كيف أصبح العقار السعودي الأغلى عالميا؟

دائما ما يقارن تجار العقار سعر متر الأرض لدينا بسعره في البلدان الأخرى، دون النظر إلى اعتبارات أخرى لها الدرجة نفسها أو أعلى من الأهمية، كعامل الدخل السنوي للفرد، ولندرة الأرض من عدمها، وللكثافة السكانية منسوبة إلى المساحات المتوافرة من الأراضي الصالحة للسكن.

المهم أن هذه المقارنة المضللة؛ تنتهي وفقا لتقييم أولئك التجار إلى نتيجة أكثر تضليلا بأن أسعار الأراضي لدينا هي الأدنى عالميا وإقليميا! وأنه برأيهم حينما يراوح سعر متر الأرض بين 2000 و4000 ريال للمتر، وسعر الوحدة السكنية (فيلا) يراوح بين مليون ريال و1.8 مليون ريال، فإنها تعد أثمانا بخسة جدا مقارنة بالعقارات المماثلة لها في بقية بلدان العالم.

إن المقارنة بهذه الطريقة المطلقة دون الأخذ بأهم عامل ممثل في دخل الفرد، مقارنة تتجاوز في حدود التضليل إلى درجة تتجاوز ما تحمله نتائجها من الويلات على البلاد والعباد ما لا يمكن تقديره بأرقام الوقت الراهن، فلا بد أن تقوم تلك المقارنة على ناتج العلاقة بين الدخل والسعر لتستقيم أمامك المقارنة بين أسواق أخرى في بلدان مختلفة الظروف والأوضاع فيما بينها، وبناء عليها يمكن إطلاق الحكم والتقييم بارتفاع أو انخفاض الأسعار. يطلق على المعادلة التي تستنتج العلاقة بين الدخل والسعر “مضاعف أسعار المساكن إلى الدخل المتاح للفرد”، وهو مقياس يتيح التعرف على قدرة الفرد على تحمل تكاليف تملك الوحدة السكنية، وذلك بقسمة السعر الإجمالي للمسكن على الدخل السنوي للفرد، لتعكس نتيجته عدد السنوات اللازمة للفرد لأجل تملك ذلك المسكن، بناء على مستوى الأسعار السائدة مقارنة بمستوى دخله، ودون اضطراره إلى الاقتراض من أي طرف آخر.

بتطبيق تلك المعادلة على الوضع لدينا، ومن ثم مقارنته ببقية البلدان، يمكن بعدئذ فهم أين نحن، وهل أسعار العقارات والمساكن منخفضة أو مرتفعة. حيث بلغ المتوسط العام للأجور الشهرية للعمالة السعودية خلال 2014 نحو سبعة آلاف ريال شهريا “84.1 ألف ريال سنويا”، مقابل متوسط تكلفة للمساكن تراوح بين 1.5 و2.0 مليون ريال للوحدة، وبأخذ متوسط تلك التكلفة 1.75 مليون ريال وقسمته على الدخل السنوي للمواطن، تظهر النتيجة أن عدد السنوات اللازمة لتملكه لذلك المسكن يصل إلى 21 عاما “للموظف في القطاع الحكومي نحو 19 عاما بمتوسط أجر 8090 ريالا شهريا، وللموظف في القطاع الخاص نحو 31 عاما بمتوسط أجر 4750 ريالا شهريا”.

الآن يمكن قراءة هذا الناتج الظاهر مقارنة بالناتج نفسه لبقية البلدان، ووفقا للبيانات المتوافرة لم تتجاوز أي من البلدان الأخرى سقف 14 عاما كهونج كونج التي يوجد فيها أغلى العقارات عالميا، التي لا تقارن مساحتها الضئيلة جدا مع المساحة الشاسعة لبلادنا، فيما ستجد أن المتوسطات العالمية الأكثر انتشارا تراوح بين ستة وعشرة أعوام، فأين نحن من هذه المعدلات المتدنية جدا مقارنة بالمعدل السعودي كما نراه أعلاه؟!

