متى تتقدم سوق الصكوك والسندات؟

على الرغم من الخطوات المتقدمة التي نفذتها السوق المالية السعودية “تداول”، في اتجاه تطوير “بيئة التداول” سوق الصكوك والسندات محليا، إلا أنها لا تزال على أرض الواقع متأخرة جدا مقارنة باحتياجات الاقتصاد الوطني عموما، وبيئة الاستثمار المحلية على وجه التحديد! حيث لم يتجاوز حجمها حتى نهاية 2014 سقف 25.5 مليار ريال فقط، أي بما لا تتجاوز نسبته 1.4 في المائة من القيمة الرأسمالية للسوق المالية المحلية.

يحمل التأخر في هذا الجانب البالغ الأهمية لمختلف أطراف السوق والاقتصاد الوطني، عديدا من الجوانب؛ فلا توجد حتى تاريخه أنظمة وتشريعات تتيح إنشاء وتأسيس مؤسسات تصنيف، إلى الدرجة التي يمكن القول معها؛ إن البيئة التشريعية اللازمة لتكامل إنشاء هذه السوق التمويلية “سوق الدين”، لا تزال في مرحلة متأخرة من حيث تطورها، مقارنة بمؤشرات التقدم الكبير المتحقق في بقية جوانب السوق المالية المحلية. تتحمل مسؤولية هذا الملف بأكمله مؤسسة النقد العربي السعودي بصفتها المسؤولة عن سوق النقد في البلاد، وكونها الجهة المسؤولة عن قطاع التمويل، الذي من الضرورة تحقيق مزيد من التقدم العملي في هذا الشأن الحيوي التمويلي، خاصة بعد أن أكملت تماما إصدارها أنظمة وقواعد التمويل، إلا أنه لا يزال قاصرا عن استيعاب المنتجات المالية من صكوك وسندات ستنشأ لاحقا مع زيادة نشاط مؤسسات التمويل الخاضعة لتلك الأنظمة الصادرة حتى تاريخه، دع عنك عدم قدرة الشركات والمؤسسات المحلية في الوقت الراهن على الاستفادة من هذه السوق الغائبة، كأحد أهم قنوات التمويل لأنشطتها، نظير ما تتمتع به هذه المنتجات من انخفاض تكلفتها النسبية، وانحسار تلك القدرة في عدد محدود جدا من الشركات الكبرى.

تزداد الأهمية القصوى لتطوير هذه السوق في الوقت الراهن، الذي يحمل في طياته عديدا من المؤشرات والتطورات الحامل جزء منها فرصا واعدة لا يجب تفويتها بالنسبة للاقتصاد الوطني وبيئته الاستثمارية، وفي جزئها الآخر ارتفاع درجات المخاطر المنتظمة والمتجددة وفقا للظروف الاقتصادية والمالية وغيرها من المخاطر خارج هاتين الدائرتين. وإن كان قد دفع كثير من الأثمان جراء غياب تطوير وتقدم سوق الدين المحلية طوال العقد الماضي، من تفاقم موجات التضخم محليا، وتكون عديد من الفقاعات السعرية في الأسواق المحلية (سوق المال، ثم سوق العقار، وغيرها من الأسواق الصغرى)، عدا العواصف المضاربية التي ارتفع كعبها في أكثر من سوق محلية، وما نتج عنه من آثار سلبية، ألحقت أضرارا وخيمة بالاقتصاد الوطني، أقول رغم كل تلك الأثمان الباهظة، والقدرة النسبية على امتصاص آثارها السلبية (بعضها ما زال قائما بأضراره الوخيمة حتى الساعة؛ ممثلا في تضخم السوق العقارية)، إلا أن الفترة الراهنة ومستقبلا، لا شك أن وقع تلك الآثار ستكون له أضرار أكبر وأعمق على الاقتصاد الوطني عموما، وعلى مختلف أوجه التنمية الشاملة والمستدامة، التي يعد تعزيزها وتطويرها في الوقت الراهن الهدف الأول لخطط التنمية.

