كم التكلفة المقترحة لرسوم الأراضي البيضاء؟

يترقب الجميع في الوقت الراهن الإقرار النهائي لآليات الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، بعد أن أعلن عنها بقرار مجلس الوزراء الموقر في 23 آذار (مارس) الماضي، ويتوقع بدء العمل بها تنفيذيا بعد نحو ستة أشهر من إعلانها كالمعتاد في مثل تلك الأنظمة واللوائح الحكومية، وإسهاما من الكاتب في الوصول بتلك الآليات إلى أفضل المستويات وأكثرها فعالية، لتتحقق الأهداف الرئيسة من إقرار تلك الرسوم وتفعيل آثارها المرتقبة، لعل في مقدمة تلك الأهداف الحد من احتكار واكتناز الأراضي بمساحاتٍ شاسعة، الذي أدى لاحقا إلى غليان الأسعار وتضخمها بصورة بالغة الخطورة، أهلتها بالكامل لتقف كأكبر الأسباب وراء أزمة الإسكان في السعودية، بل بلغت بها إلى المدى الذي تحطمت عند جدرانه الصلبة كل الحلول والبرامج التنموية لأجل حل هذه الأزمة المفتعلة.

تدور أغلب الحلول المقترحة في الوقت الراهن حول مساحات الأراضي التي يفترض البدء بفرض الرسوم عليها، وحول حجم تلك الرسوم، وهل يفترض أن تكون مبالغ مقطوعة، تكون تصاعدية بارتفاع مساحات الأراضي. أم الأخذ بمقترح أن تأتي تلك الرسوم على صيغة نسب مئوية من القيمة السوقية للأراضي (تستقطع سنويا من القيمة السوقية لمتر الأرض)، ليتركز الحديث هنا حول ما هي النسبة الأفضل؟ هل تكون متدنية أو متوسطة أو مرتفعة! كل هذا سيتم إغلاق الحديث عنه بمجرد صدور الآليات، والمتوقع أن يتم دراسته بصورة مستفيضة جدا من قبل القائمين على اقتراح الصيغة النهائية لتلك الآليات المرتقبة في الوقت القريب. سأتحدث أولا عن التكلفة المقترحة لتلك الرسوم، ممهدا لهذا الجانب بطرح التساؤل التالي، ما الذي يدفع مكتنزي الأراضي عموما وليس فقط المحتكرين؟ فليس كل مكتنز لثروته في قطعة أرض أو حتى مخطط بأكمله (محتكرا). الإجابة على هذا السؤال ستفتح الطريق بصورة أوضح إلى النسبة المثلى المقترحة للرسوم، وسنرى أنها الخيار الأفضل تماما من مجرد فرْض مجرد مبلغ مقطوع على المتر المربع حسب مساحة كل أرض! وهو الخيار الأفضل الذي يأخذ بعين الاعتبار سعر متر الأرض، إضافة إلى مساحتها، على العكس من خيار المبلغ المقطوع؛ الذي لا يأخذ بالاعتبار إلا مساحة الأرض، دون النظر إلى السعر الذي هو أساس الداء والبلاء.

دفعت البيئة الاقتصادية المحلية للاستثمار، تحت تقلّص فرصها وتنوعها إلى تقلص الخيارات الاستثمارية أمام أصحاب الثروات، وأمام انعدام تكلفة اكتناز الأراضي، وعدم وجود أية عراقيل من أي نوع كان لتخزين تلك الثروات فيها، زاد من انجذاب المدخرين إلى الأراضي كأفضل مخزن للثروة، النمو الكبير في الأسعار ومن ثم الربحية، الذي لا يوجد له أي منافس محليا أو خارجيا، وصلت به إلى نسب ربحية فاقت في أوقات مضت أكثر من 80 في المائة سنويا، بل إن بعضها تجاوز في بعض المواقع المتميزة سقف 150 في المائة سنويا. طبيعة للسوق العقارية كهذه الطبيعة تعني في غياب أي رادع نظامي لها، أو في غياب أية إجراءات صارمة للحد منها، ماذا تعني؟ إنها لا تعني سوى، (1) تدفق المزيد من الثروات على الأراضي، سواء للتخزين أو للمضاربة. (2) زيادة احتكار الأراضي ومن ثم الزيادة المطردة في نمو الأسعار والتضخم. (3) زيادة أخطر في تعقيد الأزمة العقارية والإسكانية. (4) زيادة في حرمان الاقتصاد الوطني من توظيف الأموال والثروات في التشغيل والإنتاج، ومن إيجاد فرص العمل اللازمة للمواطنين والمواطنات. (5) زيادة معدلات البطالة لانعدام إيجاد الوظائف. (6) زيادة التضخم وتآكل القوة الشرائية لدخل المواطنين، ورفع تكلفة المعيشة بصورة لن يحتملها أي من الحكومة أو القطاع الخاص بارتفاع تكلفة الأجور، وتكلفة الإنتاج بصورة عامة، لتتساقط تباعا منشآت القطاع الخاص وتعلن توقفها عن أنشطتها، ليتحول ملاك تلك المنشآت بثرواتهم إلى المتاجرة بالأراضي كونها الأكثر ربحية ودون أدنى تكلفة عليها، وفي الوقت ذاته ليتزايد أعداد العاطلين عن العمل. (7) ستؤدي زيادة العاطلين، وتزامنها مع ارتفاع تكلفة المعيشة، إلى زيادة أعداد الفقراء في المجتمع، مقابل أقليات بالغة الثراء، ما سيوسع بصورة بالغة الخطورة من تباين مستويات الدخل بين طبقات المجتمع! إنه الطريق الأكثر رعبا لأي مجتمع قد يتورط فيه، وهو أيضا الطريق المعلوم نهايته، وأنها لا تبتعد عن الدمار الشامل اجتماعيا واقتصاديا ووجوديا.

