المقاومة الخاسرة لانهيار أسعار العقار

نشر طوال الأسبوعين الأخيرين عدد من المقالات حول السوق العقارية المحلية، اجتمعت حول فكرة أن مستويات الأسعار اللاهبة التي وصلت إليها الأراضي والعقارات أمر “طبيعي”، قياسا إلى عدد من العوامل والاعتبارات، كان من أهمها في رأي أصحاب تلك الرؤية تآكل القيمة الحقيقية للريال “التضخم”، وأن العقارات جزء رئيس من تلك الأصول التي استحقت الارتفاع مقابل ذلك التراجع في قيمة الريال!

بعيدا عن الخوض في الالتفاتات التي توغلت فيها كل تلك الطروحات المتعددة، فجميعها اتفقت على أن الأسعار لم تتراجع كما “يزعم” البعض، وأن فترة الركود الراهنة التي تمر بها السوق العقارية، لا تتعدى “استراحة محارب”، وسرعان ما ستعود وتيرة الأسعار إلى الارتفاع كسابق عهدها، وأن ما يخالف توقعات تلك الرؤى والتنبؤات من قبلهم مجرد فرقعات إعلامية، وأنها فقط تتلاعب بالإحصاءات والأرقام، وتنتقي منها ما يوافق هوى كتابها المحدودين الأفق، وتوجهها قسرا إلى فكرة انهيار “خيالية جدا” لن تحدث على أرض الواقع.

على الرغم من تسفيه أغلب أصحاب تلك الرؤى من يخالفها في توقع استمرار ارتفاع الأسعار، وأنهم لا يفقهون الاقتصاد وواقع السوق العقارية كما يفقهونها هم، بما يعني في جانب آخر عدم الالتفات إلى أي رأي يخالفهم، وأن القول الفصل في هذه المسألة هو لأقلامهم وحدهم ولا سواهم، وهي “توصية” تستحق التأمل كثيرا؛ إذا علمت أن مقالات بعض كتاب هذا الرأي هو “المقال الأول والأخير” له في الشأن العقاري! أو علمت أن جزءا من تلك المقالات أو التحقيقات هو لأطراف ذات مصلحة في السوق العقارية، إما تعمل في مجال السمسرة والتسويق وإما في مجال التطوير العقاري. هذا إضافة إلى اعتماد أصحاب تلك الرؤى المبشرة في بناء فرضيتهم بصعود “لا ينقطع نفسه أبدا” للعقار، على العوامل والإحصاءات نفسها التي أنكرت على من يخالفها الرأي الاعتماد عليها! بغض النظر عن التناقض والأخطاء الفادحة التي وقع فيها أصحاب رأي “إنكار” هبوط وانهيار أسعار العقار، فأحدهم يرى أن عقاراتنا ليست كعقارات العديد من البلدان ممولة في تطويرها وآليات تملكها من قبل المصارف التجارية، وعليه فلا يوجد أي سبب يضغط على ملاك العقارات للتنازل والبيع بأسعار أقل مما يزعمه “منظرو” انهيار الأسعار! وآخر يطالب مؤسسة النقد بضرورة العمل على رفع نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري من 70 في المائة إلى ما لا يقل عن 90 في المائة، أو حتى 100 في المائة! أخيرا؛ لم أقرأ لأحد أصحاب تلك الرؤى رقما إحصائيا بعد عام 2010، حيث غلب على إحصاءاتهم تقادمها اللافت، بل إن بعضها استند إلى بيانات ترجع إلى 1992! على الرغم من التطورات الكبيرة جدا التي طرأت على الاقتصاد الوطني والسوق العقارية تحديدا طوال الأعوام الأربعة الأخيرة، دعْ عنك من لم يرد في مقاله أو طرحه رقما واحدا سوى سعر متر الأرض قبل 40 عاما وسعره اليوم!

التركيز في هذا المقال وما سيليه لا يستهدف الرد على أصحاب تلك الرؤى، أو حتى محاولة تغيير قناعاتهم، فهذا جهد ضائع من البداية، سيطول طريقه ولن يصل إلى نهاية متفق عليها، والزمن كفيل بمعالجته مع استمرار الركود العقاري، والاستمرار أيضا في تراجع الأسعار الذي تنكره تلك الأقلام، ولن يحركها عن قناعاتها تلك إلا أن ترى بأم عينها ما كان سعره في وقت مضى بـ 3000 ريال للمتر المربع من الأرض دون الـ 750 ريالا للمتر المربع نفسه!

