امتصاص السيولة الخارجة من السوق العقارية

استكمالا لما تم التطرق إليه في خصوص تطوير سوق الصكوك والسندات محليا، وأهمية توسيع نشاطات هذه السوق في الوقت الراهن، الذي يشهد ارتفاعا في السيولة المحلية "1.8 تريليون ريال بنهاية شباط (فبراير) 2015"، استقر متوسط نموها السنوي للأعوام الخمسة الماضية عند 12.3 في المائة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف النمو الحقيقي للاقتصاد "اتساع الفجوة التضخمية".

تقدر مع استمرار التذبذبات الحادة في أداء السوق المالية، وانحسار توجه الجزء الأكبر من السيولة المحلية إلى السوق العقارية، التي تشهد بدورها ركودا وانخفاضا متتاليا في عمليات تدوير الأموال والمضاربات المحمومة على الأراضي، اعتادت عليه بصورة قوية طوال الفترة 2006 ـــ 2014، متأثرة بالإصلاحات المتتالية عليها بعد إقرار مؤسسة النقد العربي السعودي، نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري عند 70 في المائة من حجم التمويل، وبدأها التطبيق الإلزامي الكامل لنظام مراقبة شركات التمويل بتاريخ التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2014، وما تلاه قبل نحو أسبوعين من إعلان مجلس الوزراء عن إقرار الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمحافظات والمدن، والتوقعات باستمرار ضخ المزيد من القرارات والإجراءات الحكومية الهادفة إلى معالجة التشوهات المنتشرة في السوق العقارية.

ما يهمنا هنا هو التأثير الكبير الذي ستتركه تلك التطورات في تصحيح الأسعار المتضخمة، والتوقعات بخروج أحجام كبيرة من السيولة المضاربية في السوق نتيجة لذلك.

أؤكد أنه وفقا لما تقدم ذكره، يتوقع في ظل محدودية حجم وعدد قنوات الاستثمار المحلية، المفترض بتنوعها وتعددها وزيادتها، أن تتوافر القدرة لديها على امتصاص أجزاء أكبر من السيولة النقدية، إلا أنها كما تشهده البيئة المحلية أدنى من ذلك بكثير. وعليه فلا حل مناسبا وأمثل في الوقت الراهن من زيادة تنشيط "سوق الدين المحلية" ممثلا في زيادة إصدار الصكوك والسندات، ولعل الخيار الأول "الصكوك" كونه المتوافق مع متطلبات الشريعة الإسلامية هو الحل الأكثر مناسبة في هذا الشأن.

قبل الاسترسال هنا؛ أود تقديم خالص الشكر والتقدير للإخوة الزملاء في هيئة السوق المالية، لتنبيههم بخصوص الخطأ الذي وقعت فيه في المقال الأخير حول عدم صدور أنظمة وتشريعات تتيح إنشاء وتأسيس مؤسسات تصنيف، وأن هيئة السوق المالية قد أصدرت في 10/11/2014 لائحة وكالات التصنيف الائتماني، التي تلبي بالكامل هذا المطلب المشار إليه، ما يعني أن الخطى المتبقية أقل بكثير من كل ما تم قطعه سابقا، وهي المتمثلة عمليا في سرعة الاستفادة من تطوير سوق الديَن المحلية.

إلا أنه مقابل حداثة التجربة بالنسبة للقطاع الخاص، والمتوقع ازدهارها مستقبلا، تتحمل الحكومة في الوقت الراهن ممثلة في وزارة المالية مسؤولية تنشيط إصدار تلك الصكوك الحكومية، وأن تعمل مبكرا على تمويل الميزانية العامة من التدفقات المالية عند بيع تلك الصكوك محليا، والمتوقع أن يأتي الإقبال عليها كبيرا جدا، ليس فقط لتوافر السيولة فحسب، بل للتصنيف المرتفع الذي يحظى به الاقتصاد الوطني، ولتدني حجم المديونية العامة لدينا. كما أنها ستكون الخيار الأكثر تفضيلا بالنسبة لتمويل أي عجز مالي محتمل في الميزانية العامة قياسا على تراجع سعر النفط، واستهداف الدولة للمحافظة على مستويات الإنفاق، خاصة فيما يتعلق بالإنفاق الرأسمالي على المشروعات التنموية العامة في عديد من المجالات الحيوية.

