السعوديون يتحدثون “عاصفة الحزم”

جاءت مواقف المجتمع السعودي بكل أطيافه وشرائحه ثابتة وراسخة في صف “عاصفة الحزم”، وليس هذا محل الحديث والنقاش، بقدر ما أن اللافت جدا في مفاجأة “عاصفة الحزم” التي باغتت العدو، وأحدثت في صفوفه صدمة لم يخرج منها حتى الساعة، هو في مقابل تلك الصدمة؛ الاتحاد التام وصلب القاعدة، الذي اصطف في جداره الوطني الحصين جميع أفراد المجتمع ذكورا وإناثا.

إنها الصدمة الأقوى والأطول أمدا في تأثيرها، المتمثلة في التفاف أفراد المجتمع السعودي حول ولائهم لقيادتهم، ووحدة وطنهم. هذه القضية التي طالما ظن الأعداء بغض النظر عن منطلقهم وغايتهم أنها قد تكون المنفذ لاختراق وحدة البلاد في أزمان سابقة، لعل آخرها عهدا وأكثرها عصفا هدير “الربيع العربي” الذي عصف باستقرار عديد من البلدان العربية، ولا يزال الهدير مستمرا في عديد من العواصم العربية. لقد راهن الأعداء على عديد من المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي لعبت كعوامل رئيسة وراء تحرك الشارع في تلك البلدان، وشتان بين الشارع السعودي وبقية الشوارع العربية، كون الشارع السعودي قد بني على عقد متين بينه وبين قيادته، كان أول وأقوى وشائجه على الإطلاق هو العقيدة الإسلامية التي نهضت بها وحدة هذه البلاد، واستمرت حياتها عليها حتى هذه الساعة، وستمضي عليها -بمشيئة الله- مستقبلا.

إنها وشيجة الالتحام والاتحاد المشتركة بالكامل بين القيادة والمجتمع، فلا مجال على الإطلاق لاختراق تلك العلاقة الوثيقة، إلا بانتفاء هذه الركيزة الصلبة! التي تستمد قوة الإيمان بها في جميع أفئدة السعوديين من القرآن الكريم وسنة رسول الله -عليه أفضل الصلاة والسلام-، وهي القوة التي تستقر فوق العقود والروابط الوضعية.

ظن من ظن أن وجود بعض السمات المتشابهة في خصوص التحديات الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية، ومنها هذه البلاد، أنها قد تكون منفذا لاختراق وحدة واستقرار البلاد، شأنها شأن بقية البلدان الأخرى حتى على مستوى خارج الوطن العربي الكبير، ولأن من ظن هذا كان غائبا عنه قوة ذلك العقد المستند إلى الدين الإسلامي قبل أي اعتبار آخر، لم يكن مفاجئا أن تبوء توقعاته بالفشل! فليس في حسابات من ارتبط مصيره بثوابت راسخة في الدين القويم طوال 14 قرنا مضت، أن يتورط في الهدم والدمار والهلاك، وهماً منه أنه سيبني من جديد! ويزيد من إيمان كل إنسان انتمت جذوره إلى هذه الأرض، معرفته التامة بما عانته هذه الأرض قبل وحدتها القائمة اليوم من شتات وانعدام أمن وشظف في العيش وصل إلى حدود المجاعات والهجرة منها، فلا مجال على الإطلاق للعودة إلى الوراء مهما كلف ذلك من الثمن.

لم يسبق “عاصفة الحزم” أي تهيئة إعلامية أو خلافه لأجلها، وهو عادة ما يتم العمل عليه في عديد من البلدان، وما أثبته كل فرد من أفراد المجتمع السعودي من مواقف ثابتة بعد انطلاق تلك “العاصفة” المباركة، لم يكن أبدا وليد أي تهيئة من هذا النوع، بقدر ما أنه كما أسلفت أعلاه؛ كان نتيجة القوة النابضة التي تنبض بها وحدة هذه الأرض بين قيادتها وشعبها. الباحث والمستقصي وراء هذا الاندماج التام، والالتحام المتين بين قيادة البلاد ومجتمعه، أؤكد أنه لن يجد إن ظل طريق بحثه خارج حدود العلاقة أعلاه، إلا مزيدا من الشتات والضياع، ولا عجب أن وقع ضحية الصدمة، تتلوها صدمة أكبر من سابقتها.

نعم أتى التفاف كل فرد من مجتمعنا حول “عاصفة الحزم”، دون أي تهيئة أو ترتيب مسبق، وهو عن حق دون مراء أو تزييف للحقائق؛ أتى نتيجة العلاقة المستمدة من القرآن الكريم وسنة الرسول -عليه أفضل الصلاة والتسليم- مستلهمة في جوهر جهادها اليوم قوله عز وجل “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا * واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون” (103) (سورة آل عمران). الكلمات الربانية التي يلهج بها المؤمن في صلاته المقامة أركانها خمسا في كل يوم تشرق عليه هذه البلاد، ويلهج بها كلما قرأ القرآن الكريم في أي وقت.

ستمضي هذه البلاد وكل فرد ينتمي إليها في منهجها -بحول الله وقوته-، وستواجه قدرها في هذه الحياة، مستلهمة قرآنها وسنة نبيها -عليه أفضل الصلاة والتسليم-، وكما أنها اجتازت عواصف سبقت قد تكون أعتى وأقوى من “عاصفة الحزم” اليوم، فهي -بإذن الله تعالى- قادرة على المضي قدما منتصرة ومؤيدة من ربها، لا ولن يثنيها عن نصرة المظلوم شيء كما هو اليوم في اليمن الشقيق، ولا في أي موقع من الأرض تعتقد أن نصرته ورفع الظلم عنه تكليف من رب العالمين. حفظ الله بلادنا وقادتها وأهلها، وثبتهم بتأييده وقوته على طريق الحق إلى يوم الدين. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/04/01/article_945129.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.