سوق العمل المحلية .. ماذا بعد؟

تلخص لدينا حتى ما قبل هذا المقال تحديان تواجههما سوق العمل المحلية، تمثلا في التحدي الأول: غياب أو تضارب التشخيص الرقمي الموثوق لوضع سوق العمل بدرجة كبيرة جدا “أحد أمثلته؛ عدد العمالة الوافدة بنهاية 2013 بلغ وفقا لمصلحة الإحصاءات 6.02 مليون عامل وافد، بينما بلغ وفقا لمجموع بيانات وزارتي العمل والخدمة المدنية للعام نفسه نحو 8.3 مليون عامل وافد! أي بفارق 2.3 مليون عامل (37.6 في المائة)، وقس ذلك على بقية المؤشرات الأخرى للسوق”. التحدي الثاني: تشكل برامج توطين غير مدركة فعلا للتشوهات الحقيقية سواء على مستوى الاقتصاد الوطني، أو على مستوى سوق العمل نفسها، ما أفضى بدوره إلى تشكل تحديات جديدة لم تكن في الحسبان، رغم أنها كانت متوقعة في حال تم إغفال هذه الحقائق أو التحديات، ومن أخطرها تفاقم أشكال التوظيف الوهمي!

الآن آتي إلى التحديين الثالث والرابع، يتمثل التحدي الثالث لإصلاح سوق العمل المحلية في ضرورة إعادة هيكلة وبناء وتأهيل كيانات القطاع الخاص، ذلك أن هذا القطاع يعاني تشوهات وضعفا كبيرا، بعض تلك التشوهات التي ترتبط بدرجة أكبر بكيانات القطاع الخاص الكبرى، اختفى خلف عدد من السياسات الاقتصادية العتيقة الزمن، بل إنها “التشوهات” تحولت في مرحلة لاحقة إلى غذاء تقتات عليه كبرى الشركات في القطاع الخاص! وبعضها اختفى خلف التشوهات الكبرى التي يعانيها الاقتصاد الوطني برمته، كالاعتماد المفرط على دخل النفط وما يليه من زيادة في الإنفاق الحكومي وتحديدا على بند المشروعات الحكومية. وصلت حال تلك التشوهات وما يرتبط بها إلى درجة الخوف على مستقبل تلك الكيانات الكبرى في القطاع الخاص، ففي حال طرحت الأسئلة التالية: ماذا سيحدث لأداء تلك الشركات الكبرى، وكيف سيكون مستقبلها حينما تبدأ الحكومة في التخفيف تدريجيا من التحفيزات المقدمة لها “الرفع التدريجي لأسعار استهلاك الطاقة والكهرباء والمياه والوقود والغاز، وخفض الدعم على العديد من المحاصيل الزراعية المستوردة”؟ وكيف سيكون مستقبلها حال اضطرت الحكومة إلى خفض الإنفاق على المشروعات الرأسمالية “شركات المقاولات والتطوير، والشركات الأخرى المساندة لها”؟

في جانب آخر؛ تواجه المنشآت المتوسطة والصغرى في القطاع الخاص انسدادا شبه تام في طريق نموها واستمرار نشاطاتها، وتخضع للعديد من المعوقات والمخاطر التي في الأغلب تنتهي بها إما إلى إفلاسها وانتهاء نشاطها، وإما أن تستسلم لإغراءات نشاطات التستر التجاري، لتغرق تماما في وحله الموبوء، ويتحول وجودها إلى أحد مغذيات تشوهات الاقتصاد والسوق. وفقا لما تقدم؛ أي اعتماد هذا على القطاع الخاص “تحديدا كبرى شركاته”، يؤمل من خلاله أن يتولى زمام المبادرة في دعم النمو الاقتصادي واستدامته، وفي مجال إيجاده فرص العمل، ووجوده في الأصل خاضع لهذه الرعاية والعناية والتحفيز والدعم من قبل الحكومة؟!

