كذبة أبريل العقارية

لطالما استمرأ العديد في خندق العقاريين طوال أعوام مضت، حياكة التقارير والتصريحات الوهمية والكاذبة حول نشاط السوق العقارية، خدمهم وقوى من تأثيرها في وقت سابق عدد من الاعتبارات، انتهى مصير أغلبها في عصرنا الراهن إلى الزوال بحمد الله، كان من أهم تلك الاعتبارات التي خدمت جحافل العقاريين:

(1) الغياب شبه التام للبيانات والمعلومات من المصادر الرسمية حول نشاط السوق العقارية، على عكس ما أصبحت عليه حال السوق في الوقت الراهن من ارتفاع لافت لمستوى معلومات السوق “وزارة العدل، مؤسسة النقد العربي السعودي، وزارة التجارة والصناعة”.

(2) ضعف التنظيم والرقابة على السوق العقارية طوال عقود طويلة مضت، أفضى إلى تشكل أغلب ما نواجهه اليوم من تحديات جسيمة جدا، وتشوهات كبيرة تصنف في أعلى درجات الخطر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني لبلادنا، بدأنا نشهد ثمار انحساره خلال العامين الأخيرين، عبر انطلاق عديد من الأنظمة والإجراءات الهادفة لإعادة ترتيب أوضاع السوق، وانتشالها من وحل الاحتكار وتدوير الأموال والتلاعب والتدليس والغش التي طغت بظلالها القاتمة على تعاملات السوق العقارية، بل حتى من تورط أجزاء منها في جرائم غسل الأموال كما صرحت به وزارة العدل نهاية العام الماضي.

(3) الزيادة الكبيرة في احتياجات السكان لامتلاك العقار “أرض، أو مسكن”، زاد من وطأتها التراكم الكبير جدا لعجز أغلب شرائح السكان الباحثين عن تملك مساكنهم، نتيجة اصطدامهم بالفقاعة السعرية الهائلة التي وصلت إليها أسعار الأراضي والعقارات، ولم تنفعهم كثيرا الزيادات المتتالية التي طرأت على الرواتب طوال العقد الماضي، ولا حتى الزيادة بنسبة 67 في المائة في حجم قرض صندوق التنمية العقارية، التي سرعان ما ذابت تماما في غليان الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات.

أخيرا؛ أطلق عدد من العقاريين كذبة جديدة صادف موعدها شهر نيسان (أبريل)، وهو الشهر الذي درج عديد من المجتمعات على وصمه بشهر الكذب! أرادت هذه الكذبة العقارية الأخيرة، التي افتقدت كثيرا للذكاء، وجاءت في الوقت بدل الضائع، بقولها: “إن انهيار أسعار العقارات يحمل في طياته آثارا مدمرة على الاقتصاد الوطني، قد تؤدي إلى انهياره”، واستشهدت في زعمها ذلك بالأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة، التي كان مصدرها الرئيس أزمة الرهون العقارية! وهي كذبة حمقاء دون أدنى شك، وتفتقر إلى أبسط أبجديات النظرية الاقتصادية، دع عنك أنها لا تمت إلى واقع السوق والاقتصاد المحليين لدينا بأي صلة، ودع عنك أنها تناقض حتى “كذبة أقدم” للعقاريين، يبدو أنهم مع صدمة الواقع الجديد قد نسوها؛ حينما قالوا إن ما حدث من أسباب الأزمة العالمية لا يوجد له ما يشبهه في تجربتنا، وأن العقار في السعودية ممول بالكامل من حر ثروات ملاكه، وألا وجود يذكر للتمويل المصرفي فيه، ما يمنحه على حد تعبيرهم آنذاك قوة صلبة في وجه أية تقلبات أو أزمات اقتصادية مهما كان نوعها، والحقيقة أن كلا المقولتين تتنافسان في الكذب وعدم الدقة إلى أبعد الحدود.

