ما القيمة المضافة لأي سيولة في اقتصادنا؟

هل تخيلت ذات يوم ماذا سيعود على الاقتصاد والمجتمع، إذا ما تم توظيف أغلب ثرواته النقدية في أهم النشاطات الاقتصادية محليا؟ وما العوائد أو القيم المضافة إلى الاقتصاد حال تم توظيفها بصورة مثلى، تلبّي احتياجاته تجاه التنمية المستدامة وتوطيد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟

للحق أن الدراسات والأبحاث في هذا الشأن تكاد تكون في أدنى مستوياتها، إن لم تكن معدومة بالنسبة لعديد من الأجهزة الحكومية والمؤسسات البحثية، فأغلب التقارير والأبحاث الصادرة عن الأجهزة الحكومية، إما لمجرد سرد ووصف تطورات تمت خلال فترة محددة في الغالب تكون لعام مالي كامل، أو لتحليل نشاط معين وجدوى الاستثمار فيه، كتلك التقارير الصادرة عن المؤسسات البحثية المحدودة العدد أو عن عدد من الشركات الاستثمارية، التي تستهدف التسويق والترويج لفرص بعينها، يتم إعداد كثير منها خارج حدود البلاد، يتم إخراجها في قالب محلي، وتجد أن رأسمال رسالة تلك التقارير هو التركيز على العائد الربحي المتوقع من الاستثمار في هذا النشاط أو غيره.

يحدث هذا وتستمر سيطرته في متوالياته المتكررة في ظل غياب رؤية شاملة لوزارة الاقتصاد والتخطيط، التي لم ولن تعوض غيابها الخطط التنموية كل خمسة أعوام، ولم ولن تعوض غيابها الخطط الاستراتيجية التي تصدر من وقت إلى آخر عن عديد من الأجهزة الحكومية. وقد يكون سيد الأفكار في الوقت الراهن، هو الحديث المبهم دون عمق بحثي عن “التخصيص”.

التخصيص الذي ذهب في شتى المجالات والاتجاهات، ولم نشهد حتى تاريخه عودة حقيقية لأي من نتائجه الملموسة إلا ما ندر، التي ضجت بها صفحات مئات التقارير والدراسات عن جدوى “التخصيص”، فقد ذهب هذا الملف اللامع عنوانه إلى أغلب النشاطات؛ منها الكهرباء والمياه والتعليم والصحة والنقل وحتى النشاط الرياضي إلى آخر النشاطات الاقتصادية، على الرغم من التحفظ الكبير حول تخصيص عدد من تلك النشاطات كالمياه والصحة والتعليم.

يقف اقتصادنا الوطني على قمة شاهقة تحتها جبال هائلة من السيولة، يندر أن تشاهد مثلها في أي اقتصاد حول العالم في وقتنا الراهن، ورغم الفرص الواعدة اقتصاديا واستثماريا التي يستقر أغلبها خامدا في أحشاء اقتصادنا الوطني، إلا أن العوائق بينها وبين الاستفادة من تلك السيولة المالية العملاقة لا يزال كعبها هو الأعلى، وهو السد الأكثر مناعة للفصل بين توظيف السيولة المالية في قنوات تلك الفرص الواعدة، ولأن ثمار وعوائد ذلك الالتقاء المأمول بين الطرفين غائب كما أشير أعلاه، والغائب الأهم والأكبر هنا في هذا السياق هو الغياب الفادح لمعرفة القيم المضافة إلى اقتصادنا الوطني؛ من محفزات للنمو المستدام، والقدرة على إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة والمجزية للمواطنين والمواطنات، والقدرة أيضا على إيجاد القنوات الأكثر نفعا لامتصاص تلك الفوائض العملاقة من السيولة المحلية، أؤكد أننا تحت وطأة هذا الغياب الواسع الأعباء والتكاليف، سنجد أنه ليس من المستغرب أن نواجه التحديات الاقتصادية الجسيمة الماثلة أمامنا في الوقت الراهن!

التحديات الاقتصادية التي منها؛ ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، زيادة الاعتماد على استيراد منتجات العالم الخارجي، مقابل زيادة تصديرنا للمواد الخام، زيادة تدوير السيولة المحلية في مجالات المضاربة على نقل ملكية الأصول (أسهم، عقارات)، تآكل قيمة الدخل الحقيقي محليا نتيجة تفاقم تلك المضاربات، خاصة إذا تفاقم نشاطها المحموم في السوق العقارية على قطع الأراضي والمخططات الفارغة من أي تطوير حضري.

