استقبال رسوم الأراضي بوعود التجاوزات

ماذا يعني توقع البعض عدم جدوى الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات والمراكز على الحد من ارتفاع الأسعار، والقضاء من ثم على أزمة الإسكان محليا؟ وماذا يعني ميل البعض الآخر إلى ترجيح قدرة تجار العقار بالقفز على آليات تلك الرسوم والأهداف منها، وأنها لن تجدي نفعا معهم؟ وماذا يعني تهوين البعض الآخر من فعالية تلك الرسوم، وأنها لن تؤدي إلى حل الأزمة على حد تعبيرهم، بقدر ما أنها ستؤدي إلى تفاقمها، مع الاستشهاد بحالات بعض البلدان التي لم تنجح فيها تطبيق مثل تلك الرسوم؟ والعشرات من الأسئلة الأخرى التي تحوم حول ذات النقطة؛ إن الرسوم لم ولن تكون ذات جدوى في ميزان مواجهة أزمة الإسكان المحلية.

يجدر القول إن هذه المرحلة التي وصلنا إليها، تحولت فيها مسألة الرسوم على الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات والمراكز إلى حقيقة واقعة، وقرار حكومي تمت الموافقة بخصوصه من مجلس الوزراء بناء على توصية مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية به، لم يعد ينتظر تطبيقه إلا قيام المجلس بإعداد الآليات والترتيبات التنظيمية لذلك، والرفع إلى مجلس الوزراء بما يتم التوصل إليه، تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشورى لاستكمال الإجراءات النظامية في شأنه بشكل عاجل. بمعنى أن المسألة أصبحت محسومة من الدولة، ولم تعد في موقع خلاف تفرض أو لا تفرض، وأننا في طور المرحلة النهائية والأخيرة التي تسبق تطبيقه فعليا، وهو ما لم يستوعبه حتى تاريخه عديد من تجار العقار ومنظريهم، والسبب وراء ذلك بالدرجة الأولى متأتٍ من هول صدمة القرار بالنسبة لهم، خاصة أنهم وصلوا حتى ما قبل صدور القرار بساعات قليلة جدا إلى قناعة تامة، بأن قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، قد أصبح ملفا مستبعدا تماما من سلة الحلول الحكومية المرتقبة، ولا أحد يعلم عن مصدر تلك الثقة المفرطة والقناعة باستبعاده سوى ذلك المعسكر.

سيتيح للقارئ الكريم الفهم والاستيعاب الجيد لهذا التصور، ولما جرى حتى تاريخه منذ صدر قرار مجلس الوزراء؛ من مقاومة يائسة لآثاره المرتقبة في تصحيح الأسعار المتضخمة، ومحاولات أكثر يأسا من تجار العقار لبثهم تصريحات كثيفة بعدم قدرته وجدواه على معالجة أزمة الإسكان، إلى ما لا نهاية له من ردود الأفعال الرافضة في حقيقتها لصدور ذلك القرار. كل هذا؛ حينما نقارنه بما كانت أطروحات تجار العقار ومنظريهم دارجة عليه حتى ما قبل صدور القرار، فإن تلك المقارنة ستظهر لك عددا من الحقائق التي لا شك أن أول من يريد طمسها، وعدم الاعتراف بها هم تجار العقار أنفسهم، وتحديدا المتورطون في افتعال الأزمة الإسكانية لدينا. فما تلك الحقائق؟

إن الرفض سابقا جملة وتفصيلا لقرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، والتشكيك والمراوغة لاحقا بعد صدور القرار، يحمل في طياته ما يلي من حقائق؛ الحقيقية الأولى: أن أول وأخطر ركائز الأزمة الإسكانية يتمثل في (تضخم الأسعار) بصورة كبيرة جدا، وهو ما يكشفه دون شعور من تجار العقار ومنظريهم تصريحاتهم بعدم جدوى الرسوم في خفض الأسعار! فكيف يقرر هؤلاء عدم تضخم الأسعار لدينا في أغلب تشخيصهم للأزمة، بل إنهم دائما ما يصرحون بأنها الأرخص على مستوى العالم! فهل يفسر قولهم هنا دفاعا عن (كذبة) طالما روجوا لها؟ أم أنه إقرار منهم دونما شعور بأن قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء سيطيح فعلا وبكل قوة بعروش تلك الأسعار الشاهقة؟ والحقيقة أن أي إجابة عن السؤالين بمنزلة الورطة التي لا منفذ أبدا للخروج منها.

