوك وحجج الاستحكام المزورة على مساحات شاسعة من الأراضي داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، واستردادها إلى أملاك الدولة، وصلت حتى نهاية 2014 إلى نحو 1371 صكا مزورا، بلغ مجموع مساحاتها نحو 1.97 مليار متر مربع، قدرت قيمتها السوقية بنحو 1.8 تريليون ريال؛ “أي ما نسبته 60.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي 2014″. المؤمل في الوقت الراهن أن يتم توجيه أكبر قدر ممكن من تلك الأراضي المستردة إلى وزارة الإسكان، لتتولى بدورها منحها للأفراد المستحقين، المتراكمة أعدادهم على بوابة طلبات الإسكان لديها. (3) الموافقة على النظام الجديد لمصلحة الزكاة والدخل، القاضي في إحدى أهم مواده بفرض الزكاة على الأراضي والعقارات بهدف التجارة (المدرة للدخل)، ويتوقع بدء العمل به قبل نهاية العام الجاري.

(4) إقرار مؤسسة النقد العربي السعودي، نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري عند 70 في المائة من حجم التمويل، وبدؤها التطبيق الإلزامي الكامل لنظام مراقبة شركات التمويل، التي بدأ تطبيقها الفعلي في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 الماضي، وهو ما كان له أبرز الأثر على تهدئة وتيرة تضخم مستويات الأسعار منذ تاريخ إقراره، وإسهامه في الحد كثيرا من تدفق السيولة الائتمانية على شراء أصول عقارية بالغة التضخم، ما جنّب القطاع المالي التورط في الفقاعة العقارية، وجنب أيضا شرائح واسعة من المواطنين تحمل أعباء ديون طائلة بسبب شراء أراض ومساكن متضخمة الأسعار.

(5) صدور الموافقة الرسمية من مجلس الوزراء في 23 آذار (مارس) الماضي على قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، والتوجيه العاجل للأجهزة الحكومية المعنية بسرعة إصدار آليات تطبيقه، التي طرحت حولها مقترحا مهما في المقال الأخير “كم التكلفة المقترحة لرسوم الأراضي البيضاء”، بأن ترتبط تلك الرسوم بمعدل الفائدة على الريال السعودي، لتبلغ على أقل تقدير خمسة أضعاف معدل الفائدة، مبينا الأسباب والفوائد لتبنّي هذا المقترح، وكونه الأداة الأكثر فعالية التي نجح تطبيقها في عديد من التجارب، لعل أهمها تجربة مدينة هاريسبرج في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

(6) قيام وزارة التجارة والصناعة باتخاذ خطوات أسرع تجاه تصفية المساهمات العقارية المتعثرة، حيث أنهت نحو 101 مساهمة عقارية متعثرة، وتعمل في الوقت الراهن على إغلاق وتصفية نحو 275 مساهمة عقارية متعثرة، وهذه خطوات بالغة الأهمية ستؤدي إلى تحرير مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للسكن، الذي بدوره سيسهم في زيادة المعروض على منصة السوق العقارية، خاصة أن أغلب تلك المساهمات العقارية المتعثرة، تتمركز في الوقت الراهن في مواقع متميزة مشمولة بالخدمات والبنى التحتية اللازمة، امتدت فترة حجبها إلى ما يقارب أربعة عقود من الزمن. (7) بدء الأجهزة العسكرية (الدفاع، الداخلية، الحرس الوطني) بالعمل على إنشاء مساكن لأفرادها في عديد من المدن والمحافظات، وهو التوجه الإيجابي الذي يؤمل أن يتم التوسع فيه بصورة أكبر، والذي سيخفف كثيرا من ضغوط الطلبات على وزارة الإسكان، وفي الوقت ذاته يمنح فرصا أكبر لشرائح اجتماعية مهمة جدا، ينبغي توفير الاستقرار الاجتماعي والأسري لها أكثر من غيرها من الشرائح الأخرى. (8) قيام هيئة السوق المالية بقطع شوط طويل على مستوى تطوير سوق السندات والصكوك محليا، التي أصبحت مهيأة تماما لإصدار الصكوك الحكومية وكبريات الشركات المحلية، بما يمنحها القدرة على امتصاص فوائض السيولة المحلية الكبيرة، حتى تلك السيولة المتوقع خروجها من السوق العقارية، وهي أيضا البدائل الأكثر جاهزية محليا في ظل شح الفرص الاستثمارية وصعوبة استغلالها، إضافة إلى ما تتمتع به من ارتفاع درجات الأمان وتدني مستويات المخاطرة.

أخيرا؛ لعله من المهم في الوقت الراهن، أن تبدأ وزارة الإسكان بالتعاقد مع كبريات شركات التطوير العقاري العالمية، والعمل وفق صيغ المشاركة التي قامت بها- على سبيل المثال- جهات تنفيذ مشروعات القطارات كمدينة الرياض، ولا يمنع أن تدخل تلك الشراكات مع الشركات المحلية المؤهلة، وأن تتنبه وزارة الإسكان إلى عدم التورط مع عديد من شركات التطوير المحلية، التي تعاني منتجاتها العقارية سوء التنفيذ والبناء والتشييد، بل إن بعضها يكاد يصل مع تقادم بنائه إلى عدم أهليته للسكن، فما بالنا وبعض تلك الشركات تروج لبيعها بأغلى الأسعار، فيما تجد تلك المساكن المهترئة لا تستحق حتى 10 في المائة من قيمتها، وهذا من أهم الأخطار التي يجب على وزارة الإسكان عدم التورط فيها، وقد تجد نفسها متورطة إن أغفلت هذا الجانب المهم فيما لن تحمد عقباه إن سقطت تلك المساكن المهترئة على رؤوس ساكنيها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/20/article_950968.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.