لن أخوض في تفكيك “شبكة العنكبوت” الواسعة من كذب عديد من العقاريين، فهذا أمر أصبحت نتائجه واضحة ومكشوفة للعيان، وأصبح كذلك معلوما لدى الصغير قبل الكبير في عصر الشفافية والمعلوماتية الراهن، إلا أن ما يجدر التذكير به هنا في هذا الخصوص، هو السمة الجديدة التي بدأت تطغى على التصريحات والتعليقات الصادرة أخيرا عن خندق العقاريين؛ المتمثلة في “الفوضى والتضارب”! التي لا شك أنها كانت في المقام الأول نتيجة “الصدمة الكبرى” من حزمة القرارات والإجراءات الحكومية الأخيرة، بدءا من مبادرة وزارة العدل في منتصف 2014 بنشر تفاصيل جميع معلومات نشاط السوق العقارية، تبعتها مؤسسة النقد العربي السعودي ببدء التطبيق الإلزامي الكامل لنظام مراقبة شركات التمويل في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، وتحديدها لنسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري بما لا يتجاوز 70 في المائة من حجم التمويل. تلاها في نهاية 2014 صدور إعلان مصلحة الزكاة والدخل ببدء تطبيق الزكاة على الأوعية العقارية المختلفة قبل نهاية العام الجاري، ثم أتت الضربة الأقوى بإقرار الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات. هذا عدا عديد من القرارات والإجراءات الأخرى في الخصوص ذاته، من تنظيم للأراضي الزراعية، وتصفية للمساهمات العقارية المتعثرة، واسترداد الدولة لأراضي الصكوك المزورة.

لاحظ أن تلك القرارات والإجراءات توالى صدورها في أقل من عام واحد! وهو أمر لم يكن يخطر في بال أحد مهما كان أن يتم خلال هذه الفترة الوجيزة، فماذا برأيك سيكون الحال إذا كان المتلقي هنا هو معسكر العقاريين؟! لا شك أنها ستكون بمثابة أقوى صدمة يتعرض لها في حياته كلها، فلا عجب بعدئذ أن ترى منهم من سيهذي بما لا يعي، أو يصرح بما لا يستقيم مع العقل والمنطق، أو حتى يتوافق مع ما سبق أن أطلقه من تصريحات وتعليقات سابقة. وقد تجد في بعض تلك التصريحات الواهمة، ما سيبعث على الضحك والتندر كثيرا؛ كقولهم إن تلك القرارات والإجراءات رغم قوتها لن تجدي نفعا مع الأزمة العقارية، وأنها ستفشل في تصحيح الأسعار المتضخمة، وعجبا أقول: فلماذا إذا كل هذا الخوف منها إذا كانت كذلك؟ أو قولهم إن توقيت صدورها في الوقت الراهن ليس هذا وقته أو زمنه! ولا أحد يعلم متى سيكون التوقيت الملائم من وجهة نظره، والحقيقة أنه لا يوجد لدى القوم في الأصل أي توقيت؛ كونهم يطمحون لبقاء الأوضاع على ما هي عليه دون أدنى تغيير!

إن أي محاولة للرد على أي من تلك الأكاذيب والمقولات الزائفة، بل وغير المستندة إلى علم أو تجربة، لا تتعدى كونها هدرا للوقت والجهد، وأن على الدولة المضي قدما فيما بدأته من إصلاحات جريئة وصارمة، وألا تسمح أبدا بوقوف أية معوقات في وجه تلك الإصلاحات الخيرة، التي سينتج عنها نفع عظيم للبلاد والعباد وللاقتصاد الوطني، أثبتته الدراسات الرصينة للأجهزة الحكومية المعنية، وألا تلتفت على الإطلاق لما يُطلق عليه جزافا بتقارير عقارية متحيزة، معلوم لدى الجميع مبتغاها الضيق الأفق، وأن يدرك القائمون على تلك القرارات والإجراءات الإصلاحية، أن تكلفة استمرار التشوهات التي عاثت في السوق العقارية فسادا وخرابا لعقود من الزمن، لن ينتج عنها إلا هلاك كبير لمقدرات بلادنا واقتصادها الوطني، فيجب ألا يقف في وجه تلك التوجهات الرشيدة والإصلاحية أي معوق مهما كان، دع عنك مجرد تصريحات عابثة لا أساس لها من العقل أو العلم، وأنه بالطبع أمر متوقع أن تستمع لمثل هذا الهراء الزائف في وجه أية إصلاحات قوية، تستهدف اقتلاع جذور الفساد من أرضها. وفق الله بلادنا وقيادتها ومجتمعها إلى ما يحب ويرضى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/11/article_948438.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.