التحدي الرابع: أفضت برامج التوطين، التي طبقتها وزارة العمل بصورة كثيفة جدا خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، وجاءت أجزاء كبيرة منها خارج نطاق استراتيجية التوظيف السعودية، إلى تفاقم تحدي آثار عدم الالتزام بتلك الاستراتيجية المهمة! لتتحول إلى تحد جديد يُضاف إلى قائمة التحديات والمخاطر التي تواجهها سوق العمل المحلية. اختصرت استراتيجية التوظيف السعودية تكلفة عدم تنفيذها والالتزام بها “أصبحت في الوقت الراهن تحديات ومعوقات على أرض الواقع” في التالي: أن عدم تنفيذ الاستراتيجية، يعني استمرار الأوضاع الحالية في سوق العمل بما في تلك السوق من تشوهات، ويعني أن تكلفة الفرصة الضائعة الناتجة عن عدم التنفيذ تتلخص في النقاط الآتية: (1) استمرار البطالة في الارتفاع. (2) استمرار زيادة أعداد العمالة الوافدة. (3) استمرار هامشية العمالة السعودية في القطاع الخاص. (4) استمرار الانفصام بين التعليم والتدريب من جهة وسوق العمل من جهة أخرى “المصدر: استراتيجية التوظيف السعودية ص 172 ـــ 173″.

هل نشاهد سوق العمل بكل ما تم فيها من تطورات طوال الأعوام الأربعة الأخيرة بعيدة عما توقعته استراتيجية التوظيف السعودية، أم أننا نجده منطبقا بالتمام والكمال عليها؟ الإجابة تحديدا تشير إلى أن معدل البطالة ما زال مرتفعا جدا، والعمالة الوافدة في القطاع الخاص زادت بنحو 2.3 مليون عامل وافد “نمو بنسبة 36.3 في المائة”، مرتفعة من 6.3 مليون عامل وافد بنهاية 2010 إلى أكثر من 8.5 مليون عامل وافد بنهاية 2014. في المقابل رغم زيادة توظيف العمالة السعودية للفترة نفسها، إلا أنها ووفقا لما سبقت الإشارة إليه في المقالات السابقة، امتزجت تلك الزيادة بزيادة التوظيف الوهمي الذي أصبح أخيرا جريمة مصنفة ضمن جرائم التزوير، ويُقدر استحواذ تلك الوظائف الوهمية على نحو 60.0 في المائة فأكثر من زيادة وظائف العمالة السعودية خلال الفترة، وهذا بالتحديد ما حذرت منه الاستراتيجية بذكرها هامشية توظيف السعوديين والسعوديات. أخيرا، بالنسبة للانفصام القائم بين التعليم والتدريب من جهة وسوق العمل في الجهة المقابلة، فيعكسه حجم ونوع مخرجات التعليم في الوقت الراهن، وما تمتاز به من ارتفاع في تأهيلها العلمي، مقابل تدني مستوى المهارات والتعليم اللازمين لشغل الوظائف المتاحة في السوق.

قد يكون طريق إصلاح وتطوير سوق العمل المحلية، أصبح بعد ما تقدم من تحديد لأهم وأبرز تحدياته شاقا، وقد يكون زاد من تكلفته التحديان الثالث والرابع بصورة أكثر تركيزا، إلا أنه الطريق الذي لا بد من خوض غمار تحدياته ومواجهة أخطاره. إنها الجهود الكبيرة اللازم بذلها من قبل دائرة أكبر بكثير من مجرد ضمها لكل من وزارتي الخدمة المدنية والعمل، إنها الدائرة التي تضم كامل الأجهزة الاقتصادية والمالية في بلادنا، يفترض منها أن تعمل بجهد أكبر وأسرع على حل تلك التحديات الأربعة المحددة هنا، والعمل أيضا على مواجهة التحديات الأخرى التي تأتي في درجة تالية لها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/02/18/article_932188.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.