الآن؛ أعود إلى التكلفة المقترحة للرسوم على الأراضي البيضاء، لنجد معا بعد كل ما تقدم ذكره من أسباب دفعت لتخزين الثروات في الأراضي، وماذا سيترتب عليها إن مضت هكذا دون معالجة، أن أفضل خيار لتلك الرسوم على الأراضي، هو (ربطها بمعدلات الفائدة على الودائع المصرفية)، ولكي تقلل من حوافز اكتناز الأموال في تلك الأراضي، وتزيد من جاذبية توظيفها في الإنتاج والتشغيل، فلا يجب أن تقل نسبة تلك الرسوم عن (5 أضعاف معدلات الفائدة على الودائع المصرفية) فأكثر، فإذا كان معدل الفائدة يبلغ على سبيل المثال 2.0 في المائة، فالمفترض ألا تقل نسبة الرسوم على الأراضي عن 10.0 في المائة! وهذا يعني أن نسبة الرسوم على الأراضي ستكون متغيرة وليست ثابتة، وأنها مرتبطة بمعدل الفائدة على الودائع بالريال السعودي.

هذا سيؤدي بالضرورة إلى اضطرار أي مكتنز أو محتكر للأرض إلى تطويرها، إما عن طريق التخلي عنها والبحث عن فرص استثمارية بديلة، أو إلى تطويرها وإحيائها، خاصة أن تكلفة تمويل بنائها وتشييدها أقل بكثير من تكلفة الاكتناز. وكلا الأمرين سينشأ عنهما النتيجة الأهم؛ تفكيك احتكار واكتناز الأراضي بهدف تضخيم الأسعار، ومن ثم تضخيم قيمة الثروات! وإعادة توجيه الأراضي للغايات التي تخدم الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة والشاملة، عبر تطويرها بصورة أوسع، وتحويلها بأسعار أدنى إلى المستهلك النهائي، ولا يمكن تصور المنافع الاقتصادية والتنموية في الوقت الراهن حال حدوث مثل هذا التطور الإيجابي، لا على مستوى توظيف المدخرات الهائلة لدينا في مجال الإنتاج والتشغيل، ولا على مستوى إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة، ولا على مستوى إنقاذ الاقتصاد والمجتمع من ورطة تضخم أسعار الأراضي والعقارات.

بالنسبة لمساحات الأراضي المفترض البدء منها لفرض تلك الرسوم، فالأفضل سدا لأي تلاعب محتمل أن تبدأ من المساحات التقليدية لبناء المساكن، ولتكن هنا من 500 متر مربع فأعلى، فهذا سيرغم أي مالك لأي أرض أن يبدأ فورا بإعمارها، أو ألا يتخذ قرار الشراء إلا وهو على استعداد تام لإعمارها! كما أنه سيحد كثيرا من نوافذ الاحتيال والتلاعب المؤدية للهروب من تلك الرسوم المنتظرة.

آمل أن يجد هذا الطرح آذانا صاغية من القائمين على دراسة ومراجعة آليات الرسوم على الأراضي، وأن يكون ضمن الخيارات المدروسة في الوقت الراهن. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/18/article_950459.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.