إنما سينصب التركيز والاهتمام على: (أولا) ضرورة أن يتضح تماما للأجهزة الحكومية المعنية المسؤولة عن ملف الإسكان، بكل أبعاده الاقتصادية والمالية، وقبل كل تلك الأبعاد التقليدية تأتي الأبعاد الأمنية بالدرجة الأولى والاجتماعية بالدرجة الثانية، فما يواجه المجتمع السعودي في الوقت الراهن من إفرازات خطيرة ناتجة فقط عن تشوهات السوق العقارية بالدرجة الأولى، سبق أن طرحتها في أكثر من مقام ومقال سابق مدعومة بالإحصاءات الرسمية الحديثة، بدأت بمنح الأراضي بمساحات شاسعة جدا لأفراد محدودي العدد، انتقل جزء محدود منها لاحقا إلى أيدي قلة من كبار تجار العقار، ثم إلى أيدي المضاربين والسماسرة، لتبدأ متوالية عملاقة من المضاربات وتدوير الأموال على تلك المساحات المحدودة من الأراضي، انتهت إلى نتيجتين لا ثالث لهما: (1) تشحيح الأراضي وحجبها عن التطوير والإعمار. (2) تضخيم أسعار الأراضي المحدودة المساحة، المتداولة أصلا بين أيادي ثلة العقاريين والمضاربين. وماذا كانت النتيجة؟ إلا أن تضاعفت قيمة الأراضي المحتكرة والممنوعة من التطوير والإعمار لدى ملاكها المحدودين، بسبب آليات تسخين الأسعار السوقية على ما جرى فسحه والسماح له بالتداول المحدود جدا بين العقاريين والمضاربين، وهي المساحة من الأراضي التي لا تتجاوز عشر تلك المساحات الشاسعة من الأراضي لدى ملاكها المعدودين! ومن يا ترى تحمل دفع ثمن هذه (الطاحونة المدمرة)؟ إلا أنهما الاقتصاد الوطني والمجتمع وحدهما فقط! مقابل أن من قبض منفردا هذا الثمن الفادح جدا انحصر في أعضاء هذه (الطاحونة المدمرة).

وبالدرجة الثانية التشوهات التي يعانيها الاقتصاد الوطني من ضيق شديد في القنوات الاستثمارية خلاف السوقين المالية والعقارية، واضطرار السيولة المحلية الضخمة للمضاربة والتدوير في إحدى هاتين السوقين، عوضا عن استثمارها في الإنتاج والتطوير، والمساهمة الحقيقية في زيادة القيمة المضافة إلى الاقتصاد، وفي إيجاد فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات، والعمل الحقيقي على تأسيس الاستقرار والنمو الاقتصاديين واستدامتهما، وترجمته إلى تنمية شاملة مستدامة وحقيقية، تنعكس ثمارها المأمولة على الوطن والمجتمع على حد سواء، وإنقاذهما من الورطات الخطيرة التي ستنشأ عن سيطرة المضاربات بالأموال على مقدرات الاقتصاد والمجتمع، وما تؤدي إليه من تفتيت خطير جدا لأي مجتمع كان، تبدأ خطوتها الأولى المدمرة بزيادة التباين في الدخل بين أفراده، ولن تتأخر خطوتها الأخيرة ذات الدمار الشامل على رأس كل من الاقتصاد والمجتمع في منظور زمني لن يتجاوز عمر جيلين من المجتمع، حتى تراها عيانا بيانا.

(ثانيا) ضرورة أن تتضح الصورة بكل أبعادها وتفاصيلها لعموم الأفراد في مجتمعنا، الذين يدفعون وحدهم الثمن الباهظ للغلاء الذي وصلت إليه أسعار العقارات، ويراد لهم لأسباب عديدة أن يتورطوا في تحمل ديون مصرفية طائلة يمتد استحقاق سدادها لأكثر من 25 عاما، من أجل تملك مسكن يباع اليوم بأكثر من أربعة أضعاف قيمته الحقيقية! وأن هذه القضية العظمى توليها الدولة – أيدها الله – في الوقت الراهن جل اهتمامها، وأن العمل جار على فكها وحلها مهما كلف الأمر من مال وجهد، الذي لن يبلغ مهما بلغ من تكاليف حتى 1.0 في المائة من العواقب الوخيمة اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا باستمرار حياة هذه التشوهات في السوق العقارية المحلية، وللحديث بقية .. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/03/02/article_936045.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.