لقد ثبت لنا في أكثر من مقام ومقال وتقرير؛ أن مستويات أسعار الأراضي والمساكن في بلادنا تعاني التضخم السعري الهائل، وأن أسباب ذلك التضخم ناتج بالدرجة الأولى عن تضخم أسعار الأرض، التي ارتفعت نسبة استحواذها من أسعار المساكن إلى أعلى من 70 في المائة من ثمن المسكن، في الوقت الذي لا يجب أن تتجاوز نسبة 25 في المائة من القيمة العادلة لأي وحدة سكنية! كما ظهر لدينا وتأكد لنا جميعا الأسباب أو التشوهات بمعنى أدق التي أدتْ إلى الارتفاع المبالغ فيه لسعر الأرض، وأنها اجتمعت حول احتكار الأراضي كأهم وعاء مخزن للقيمة والثروات في بلادنا، وبالدرجة الثانية ارتفاع حدة المضاربات بالأموال الباحثة عن قنوات استثمار لم تجدها، ما زاد بدوره في دخول أسعار الأراضي في حلقة مفرغة صاعدة سعريا، أوصلتنا جميعا إلى ما نحن عليه في الوقت الراهن من أشكال الأزمة العقارية والإسكانية.

دخلت بعده السوق العقارية في حالة من الركود الكبير منذ الربع الأخير للعام الماضي ولا تزال ترزح تحت ضغوطه، نتج عنها تراجع طفيف في متوسطات الأسعار لم يتجاوز سقف 20 في المائة، وهي نسبة تراجع لا تكاد تذكر مقارنة بنسب الارتفاع الهائلة التي طرأت على الأسعار طوال الفترة 2006 ـــ 2014. جاءت حالة الركود نتيجة عدد من العوامل: (1) عدم مقدرة أغلب الأفراد على الشراء بالأسعار التي وصلت إليها قطع الأراضي السكنية والمساكن. (2) بدء التطبيق الفعلي لنظام التمويل العقاري، وتحديده لنسبة الحد الأقصى للتمويل بـ 70 في المائة من إجمالي قيمة العقار. (3) عدة عوامل اقتصادية؛ من أهمها التراجع الكبير الذي طرأ على أسعار النفط عالميا.

إذا والحال تلك التي أثبتت غلاء في أسعار الأراضي والمساكن لدينا لا مثيل له في بقية بلدان العالم، التي أوضحت أن “مضاعف أسعار المساكن إلى الدخل المتاح للفرد” لدينا يتجاوز ضعفه في أقرب البلدان إلينا، دع عنك المتوسط العالمي الذي يصل بالمقارنة به إلى ثلاثة أضعافه، هل من المقبول بعدئذ تصديق المقولات الزائفة لتجار العقار أن العقارات لدينا هي الأرخص عالميا؟ وهل من المقبول الانجراف وراء توصيات من يطالب بزيادة مستويات الأجور والقروض العقارية؟ وماذا برأي الفكر الموضوعي سيحدث للأسعار إن اتخذت قرارات مستجيبة لتلك التوصيات؟ إلا أنها ستعيدنا إلى المربع الأول من الأزمة، ولكن هذه المرة بتكلفة أعلى وأخطر! تتلخص أخطر فصولها في الدرجة الأولى في مواجهة فاتورة أجور هائلة تثقل كاهل الميزانية العامة وميزانيات القطاع الخاص، وفي النهاية لن تجدي نفعا إلا أن تستمر تلك الفاتورة في الارتفاع فترة بعد فترة. وبالدرجة الثانية في مواجهة فاتورة ديون طائلة بتريليونات الريالات على كاهل المواطنين والمواطنات، لا يتوقف تصاعدها ما دام أن مستويات الأسعار ستظل صاعدة إلى الأعلى ولا يوجد أي رادع يردعها عن الارتفاع.

لن أكرر الإشارة إلى ضرورة اتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر والجدية تجاه مطالب وتوصيات رفع القدرة على الاقتراض، وأنها فوهة الخطر الخارجة عن السيطرة على القطاع المالي في الدرجة الأولى، وعلى الاقتصاد الوطني والمجتمع بدرجة ثانية. كما لم يعد خافيا على الجميع حجم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المرتفعة جدا حال استمرت حياة التشوهات العميقة، التي تسببت في وصول السوق العقارية والإسكان إلى ما وصلت إليه من تضخم سعري مخيف، وأن ضخامة تحديها وتهديدها الخطير، أصبح إلزاميا علينا جميعا وفي المقدمة الأجهزة الحكومية المعنية، أن تتخذ خطوات وإجراءات جادة وسريعة لمواجهته قبل أن يطيح بمقدرات البلاد والعباد، ولا تزال الفرصة مواتية حتى تاريخه فهل نستغلها أم نفرط فيها؟! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/03/18/article_941020.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.