إن قيام وزارة المالية بمثل هذه الخطوة المهمة، يحمل في محتواه إصابة أكثر من هدف مهم، فهو خيار أقل مخاطرة من اللجوء للسحب من الاحتياطيات العامة التي وصلت إلى مستوى تاريخي وقياسي، وفي الوقت ذاته سيتيح إصدار تلك الصكوك خيارات استثمارية أكثر أمانا للمستثمرين المحليين، خاصة مع ارتفاع درجات المخاطرة كما تمت الإشارة إليه أعلاه في كل من سوقي المال والعقار. جدير بالذكر هنا؛ أن خيارات السحب من الاحتياطيات العامة، يجدر عدم حدوثه إلا لغرض إنفاقها في تمويل استثمارات محلية، يتوقع أن ينشأ عنها زيادة في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وزيادة في إيجاد فرص العمل الكريمة للمواطنين، فيما سيمثل السحب منها والإنفاق على مصروفات جارية هدرا ماليا باهظ الثمن، وترتفع فاتورة هدره أكثر في ظل توافر الفرصة المواتية لإصدار صكوك محلية.

الجانب المهم في هذا الخصوص؛ هو المتعلق بارتفاع أهلية تلك الصكوك حال طرحها في السوق المحلية، لامتصاص الجزء الأكبر من السيولة المتوقع خروجها من المضاربات في السوق العقارية المحلية، خاصة أنها تتوافق مع متطلبات الشريعة الإسلامية، تستمد أهمية الإسراع بطرحها من التراجع المستمر في حجم السيولة العقارية منذ نحو ستة أشهر، وهو ما أظهرته بيانات وزارة العدل أخيرا، فمقابل ارتفاع حجم السيولة العقارية من نحو 419 مليار ريال خلال 2013، إلى نحو 449.7 مليار ريال خلال 2014، تُظهر بيانات وزارة العدل أنها تراجعت خلال الـ 12 شهرا الماضية إلى نحو 412.1 مليار ريال، أي أنها سجلت انخفاضا لافتا خلال الربع الأول من العام الجاري تجاوزت نسبته 8.4 في المائة! وفي ظل الإجراءات والخطوات المتسارعة التي بدأت تنتهجها الحكومة تجاه تصحيح تشوهات السوق العقارية، يتوقع أن تشهد السوق تصحيحا قويا في مستويات الأسعار طوال الأعوام القليلة القادمة، ما ينبئ باحتمال خروج سيولة نقدية من السوق العقارية قد تتجاوز تريليون ريال خلال أقل من عامين قادمين، وهو أمرٌ يحمل الكثير من الإيجابيات لمصلحة السوق العقارية من جهة تصحيح الأسعار المتضخمة، وفي الوقت ذاته يؤمل أن تكتمل إيجابياته باستثمار تلك الفوائض من السيولة في تمويل نفقات الدولة، بل وإمكانية تمويل مشروعات الإسكان بأجزاء منها، من خلال ضخها في نشاطات التطوير العقاري محليا، وهي المكاسب الاقتصادية والتنموية التي يصعب تقدير مزاياها العديدة والكبيرة بأرقام اليوم!

أخيرا؛ يمكن القول عن المشهد أعلاه، وفي ضوء التطورات الراهنة المتسارعة، إنه دون مبالغة عبارة عن سباق مع الزمن! إما تستبق خطوة وزارة المالية المأمولة والمرتقبة غيرها من التداعيات والمتغيرات المحتملة، فتكسب الجولة لمصلحتها، وتكسبها بصورة أهم لمصلحة الاقتصاد الوطني ولضمان استقراره ونموه! أو أن تتأخر فتأتي خطوتها خلف تفجر أزمات نحن في غنى تام عنها، ولا يعلم هل ستجدي حينها أم لا؟ ذلك أن السيولة المتزايد خروجها في الوقت الراهن من السوق العقارية، قد تنتقل إلى سوق محلية أخرى لتتسبب في حدوث فقاعة سعرية ثالثة، أو أنها قد تتسرب إلى خارج الحدود، وكلا الأمرين لا شك أنهما بالغا المرارة على الاقتصاد الوطني. لعلنا نسمع قريبا من وزارة المالية إعلانا إيجابيا حول هذا الشأن المهم، وهو ما نتمنى جميعا حدوثه في أقرب وقت ممكن. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/08/article_947412.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.