هاك هذا المثال، حتى ندرك جميعا أي أعباء حملناها اقتصادنا ومجتمعنا؛ ماذا يعني ضخ 400 مليار ريال على سبيل المثال في ملايين القطع من الأراضي البيضاء، وتدويرها شراء وبيعا في حلقة مفرغة لا تكل ولا تمل من الدوران؟! وأن تصبح تلك الثروات في منظور عامين إلى ثلاثة أعوام 2.0 تريليون ريال نتيجة التدوير والمضاربات! علما أنه لم يطرأ تغيير يذكر على تلك الأراضي البيضاء.

كم يا ترى تم إيجاده من الوظائف للمواطنين والمواطنات أثناء رحلة صعود تلك الأموال من 400 مليار ريال إلى أن تجاوزت 2.0 تريليون ريال؟ وما القيمة المضافة التي أضيفت إلى الاقتصاد الوطني؟ وكم يا ترى أسهمت في زيادة صادراتنا غير المواد الخام؟ وكم يا ترى عوضت محليا وارداتنا من الخارج؟ وكيف توزعت هوامش أرباح تلك الأموال خلال الفترة (وهي هنا نحو 1.6 تريليون ريال) على أفراد المجتمع؟ وهل أدى تدوير تلك الطاحونة المضاربية إلى زيادة النشاط الاقتصادي والإنتاج، أم أنه أدى إلى ارتفاع التضخم وتآكل الدخل الحقيقي وتوسيع دوائر الغلاء في كل حدب وصوب من الاقتصاد المحلي؟

أعتقد أن الإجابات أوضح من أن يتم سردها هنا، ولعل القارئ الكريم يدرك تماما النهاية المؤسفة إذا ضخت أغلب السيولة المحلية في القناة المذكورة على سبيل المثال أعلاه، إنها تعني الدفع بالاقتصاد الوطني للتورط في نشاطات تبتعد به كثيرا عن الإنتاج والتوظيف والمنافسة، لتغوص أقدامه أكثر في وحل المضاربات وتدوير الأموال، وكشفه تماما دون أي دفاعات أمام تفاقم موجات التضخم والبطالة والفساد واختلال مستويات الدخل بين أفراد المجتمع الواحد، لتقوده دون هوادة إلى التورط في أزمات مالية واقتصادية واجتماعية وأمنية لا يمكن تصور آثارها الوخيمة بأرقام اليوم.

إن نفع وعائد مليون ريال فقط يتم استثمارها في مشروع (تجاري، خدمي، صناعي)، أكبر في عائده ونفعه مليون مرة من نفع توظيف 100 مليار ريال وتدويرها شراء وبيعا في قطع أراض بيضاء، سيمضي على خوائها من البشر والتطوير والإحياء عشرات الأعوام، فتبقى الأراضي كما هي جرداء بيضاء كما كانت، فيما يزيد فقط ثمنها بعشرات الأضعاف! لقد أوجد المليون ريال فرص عمل كريمة ومصدر دخل ثابت للعاملين، وأسهم في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وفي تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصاديين! مقابل انعدام أي من هذه العوائد بالنسبة للمليارات من الريالات التي تم ضخها في أراض قحال، مضت عليها الأعوام المديدة وهي على حالها الخام، ولم يجنِ منها الاقتصاد والمجتمع إلا زيادة في الغلاء وتكريسا لاختلال توزيع الدخل، والتسبب في صنع أزمات اقتصادية واجتماعية كنا في غنى تام عنها.

التصدي للإجابة عن السؤال (ما القيمة المضافة لأي سيولة في اقتصادنا؟) هو ضمن مهام ومسؤوليات وزارة الاقتصاد والتخطيط بالدرجة الأولى، يليها مختلف الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية. كلما طال أمد تهميش الإجابة عنه بما تقتضيه أهميته القصوى، طالت حالة الاكتواء بآثار ونتائج ما نواجهه اليوم من تحديات تنموية كبيرة! نترك الإجابة جميعا لوزارة الاقتصاد والتخطيط! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/03/21/article_941985.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.