الحقيقة الثانية: أن القول بعدم جدوى تلك الرسوم على الأراضي البيضاء، سيكون مآله إلى الفشل بحل الأزمة الإسكانية، لعدم فاعليته على خفض الأسعار المتضخمة (ورطة إضافية أخرى)، والسبب وراء ذلك بالدرجة الأولى حسب وجهة نظر تجار العقار ومنظريهم؛ أن تجار العقار والأراضي، خاصة كبار الملاك منهم، ستكون لديهم القدرة الفائقة على التملص من تلك الرسوم والتحايل عليها، وأن موقفهم أقوى من أن يرضخوا مستسلمين لها حتى وإن كانت الحكومة هي من ستتولى فرضها عليهم، وتحصيل رسومها منهم! هل هذا القول اعتراف صريح منهم بأن الأزمة الإسكانية: (1) أنها مفتعلة من الأصل من قبل من يراهنون على قوتهم وقدرتهم على التصدي لتأثير تلك الرسوم، وأنها ليست أصلا نتيجة ما ملأوا به سماوات الإعلام والرأي العام طوال الأعوام الماضية من أسباب أخرى لا علاقة لها من قريب أو بعيد بجذور الأزمة، وكأنما هم هنا يقرون بأنها لم تكن إلا ذرا للرماد في أعيننا لإبعادها عن تلك الأسباب والتشوهات الخطيرة. (2) أن السوق العقارية (الأراضي تحديدا) خاضعة بالفعل لأشد أنواع الاحتكار، التي وصلت بها قوتها الصلبة إلى درجة الثقة القصوى من قبل أولئك التجار العقاريين بقدرتها العالية على التصدي لأي قرارات حكومية تستهدف تفكيكها والقضاء عليها.

الحقيقة الثالثة والأهم: أمام كل ما تقدم من فواجع أظهرتها تصريحات ورؤى وتوقعات تجار العقار ومنظريهم، وتحديدا ما صدر منها بعد صدور موافقة مجلس الوزراء على قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء! يطرح السؤال التالي: إذا كانت تلك التصريحات سواء ما حاولت إظهاره (بعدم وجود احتكار، وعدم وجود تضخم بالأسعار)، أو بما كشفته تلك التصريحات دون شعور وانتباه ممن أصدرها (أن الاحتكار ضارب بأطنابه العميقة في جسد السوق العقارية، وأن الأسعار متضخمة جدا نتيجة لهذا الاحتكار)؛ أقول إذا كانت الحال هي تلك على أي من الحالتين سواء الظاهرة المصطنعة، أو الباطنة المقصود عدم الاعتراف بها إلا أنها انكشفت، فلماذا كل هذا الخوف من فرض الرسوم على الأراضي البيضاء؟ ولماذا الحكم مسبقا بعدم جدواها؟ ولماذا لم نشهد مقاومة وذعرا من قرار الرسوم في جميع ما تقدم سابقا من قرارات وإجراءات اتخذتها الحكومة؟

ختاما؛ تؤكد خفايا ما باحت به تصريحات وردود أفعال تجار العقار ومنظريهم طوال الأسبوع الأخير حقيقة مهمة جدا، يجب عدم التأخر أمامها من قبل الأجهزة الحكومية المعنية، أنه أصبح مؤكدا لدى تلك الأجهزة المعنية الأسباب الخطيرة وراء أزمة الإسكان، ولهذا فلا بد من الإسراع الفوري بتطبيق قرار الرسوم على الأراضي، والعمل العاجل على إصدار آلياتها الدقيقة والصارمة في أسرع وقت ممكن، وضرورة أخذها بعين الاعتبار لصيغ وأدوات الاحتيال المحتملة كافة من قبل الخاضعين لتلك الرسوم. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/03/30/article_944500.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.