ففي الوقت الذي يشهد خلاله اقتصادنا الوطني طفرة غير مسبوقة في حجم سيولته المحلية (تناهز 1.8 تريليون ريال)، يشاهد في المقابل ضعف في سعة وعدد قنوات الاستثمار المحلية المفترض توافر القدرة لديها على امتصاص تلك الفوائض من السيولة الضخمة، وهو ما يفسر سرعة انتقال الفقاعات السعرية من سوق لأخرى، وهي بالنسبة لنا تكاد لا تتجاوز سوقي المال والعقار! وهما اللتان تعرضتا لفقاعتين سعريتين متتاليتين خلال العقد الماضي؛ الأولى في سوق المال (2003-2006)، والثانية في سوق العقار (2006-2014). شهد الاقتصاد الوطني والمجتمع انفجار الفقاعة الأولى (سوق المال) مطلع 2006 بعد استفاقة الأجهزة المعنية بالسوق، وإصدارها عديدا من التشريعات والقرارات التنظيمية التي استهدفت بعد فوات الأوان معالجة التضخم الكبير في أسعار الأصول المدرجة في السوق المالية، نتج عنها عديد من الآثار السلبية التي لا يزال أغلبها قائما حتى الساعة.

انتقل على أثرها جزء من السيولة المحلية إلى السوق العقارية، وجزء آخر خرج إلى خارج الحدود، وكلاهما ترك خلفه آثارا سلبية أضرت بالاقتصاد الوطني والمجتمع عموما، فالسيولة التي تدفقت إلى السوق العقارية انتهى بها المطاف إلى تضخيم أسعار الأراضي والعقارات بصورة أوصلت السوق إلى واحد من أكبر التحديات التنموية، وهي تشهد في الوقت الراهن استفاقة قوية من لدن الأجهزة الحكومية، تستهدف تصحيح ومعالجة الفقاعة السعرية الهائلة التي تورطت فيها السوق. وبالنسبة للسيولة التي خرجت إلى خارج الحدود، فعدا أنها تعرضت لمخاطر عالية جدا نتيجة الأزمة المالية العالمية نهاية 2008، فقد حرم الاقتصاد الوطني من استثمارها محليا، وتوظيفها في مجال الإنتاج وتنويع قاعدته محليا، كان مفترضا أن يثمر وجودها زيادة إيجاد فرص العمل المجدية، وتحقيق مزيد من شروط استقرار الاقتصاد الوطني، إلا أن أيا من ذلك لم يحدث.

إذا؛ بالنظر إلى التصحيح الذي بدأت مؤشراته بخصوص الفقاعة السعرية للعقار، وبالنظر إلى ارتفاع درجة المخاطر في السوق المالية المحلية، إضافة إلى تراجع أسعار النفط العالمية، وأهميتها كمورد رئيس للميزانية العامة، وتحوطا تجاه هروب مزيد من السيولة المحلية إلى خارج الحدود، لا بد من العمل العاجل جدا على إيجاد وتطوير سوق الدين (صكوك، سندات)، وتأهيلها لامتصاص السيولة المتوقع خروجها من السوق العقارية (المضاربة على الأراضي)، الذي بدوره ووفقا لسمات تلك السوق التي تمتاز بتقديمها منتجات استثمارية ذات مخاطر أقل مقابل عوائد دورية آمنة، ستحقق مزيدا من الحماية للمستثمرين، وقدرة أكبر على تنويع المخاطر.

الأمر الأهم من كل ذلك؛ أن تطوير هذه السوق للصكوك والسندات، سيؤدي إلى زيادة خيارات التمويل بصورة أكبر وأقل تكلفة بالنسبة للحكومة مقابل توقع انخفاض دخلها من عوائد النفط، وكذلك الحال بالنسبة للشركات والمؤسسات المحلية، التي تفضل كثيرا هذه القناة في مثل الظروف الراهنة، مقارنة بغيرها من قنوات التمويل (زيادة رأس المال، الاقتراض المباشر من المصارف المحلية أو العالمية). وبالنظر في كل من الحالتين الأخيرتين سواء بالنسبة للحكومة أو القطاع الخاص، فكلاهما في ظل التراجع الراهن لأسعار النفط ستزداد احتياجاته بصورة أكبر مما مضى لتمويل نشاطاته، كل حسب المسؤوليات الملقاة على عاتقه. إنه الملف الحيوي والتنموي الذي يتطلب سرعة في التعامل والمعالجة، وهو ما سيتم تناوله بتفصيل أكبر مستقبلا، بإذن الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/06/article_946723.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.